back page

fehrest page

next page

القول فى غير الحيوان

مسألة 1 :

يحرم تناول الاعيان النجسة ، و كذا المتنجسة ما دامت باقية على النجاسة ، مائعة كانت أو جامدة .

مسألة 2 :

يحرم تناول كل ما يضر بالبدن ، سواء كان موجبا للهلاك كشرب السموم القاتلة و شرب الحامل ما يوجب سقوط الجنين ، أو سببا لانحراف المزاج ، أو لتعطيل بعض الحواس الظاهرة أو الباطنة ، أو لفقد بعض القوى كالرجل يشرب ما يقطع به قوة الباه و التناسل أو المرأة تشرب ما به تصير عقيما لا تلد .

مسألة 3 :

لا فرق فى حرمة تناول المضر على الاقوى فيما يوجب التهلكة و على الاحوط فى غيره بين معلوم الضرر و مظنونه ، بل و محتمله أيضا إذا كان احتماله معتدا به عند العقلاء بحيث أوجب الخوف عندهم ، و كذا لا فرق بين أن يكون الضرر المترتب عليه عاجلا أو بعد مدة .

مسألة 4 :

يجوز التداوي و المعالجة بما يحتمل فيه الخطر و يؤدي إليه أحيانا إذا كان النفع المترتب عليه حسبما ساعدت عليه التجربة و حكم به الحذاق و أهل الخبرة غالبيا بل يجوز المعالجة بالمضر العاجل الفعلى المقطوع به إذا يدفع به ما هو أعظم ضررا و أشد خطرا ، و من هذا القبيل قطع بعض الاعضاء دفعا للسراية المؤدية إلى الهلاك و بط الجرح ، و الكى بالنار ، و بعض العمليات المعمولة فى هذه الاعصار بشرط أن يكون الاقدام على ذلك جاريا مجرى العقلاء ، بأن يكون المباشر للعمل حاذقا محتاطا مباليا غير مسامح و لا متهور .

مسألة 5 :

ما كان يضر كثيره دون قليله يحرم كثيره المضر دون قليله غير المضر ، و لو فرض العكس كان بالعكس ، و كذا ما يضر منفردا لا منضما مع غيره يحرم منفردا ، و ما كان بالعكس كان بالعكس .

مسألة 6 :

ما لا يضر تناوله مرة أو مرتين مثلا لكن يضر إدمانه و زيادة تكريره و التعود به يحرم تكريره المضر خاصة .

مسألة 7 :

يحرم أكل الطين و هو التراب المختلط بالماء حال بلته ، و كذا المدر و هو الطين اليابس ، و يلحق بهما التراب على الاحوط و إن كان عدم الالحاق لا يخلو من قوة إلا مع إضراره ، و لا بأس بما يختلط به الحنطة أو الشعير مثلا من التراب و المدر و صارا دقيقا و استهلك فيه ، و كذا ما يكون على وجه الفواكه و نحوها من التراب و الغبار ، و كذا الطين الممتزج بالماء المتوحل الباقى على إطلاقه ، نعم لو أحس ذائقته الاجزاء الطينية حين الشرب فالاحوط الاجتناب إلى أن يصفو و إن كان الاقرب جواز شربه مع الاستهلاك .

مسألة 8 :

الظاهر أنه لا يلحق بالطين الرمل و الاحجار و أنواع المعادن فهى حلال كلها مع عدم الضرر .

مسألة 9 :

يستثنى من الطين طين سيدنا أبى عبد الله الحسين عليه السلام للاستشفاء ، و لا يجوز أكلها لغيره ، و لا أكل ما زاد عن قدر الحمصة المتوسطة ، و لا يلحق به طين غير قبره حتى قبر النبى صلى الله عليه و اله و الائمة عليهم السلام على الاقوى ، نعم لا بأس بأن يمزج بماء أو شربة و يستهلك فيه و التبرك و الاستشفاء بذلك الماء و تلك الشربة .

مسألة 10 :

ذكر لاخذ التربة المقدسة و تناولها عند الحاجة آداب و أدعية لكن الظاهر أنها شروط كمال لسرعة الاجابة ، لا شرط لجواز تناولها .

مسألة 11 :

القدر المتيقن من محل أخذ التربة هو القبر الشريف و ما يلحق به عرفا ، و الاحوط الاقتصار عليه ، و أحوط منه استعمال الترب التى فى هذه الاعصار ممزوجا بالماء و غيره على نحو الاستهلاك ، بل لا يترك هذا الاحتياط إذا كان المأخوذ طينا أو مدرا ، نعم بناء على ما قدمناه من عدم حرمة التراب مطلقا لا بأس بأخذه للاستشفاء من الحائر و غيره إلى رأس ميل ، بل أزيد مما اشتملت عليه الاخبار بقصد الرجاء ، و لا يحرم تناوله ، لكن ينبغى ترك الاحتياط .

مسألة 12 :

تناول التربة المقدسة للاستشفاء أما بازدرادها و ابتلاعها و أما بحلها فى الماء و شربه أو بأن يمزجها بشربة و يشربها بقصد الشفاء .

مسألة 13 :

لو أخذ التربة بنفسه أو علم من الخارج بإن هذا الطين من تلك التربة المقدسة فلا إشكال ، و كذا إذا قامت على ذلك البينة ، بل الظاهر كفاية قول عدل واحد بل شخص ثقة ، و فى كفاية قول ذي اليد إشكال ، و الاحوط فى غير صورة العلم و قيام البينة تناولها بالامتزاج بماء أو شربة بعد استهلاكها .

مسألة 14 :

لا يبعد جواز تناول الطين الارمنى للتداوي ، و لكن الاحوط عدم تناوله إلا عند انحصار العلاج أو ممزوجا بماء و نحوه بحيث لا يصدق معه أكل الطين .

مسألة 15 :

يحرم الخمر بالضرورة من الدين بحيث يكون مستحله فى زمرة الكافرين مع الالتفات إلى لازمه أي تكذيب النبى صلى الله عليه و آله و العياذ بالله ، و قد ورد فى الاخبار التشديد العظيم فى تركها ، و التوعيد الشديد فى ارتكابها ، و عن الصادق عليه السلام " إن الخمر أم الخبائث و رأس كل شر ، يأتى على شاربها ساعة يسلب لبه فلا يعرف ربه ، و لا يترك معصية إلا ركبها ، و لا يترك حرمة إلا انتهكها ، و لا رحما ماسة إلا قطعها ، و لا فاحشة إلا أتاها " و قد ورد " إن رسول الله صلى الله عليه و آله لعن فيها عشرة : غارسها و حارسها و عاصرها و شاربها و ساقيها و حاملها و المحمول إليه و بائعها و مشتريها و آكل ثمنها " بل نص فى بعض الاخبار أنه أكبر الكبائر و فى أخبار كثيرة أن " مدمن الخمر كعابد وثن " و قد فسر المدمن فى بعض الاخبار بأنه ليس الذي يشربها كل يوم و لكنه الموطن نفسه أنه إذا وجدها شربها ، هذا مع كثرة المضار فى شربها التى اكتشفها حذاق الاطباء فى هذه الازمنة و أذعن بها المنصفون من غير ملتنا .

مسألة 16 :

يلحق بالخمر موضوعا أو حكما كل مسكر جامدا كان أو مائعا ، و ما أسكر كثيره دون قليله حرم قليله و كثيره ، و لو فرض عدم إسكارها فى بعض الطباع أو بعض الاصقاع أو مع العادة لا يوجب ذلك عدم حرمتها .

مسألة 17 :

لو انقلبت الخمر خلا حلت سواء كان بنفسها أو بعلاج ، بدون مزج شى‏ء بها أو معه ، سواء استهلك الخليط فيها قبل أن تنقلب خلا كما إذا مزجت بقليل من الملح أو الخل فاستهلكا فيها ثم انقلبت خلا أو لم يستهلك بل بقى فيها إلى ما بعد الانقلاب لكن بشرط أن يكون الخلط للعلاج و بمقدار متعارف ، و أما مع الزيادة عنه فمحل إشكال ، بل مع الغلبة فالاقوى حرمتها و نجاستها ، و يطهر الممتزج المتعارف الباقى بالتبعية كما يطهر بها الاناء .

مسألة 18 :

و من المحرمات المائعة الفقاع إذا صار فيه نشيش و غليان و إن لم يسكر ، و هو شراب معروف كان فى الصدر الاول يتخذ من الشعير فى الاغلب ، و ليس منه ماء الشعير المعمول بين الاطباء .

مسألة 19 :

يحرم عصير العنب إذا نش و بنفسه أو بالنار ، و أما العصير الزبيبى و التمري فيحلان إن غليا بالنار ، و كذا إن غليا بنفسهما إلا إذا ثبت إسكارهما ، و الظاهر أن الغليان بالشمس كالغليان بالنار ، فله حكمه .

مسألة 20 :

الظاهر أن الماء الذي فى جوف حبة العنب بحكم عصيره ، فيحرم إذا غلى بنفسه أو بالنار ، نعم لا يحكم بحرمته ما لم يحرز غليانه ، فلو وقعت حبة من العنب فى قدر يغلى و هى تعلو و تسفل فى الماء المغلى فلا تحرم مالم يعلم بغليانه ، و مجرد ما ذكر لا يوجب غليان جوفها .

مسألة 21 :

من المعلوم أن الزبيب ليس له عصير فى نفسه ، فالمراد بعصيره ما اكتسب منه الحلاوة ، أما بان يدق و يخلط بالماء و أما بأن ينقع فى الماء و يمكث إلى أن يكتسب حلاوته بحيث صار فى الحلاوة بمثابة عصير العنب ، و أما بأن يمرس و يعصر بعد النقع فيستخرج عصارته ، و أما إذا كان الزبيب على حاله و حصل فى جوفه ماء فالظاهر أن ما فيه ليس من عصيره ، فلا يحرم بالغليان ، و لو قلنا بحرمة عصيره المغلى فلا إشكال فيما وضع فى طبيخ أو كبة أو محشى و نحوها و إن ورد فيه ماء و غلى فضلا عما إذا شك فيه .

مسألة 22 :

الظاهر أن ما غلى بنفسه من أقسام العصير الذي قلنا بحرمته لا تزول حرمته إلا بالتخليل كالخمر ، حيث أنها لا تحل إلا بانقلابها خلا ، و لا أثر فيه لذهاب الثلثين ، و أما ما غلى بالنار و نحوها تزول حرمته بذهاب ثلثيه ، و الاحوط أن يكون ذلك بالنار أو بما يغليه ، لا بالهواء و طول المكث ، نعم لا يلزم أن يكون ذهاب الثلثين فى حال غليانه ، بل يكفى ذلك إذا كان مستندا إلى النار و لو بضميمة ما ينقص منه بعد غليانه قبل أن يبرد ، فلو كان العصير فى القدر على النار و قد غلى حتى ذهب نصفه ثلاثة أسداسه ثم وضع القدر على الارض فنقص منه قبل أن يبرد بسبب صعود البخار سدس آخر كفى فى الحلية .

مسألة 23 :

إذا صار العصير المغلى دبسا قبل أن يذهب ثلثاه لا يكفى فى حليته على الاحوط .

مسألة 24 :

إذا اختلط العصير بالماء ثم غلى فذهب ثلثا المجموع ففى الحلية إشكال إلا إذا علم بذهاب ثلثى العصير .

مسألة 25 :

لو صب على العصير المغلى قبل أن يذهب ثلثاه مقدار من العصير غير المغلى وجب ذهاب ثلثى مجموع ما بقى من الاول مع ما صب ثانيا ، و لا يحسب ما ذهب من الاول أولا ، فإذا كان فى القدر تسعة أرطال من العصير فغلى حتى ذهب منه ثلاثة و بقى ستة ثم صب عليه تسعة أرطال أخر فصار خمسة عشر يجب أن يغلى حتى يذهب عشرة و يبقى خمسة ، و لا يكفى ذهاب تسعة و بقاء ستة ، لكن أصل هذا العمل خلاف الاحتياط ، فالاحوط أن يطبخ كل على حدة و إن كان لما ذكرنا وجه .

مسألة 26 :

لا بأس بأن يطرح فى العصير قبل ذهاب الثلثين مثل اليقطين و السفرجل و التفاح و غيرها و يطبخ فيه حتى يذهب ثلثاه فإذا حل حل ما طبخ فيه ، لكن إذا كان المطروح مما يجذب العصير إلى جوفه فلابد فى حليته من ذهاب ثلثى ما فى جوفه أيضا .

مسألة 27 :

يثبت ذهاب الثلثين من العصير المغلى بالعلم و بالبينة و بإخبار ذي اليد المسلم ، بل و بالاخذ منه إذا كان ممن يعتقد حرمة ما لم يذهب ثلثاه ، بل و إذا لم يعلم اعتقاده أيضا ، نعم إذا علم أنه ممن يستحل العصير المغلى قبل أن يذهب ثلثاه مثل أن يعتقد أنه يكفى فى حليته صيرورته دبسا أو اعتقد أن ذهاب الثلثين لا يلزم أن يكون بالنار بل يكفى بالهواء و طول المكث أيضا ففى جواز الاستئمان بقوله إذا أخبر عن حصول التثليث خلاف و إشكال ، و أولى بالاشكال جواز الاخذ منه و البناء على أنه طبخ على الثلث إذا احتمل ذلك من دون تفحص عن حاله ، فالاحوط الاجتناب عنه و عدم الاعتماد بقوله و عدم البناء على تثليث ما أخذ منه ، بل لا يخلو من قوة .

مسألة 28 :

يحرم تناول مال الغير و إن كان كافرا محترم المال بدون إذنه و رضاه ، و لا بد من إحراز ذلك بعلم و نحوه ، و قد ورد " من أكل من طعام لم يدع إليه فكأنما أكل قطعة من النار " .

مسألة 29 :

يجوز أن يأكل الانسان و لو مع عدم الضرورة من بيوت الاباء و الامهات و الاولاد و الاخوان و الاخوات و الاعمام و العمات و الاخوال و الخالات و الاصدقاء ، و كذا الزوجة من بيت زوجها ، و كذا يجوز لمن كان وكيلا على بيت أحد مفوضا عليه أموره و حفظه بما فيه أن يأكل من بيت موكله ، و إنما يجوز الاكل من تلك البيوت إذا لم يعلم كراهة صاحب البيت ، فيكون امتيازها عن غيرها بعدم توقف جواز الاكل منها على إحراز الرضا و الاذن من صاحبها ، فيجوز مع الشك بل مع الظن بالعدم أيضا على الاقوى ، لكن لا ينبغى ترك الاحتياط خصوصا مع غلبته ، و الاحوط اختصاص الحكم بما يعتاد أكله من الخبز و التمر و الادام و الفواكه و نحوها دون نفائس الاطعمة التى تدخر غالبا لمواقع الحاجة و للاضياف ذوي الشرف و العزة ، و الظاهر التعدية إلى غير المأكول من المشروبات العادية كاللبن المخيض و اللبن الحليب و غيرها ، و لا يتعدى إلى بيوت غيرهم و لا إلى غير بيوتهم كدكاكينهم و بساتينهم ، كما أنه يقتصر على ما فى البيت من المأكول ، فلا يتعدى إلى ما يشترى من الخارج بثمن يؤخذ من البيت .

مسألة 30 :

تباح جميع المحرمات المزبورة حال الضرورة أما لتوقف حفظ نفسه و سد رمقه على تناوله ، أو لعروض المرض الشديد الذي لا يتحمل عادة بتركه ، أو لاداء تركه إلى لحوق الضعف المفرط المؤدي إلى المرض الذي لا يتحمل عادة أو إلى التلف أو المؤدي إلى التخلف عن الرفقة مع ظهور امارة العطب ، و منها ما إذا أدى بتركه إلى الجوع و العطش الذين لا يتحملان عادة ، و منها ما إذا خيف بتركه على نفس أخرى محترمة ، كالحامل تخاف على جنينها و المرضعة على طفلها ، بل و منها خوف طول المرض الذي لا يتحمل عادة أو عسر علاجه بترك التناول ، و المدار فى الكل على الخوف الحاصل من العلم أو الظن بالترتب بل الاحتمال الذي يكون له منشأ عقلائى لا مجرد الوهم و الاحتمال .

مسألة 31 :

و من الضرورات المبيحة للمحرمات الاكراه و التقية عمن يخاف منه على نفسه أو نفس محترمة أو على عرضه أو عرض محترم أو مال محترم منه معتد به مما يكون تحمله حرجيا أو من غيره كذلك .

مسألة 32 :

فى كل مورد يتوقف حفظ النفس على ارتكاب محرم يجب الارتكاب ، فلا يجوز التنزه و الحال هذه ، و لا فرق بين الخمر و الطين و بين سائر المحرمات ، فإذا أصابه عطش حتى خاف على نفسه جاز شرب الخمر بل وجب ، و كذا إذا اضطر إلى غيرها من المحرمات .

مسألة 33 :

لو اضطر إلى محرم فليقتصر على مقدار الضرورة و لا يجوز له الزيادة ، فإذا اقتضت الضرورة أن يشرب الخمر أو يأكل الميتة لدفع الخوف على نفسه فليقتصر على ذلك و لا يجوز له الزيادة .

مسألة 34 :

يجوز التداوي لمعالجة الامراض بكل محرم إذا انحصر به العلاج و لو بحكم الحذاق من الاطباء الثقات ، و المدار على انحصاره بحسب تشخيصهم و ما بين أيدي الناس مما يعالج به لا الواقع الذي لا يحيط به إدراك البشر .

مسألة 35 :

المشهور على ما حكى عدم جواز التداوي بالخمر بل بكل مسكر حتى مع الانحصار ، لكن الجواز لا يخلو من قوة بشرط العلم بكون المرض قابلا للعلاج و العلم بأن تركه يؤدي إلى الهلاك أو إلى ما يدانيه و العلم بانحصار العلاج به بالمعنى الذي ذكرناه ، و لا يخفى شدة أمر الخمر ، فلا يبادر إلى تناولها و المعالجة بها إلا إذا رأى من نفسه الهلاك أو نحوه لو ترك التداوي بها و لو بسبب توافق جماعة من الحذاق و أولى الديانة و الدراية من الاطباء ، و إلا فليصطبر على المشقة فلعل الباري تعالى شأنه يعافيه لما رأى منه التحفظ على دينه أو يعطيه الثواب الجزيل على صبره .

مسألة 36 :

لو اضطر إلى أكل طعام الغير لسد رمقه و كان المالك حاضرا فإن كان هو أيضا مضطرا لم يجب عليه بذله ، و هل لا يجوز له ذلك ؟ فيه تأمل ، و لا يجوز للمضطر قهره ، و إن لم يكن مضطرا يجب عليه بذله للمضطر ، و إن امتنع عن البذل جاز له قهره بل مقاتلته و الاخذ منه قهرا ، و لا يتعين على المالك بذله مجانا ، فله أن لا يبذله إلا بالعوض ، و ليس للمضطر قهره بدونه ، فإن اختار البذل بالعوض فإن لم يقدره بمقدار كان له عليه ثمن مثل ما أكله إن كان قيميا أو مثله إن كان مثليا ، و إن قدره لم يتعين عليه تقديره بثمن المثل أو أقل بل له أن يقدره بأزيد منه ما لم ينته إلى الحرج ، و إلا فليس له ، فبعد التقدير إن كان المضطر قادرا على دفعه يجب عليه الدفع إن طالبه به ، و إن كان عاجزا يكون فى ذمته ، هذا إذا كان المالك حاضرا ، و لو كان غائبا فله الاكل منه بقدر سد رمقه و تقدير الثمن و جعله فى ذمته ، و لا يكون أقل من ثمن المثل و الاحوط المراجعة إلى الحاكم لو وجد ، و مع عدمه فإلى عدول المؤمنين .

مسألة 37 :

يحرم الاكل على مائدة يشرب عليها شى‏ء من الخمر بل و غيرها من المسكرات ، و كذا الفقاع ، ثم أن للاكل و الشرب آداب مندوبة و مكروهة مذكورة فى المفصلات فليراجع إليها .

كتاب الغصب

و هو الاستيلاء على ما للغير من مال أو حق عدوانا ، و قد تطابق العقل و النقل كتابا و سنة و إجماعا على حرمته ، و هو من أفحش الظلم الذي قد استقل العقل بقبحه ، و فى النبوي " من غصب شبرا من الارض طوقه الله من سبع أرضين يوم القيامة " و فى نبوي آخر " من خان جاره شبرا من الارض جعله الله طوقا فى عنقه من تخوم الارض السابعة حتى يلقى الله يوم القيامة مطوقا إلا أن يتوب و يرجع " و فى آخر " من أخذ أرضا بغير حق كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر " و من كلام أمير المؤمنين عليه السلام " الحجر الغصب فى الدار رهن على خرابها " .

مسألة 1 :

المغصوب إما عين مع المنفعة من مالك واحد أو مالكين و إما عين بلا منفعة ، و أما منفعة مجردة ، و إما حق مالى متعلق بعين ، فالاول كغصب الدار من مالكها و كغصب العين المستأجرة من المؤجر و المستأجر ، و الثانى كما إذا غصب المستأجر العين المستأجرة من مالكها فى مدة الاجارة ، و الثالث كما إذا أخذ المؤجر العين المستأجرة و انتزعها من يد المستأجر و استولى على منفعتها مدة الاجارة ، و الرابع كما إذا استولى على أرض محجرة أو عين مرهونة بالنسبة إلى المرتهن الذي له فيها حق الرهانة ، و من ذلك غصب المساجد و المدارس و الرباطات و القناطر و الطرق و الشوارع العامة ، و كذا غصب المكان الذي سبق إليه أحد من المساجد و المشاهد على احتمال موافق للاحتياط .

مسألة 2 :

المغصوب منه قد يكون شخصا كما فى غصب الاعيان و المنافع المملوكة للاشخاص و الحقوق لهم ، و قد يكون النوع أو الجهة كغصب الرباط المعد لنزول القوافل و المدرسة المعدة لسكنى الطلبة إذا غصب أصل المدرسة و منع عن سكنى الطلبة ، و كغصب الخمس و الزكاة قبل دفعهما إلى المستحق ، و كغصب ما يتعلق بالمشاهد و المساجد و نحوهما .

مسألة 3 :

للغصب حكمان تكليفيان ، و هما الحرمة و وجوب الرد إلى المغصوب منه أو وليه ، و حكم وضعى ، و هو الضمان بمعنى كون المغصوب على عهدة الغاصب ، و كون تلفه و خسارته عليه ، و أنه إذا تلف يجب عليه دفع بدله ، و يقال لهذا الضمان ضمان اليد .

مسألة 4 :

يجري الحكمان التكليفيان فى جميع أقسام الغصب ، فالغاصب آثم فيها و يجب عليه الرد ، و أما الحكم الوضعى و هو الضمان فيختص بما إذا كان المغصوب من الاموال عينا كان أو منفعة ، فليس فى غصب الحقوق ضمان اليد .

مسألة 5 :

لو استولى على حر فحبسه لم يتحقق الغصب لا بالنسبة إلى عينه و لا بالنسبة إلى منفعته ، و إن أثم بذلك و ظلمه سواء كان كبيرا أو صغيرا فليس عليه ضمان اليد الذي هو من أحكام الغصب ، فلو أصابه حرق أو غرق أو مات تحت استيلائه من غير تسبيب منه لم يضمن ، و كذا لا يضمن منافعه ، كما إذا كان صانعا و لم يشتغل بصنعته فى تلك المدة فلا يضمن أجرته ، نعم لو استوفى منه منفعة كما إذا استخدمه لزمه أجرته و كذا لو تلف بتسبيب منه مثل ما إذا حبسه فى دار فيه حية فلدغته أو فى محل السباع فافترسته ضمنه من جهة سببيته للتلف لا لاجل الغصب و اليد .

مسألة 6 :

لو منع غيره عن إمساك دابته المرسلة أو من القعود على فراشه أو عن الدخول فى داره أو عن بيع متاعه لم يكن غاصبا و إن كان عاصيا و ظالما له من جهة منعه ، فلو هلكت الدابة و تلف الفراش أو انهدمت الدار أو نقصت قيمة المتاع بعد المنع لم يكن على المانع ضمان اليد ، و هل عليه ضمان من جهة أخرى أم لا ؟ أقواهما العدم فى الاخير ، و هو ما إذا نقصت القيمة ، و أما فى غيره فإن كان الهلاك و التلف و الانهدام غير مستند إلى منعه بإن كانت بآفة سماوية و سبب قهري لا يتفاوت فى ترتبها بين ممنوعية المالك و عدمها لم يكن عليه ضمان ، و أما إذا كان مستندا إليه كما إذا كان الدابة ضعيفة أو فى موضع السباع و كان المالك يحفظها فلما منعه المانع و لم يقدر على حفظها وقع عليها الهلاك ففى الضمان تأمل ، لكنه أحوط .

مسألة 7 :

استيلاء الغاصب على المغصوب و صيرورته تحت يده عرفا يختلف باختلاف المغصوبات ، و الميزان صيرورة الشى‏ء كذلك عدوانا ، ففى المنقول غير الحيوان يتحقق بأخذه بيده أو بنقله إليه أو إلى بيته أو دكانه أو أنباره و غيرها مما يكون محرزا لامواله و لو كان ذلك لا بمباشرته بل بأمره فلو نقل حمال بأمره كان الامر غاصبا و كفى فى الضمان ، بل و لو كان المنقول فى بيته أو دكانه مثلا و طالب المالك و لم يؤده إليه و كان مستوليا على البيت و الدكان يكفى فى الضمان ، بل لو استولى على الفراش مثلا و لو بقعوده عليه كفى ، و لا يكفى مجرد القعود و قصد الاستيلاء ما لم يتحقق ذلك عرفا ، و هو مختلف فى الموارد ، كما أن فى الحيوان أيضا هو الميزان ، و يكفى الركوب عليه لو أخذ مقوده و زمامه أو سوقه بعد طرد المالك و دفعه أو عدم حضوره إذا كان يمشى بسياقه و يكون منقادا له ، فلو كانت قطيع غنم فى الصحراء و معها راعيها فطرده و استولى عليها بعنوان القهر و الانتزاع من مالكها و جعل يسوقها و صار بمنزلة راعيها يحافظها و يمنعها عن التفرق فالظاهر كفايته فى تحقق الغصب لصدق الاستيلاء عرفا ، و أما غير المنقول فيكفى فى غصب الدار و نحوها كالدكان و ال
ان أن يسكنها أو يسكن غيره ممن يأتمر بأمره فيها بعد إزعاج المالك عنها أو عدم حضورها ، و كذا لو أخذ مفاتيحها من صاحبها قهرا و كان يغلق الباب و يفتحه و يتردد فيها ، و أما البستان فكذلك لو كان له باب و حيطان ، و إلا فيكفى دخوله و التردد فيه بعد طرد المالك بعنوان الاستيلاء و بعض التصرفات فيه ، و كذا الحال فى غصب القرية و المزرعة ، هذا كله فى غصب الاعيان ، و أما غصب المنافع فإنما هو بانتزاع العين ذات المنفعة عن مالك المنفعة و جعلها تحت يده بنحو ما تقدم كما فى العين المستأجرة إذا أخذها المؤجر أو غيره من المستأجر و استولى عليها فى مدة الاجارة ، سواء استوفى تلك المنفعة التى ملكها المستأجر أم لا .

مسألة 8 :

لو دخل الدار و سكنها مع مالكها فإن كان المالك ضعيفا غير قادر على مدافعته و إخراجه فإن اختص استيلاؤه و تصرفه بطرف معين منها اختص الغصب و الضمان بذلك الطرف دون غيره ، و إن كان استيلاؤه و تصرفاته و تقلباته فى أطراف الدار و أجزائها بنسبة واحدة و تساوى يد الساكن مع يد المالك عليها فالظاهر كونه غاصبا للنصف ، فيكون ضامنا له خاصة بمعنى أنه لو انهدمت الدار ضمن الساكن نصفها ، و لو انهدم بعضها ضمن نصف ذلك البعض ، و كذا يضمن نصف منافعها ، و لو فرض أن المالك الساكن بأزيد من واحد ضمن الساكن الغاصب بالنسبة فى الفرض ، فإن كانا اثنين ضمن الثلث ، و إن كانوا ثلاثة ضمن الربع و هكذا ، و لو كان الساكن ضعيفا بمعنى أنه لا يقدر على مقاومة المالك و أنه كلما أراد أن يخرجه من داره أخرجه فالظاهر عدم تحقق الغصب و لا اليد و لا الاستيلاء ، فليس عليه ضمان اليد ، نعم عليه بدل ما استوفاه من منفعة الدار ما دام كونه فيها .

مسألة 9 :

لو أخذ بمقود الدابة فقادها و كان المالك راكبا عليها فإن كان فى الضعف و عدم الاستقلال بمثابة المحمول عليها كان القائد غاصبا لها بتمامها ، و يتبعه الضمان ، و لو كان العكس بأن كان المالك الراكب قويا قادرا على مقاومته و مدافعته فالظاهر عدم تحقق الغصب أصلا ، فلا ضمان عليه لو تلفت الدابة فى تلك الحال ، نعم لا إشكال فى ضمانه لها لو اتفق تلفها بسبب قوده لها ، كما يضمن السائق لها لو كان لها جماح فشردت بسوقه فوقعت فى بئر أو سقطت عن مرتفع مثلا فتلفت أو عيبت .

مسألة 10 :

لو اشترك اثنان فى الغصب ضمن كل منهما للبعض بنسبة الاستيلاء ، إن نصفا فنصف و هكذا ، سواء كان كل واحد منهما قويا قادرا على الاستيلاء على العين و دفع المالك و القهر عليه أم لا ، بل كان كل ضعيفا بانفراده و إنما استيلاؤهما عليها و دفع المالك كان بالتعاضد و التعاون ، و سواء كان المالك حاضرا أو غائبا .

مسألة 11 :

غصب الاوقاف العامة كالمساجد و المقابر و المدارس و القناطر و الرباطات المعدة لنزول المسافرين و الطرق و الشوارع العامة و نحوها و الاستيلاء عليها و إن كان حراما و يجب ردها لكن الظاهر أنه لا يوجب ضمان اليد لا عينا و لا منفعة ، فلو غصب مسجدا أو مدرسة أو رباطا فانهدمت تحت يده من دون تسبيب منه لم يضمن عينها و لا منفعتها ، نعم الاوقاف العامة على الفقراء أو غيرهم بنحو وقف المنفعة يوجب غصبها الضمان عينا و منفعة ، فإذا غصب خانا أو دكانا أو بستانا كانت وقفا على الفقراء مثلا على أن تكون منفعتها و نماؤها لهم ترتب عليه الضمان كغصب المملوك .

مسألة 12 :

لو حبس حرا لم يضمن لا نفسه و لا منافعه ضمان اليد حتى فيما إذا كان صانعا ، فليس على الحابس أجرة صنعته مدة حبسه ، نعم لو كان أجيرا لغيره فى زمان فحبسه حتى مضى ضمن منفعته الفائتة للمستأجر ، و كذا لو استخدمه و استوفى منفعته كان عليه أجرة عمله ، و لو غصب دابة مثلا ضمن منافعها سواء استوفاها أم لا .

مسألة 13 :

لو منع حرا عن عمل له أجرة من غير تصرف و استيفاء لم يضمن عمله و لم يكن عليه أجرته .

مسألة 14 :

يلحق بالغصب فى الضمان المقبوض بالعقد المعاوضى الفاسد أو كالمعاوضى مثل المهر ، و يلحق به المقبوض بمثل الجعالة الفاسدة مما لا يكون عقدا ، فالمبيع الذي يأخذه المشتري و الثمن الذي يأخذه البائع فى البيع الفاسد يكون ضمانهما كالمغصوب ، سواء كانا عالمين بالفساد أو لا ، و كذلك الاجرة التى يأخذها المؤجر فى الاجارة الفاسدة ، و كذا المهر الذي تأخذه المرأة فى النكاح الفاسد ، و الجعل الذي يأخذه العامل فى الجعالة الفاسدة ، و أما المقبوض بالعقد الفاسد غير المعاوضى و أشباهه فليس فيه ضمان ، فلو قبض المتهب ما وهب له بالهبة الفاسدة ليس عليه ضمان ، و يلحق بالغصب أيضا المقبوض بالسوم ، و المراد به ما يأخذه الشخص لينظر فيه أو يضع عنده ليطلع على خصوصياته لكى يشتريه إذا وافق نظره ، فهو فى ضمان آخذه ، فلو تلف عنده ضمنه .

مسألة 15 :

يجب رد المغصوب على مالكه ما دام باقيا و إن كان فى رده مؤونة ، بل و إن استلزم رده الضرر عليه ، حتى أنه لو أدخل الخشبة المغصوبة فى بناء لزم عليه إخراجها و ردها المالك و إن أدى إلى خراب البناء ، و كذا إذا أدخل اللوح المغصوب فى سفينة يجب عليه نزعه و رده إلا إذا خيف من قلعه الغرق الموجب لهلاك نفس محترمة أو مال محترم لغير الغاصب الجاهل بالغصب ، و إلا ففيه تفصيل ، و هكذا الحال فيما إذا خاط ثوبه بخيوط مغصوبة ، فإن للمالك إلزامه بردها ، و يجب عليه ذلك و إن أدى إلى فساد ثوبه ، و إن ورد نقص على الخشب أو اللوح أو الخيط بسبب إخراجها و نزعها يجب على الغاصب تداركه ، هذا إذا يبقى للمخرج و المنزوع قيمة بعد ذلك ، و إلا فالظاهر أنه بحكم التالف فيلزم الغاصب بدفع البدل ، و ليس للمالك مطالبة العين .

مسألة 16 :

لو مزج المغصوب بما يمكن تميزه و لكن مع المشقة كما إذا مزج الشعير المغصوب بالحنطة أو الدخن بالذرة يجب عليه أن يميزه و يرده .

مسألة 17 :

يجب على الغاصب مع رد العين بدل ما كانت لها من المنفعة فى تلك المدة إن كانت لها منفعة ، سواء استوفاها كالدار سكنها و الدابة ركبها أم لا و جعلها معطلة .

مسألة 18 :

لو كانت العين منافع متعددة و كانت معطلة فالمدار على المنفعة المتعارفة بالنسبة إلى تلك العين ، و لا ينظر إلى مجرد قابليتها لبعض منافع أخر ، فمنفعة الدار بحسب المتعارف هى السكنى و إن كانت قابلة فى نفسها بأن تجعل محرزا أو مسكنا لبعض الدواب و غير ذلك ، و منفعة بعض الدواب كالفرس بحسب المتعارف الركوب و منفعة بعضها الحمل و إن كانت قابلة فى نفسها لان تستعمل فى إدارة الرحى و الدولاب أيضا ، فالمضمون فى غصب كل عين هو المنفعة المتعارفة بالنسبة إليها ، و لو فرض تعدد المتعارف منها على نحو التبادل كبعض الدواب التى تعارف استعمالها فى الحمل و الركوب معا فإن لم يتفاوت أجرة تلك المنافع ضمن تلك الاجرة و إن كانت أجرة بعضها أعلى ضمن الاعلى ، فلو فرض أن أجرة الحمل فى كل يوم درهمان و أجرة الركوب درهم كان عليه درهمان ، و الظاهر أن الحكم كذلك مع الاستيفاء أيضا ، فمع تساوي المنافع فى الاجرة كان عليه أجرة ما استوفاه ، و مع التفاوت كان عليه أجرة الاعلى ، سواء استوفى الاعلى أو الادنى .

مسألة 19 :

إن كان المغصوب منه شخصا يجب الرد إليه أو إلى وكيله إن كان كاملا ، و إلى وليه إن كان قاصرا كما إذا كان صبيا أو مجنونا ، فلو رد فى الثانى إلى نفس المالك لم يرتفع منه الضمان ، و إن كان المغصوب منه هو النوع كما إذا كان المغصوب وقفا على الفقراء وقف منفعة فإن كان له متول خاص يرده إليه ، و إلا فيرده إلى الولى العام ، و هو الحاكم ، و ليس له أن يرده إلى بعض أفراد النوع بأن يسلمه فى المثال المذكور إلى أحد الفقراء ، نعم فى مثل المساجد و الشوارع و القناطر بل الرباطات إذا غصبها يكفى فى ردها رفع اليد عنها و إبقاؤها على حالها ، بل يحتمل أن يكون الامر كذلك فى المدارس ، فإذا غصب مدرسة يكفى فى ردها رفع اليد عنها و التخلية بينها و بين الطلبة ، و الاحوط الرد إلى الناظر الخاص لو كان ، و إلا فإلى الحاكم ، هذا إذا غصبها و لم يكن فيها ساكن ، و إلا فلا يبعد وجوب الرد إلى الطلبة الساكنين فيها حال الغصب إن لم يعرضوا عن حقهم .

مسألة 20 :

إذا كان المغصوب و المالك كلاهما فى بلد الغصب فلا إشكال ، و كذا إن نقل المال إلى بلد آخر و كان المالك فى بلد الغصب ، فإنه يجب عليه عود المال إلى ذلك البلد و تسليمه إلى المالك ، و أما إذا كان المالك فى غير بلد الغصب فإن كان فى بلد المال فله إلزامه بأحد أمرين :
إما بتسليمه له فى ذلك بلد ، و أما بنقله إلى بلد الغصب ، و أما إن كان فى بلد آخر فلا إشكال فى أن له إلزامه بنقل المال إلى بلد الغصب ، و هل له إلزامه بنقل المال إلى البلد الذي يكون فيه المالك ؟ الظاهر أنه ليس له ذلك .

مسألة 21 :

لو حدث فى المغصوب نقص و عيب وجب على الغاصب أرش النقصان ، و هو التفاوت بين قيمته صحيحا و قيمته معيبا و رد المعيوب إلى مالكه ، و ليس للمالك إلزامه بأخذ المعيوب و دفع تمام القيمة ، و لا فرق على الظاهر بين ما كان العيب مستقرا و بين ما كان مما يسري و يتزايد شيئا فشيئا حتى يتلف المال بالمرة .

مسألة 22 :

لو كان المغصوب باقيا لكن نزلت قيمته السوقية رده ، و لم يضمن نقصان القيمة ما لم يكن ذلك بسبب النقصان فى العين .

مسألة 23 :

لو تلف المغصوب أو ما بحكمه كالمقبوض بالعقد الفاسد و المقبوض بالسوم قبل رده إلى المالك ضمنه بمثله إن كان مثليا و بقيمته إن كان قيميا ، و تعيين المثلى و القيمى موكول إلى العرف ، و الظاهر أن المصنوعات بالمكائن فى هذا العصر مثليات أو بحكمها ، كما أن الحبوبات و الادهان و عقاقير الادوية و نحوها مثليات ، و أنواع الحيوان و كذا الجواهر و نحوها قيميات .

مسألة 24 :

إنما يكون مثل الحنطة مثليا إذا لوحظ أشخاص كل صنف منها على حدة و لم يلاحظ أشخاص صنف مع أشخاص صنف آخر منها مبائن له فى كثير من الصفات و الخصوصيات ، فإذا تلف عنده مقدار من صنف خاص من الحنطة يجب عليه دفع ذلك المقدار من ذلك الصنف لا صنف آخر ، نعم التفاوت الذي بين أشخاص ذلك الصنف لا ينظر إليه و كذلك الارز ، فإن فيه أصنافا متفاوتة جدا ، فأين العنبر من الحويزاوي أو غيره فإذا تلف عنده مقدار من العنبر يجب عليه دفع ذلك المقدار منه لا من غيره ، و كذلك الحال فى التمر و أصنافه و الادهان و غير ذلك مما لا يحصى .

مسألة 25 :

لو تعذر المثل فى المثلى ضمن قيمته ، و إن تفاوتت القيمة و زادت و نقصت بحسب الازمنة بأن كان له حين الغصب قيمة و فى وقت تلف العين قيمة و يوم التعذر قيمة و اليوم الذي يدفع القيمة إلى المغصوب منه قيمة فالمدار على الاخير ، فيجب عليه دفع تلك القيمة ، فلو غصب منا من الحنطة كان قيمتها درهمين فأتلفها فى زمان كانت الحنطة موجودة و كانت قيمتها ثلاثة دراهم ثم تعذرت و كانت قيمتها أربعة دراهم ثم مضى زمان و أراد أن يدفع القيمة من جهة تفريغ ذمته و كانت قيمة الحنطة فى ذلك الزمان خمسة دراهم يجب دفع هذه القيمة .

مسألة 26 :

يكفى فى التعذر الذي يجب معه دفع القيمة فقدانه فى البلد و ما حوله مما ينقل منها إليه عادة .

مسألة 27 :

لو وجد المثل بأكثر من ثمن المثل وجب عليه الشراء و دفعه إلى المالك ما لم يؤد إلى الحرج .

مسألة 28 :

لو وجد المثل و لكن تنزل قيمته لم يكن على الغاصب إلا إعطاؤه و ليس للمالك مطالبته بالقيمة و لا بالتفاوت ، فلو غصب منا من الحنطة فى زمان كانت قيمتها عشرة دراهم و أتلفها و لم يدفع مثلها قصورا أو تقصيرا إلى زمان قد تنزلت قيمتها و صارت خمسة دراهم لم يكن عليه إلا إعطاء من من الحنطة ، و لم يكن للمالك مطالبة القيمة و لا مطالبة خمسة دراهم مع من من الحنطة ، بل ليس له الامتناع عن الاخذ فعلا و إبقاؤها فى ذمة الغاصب إلى أن تترقى القيمة إذا كان الغاصب يريد الاداء و تفريغ ذمته فعلا .

مسألة 29 :

لو سقط المثل عن المالية بالمرة من جهة الزمان أو المكان فالظاهر أنه ليس للغاصب إلزام المالك بأخذ المثل ، و لا يكفى دفعه فى ذلك الزمان أو المكان فى ارتفاع الضمان لو لم يرض به المالك ، فلو غصب جمدا فى الصيف و أتلفه و أراد أن يدفع إلى المالك مثله فى الشتاء أو قربة ماء فى مفازة فأراد أن يدفع إليه قربة ماء عند الشط ليس له ذلك ، و للمالك الامتناع ، فله أن يصبر و ينتظر زمانا أو مكانا آخر فيطالبها بالمثل الذي له القيمة ، و له أن يطالب الغاصب بالقيمة فعلا كما فى صورة تعذر المثل ، و حينئذ فهل يراعى قيمته فى زمان الغصب و مكانه ؟ المسألة مشكلة ، فالاحوط التخلص بالتصالح .

مسألة 30 :

لو تلف المغصوب و كان قيميا كالدواب و الثياب ضمن قيمته ، فإن لم يتفاوت قيمته فى الزمان الذي غصبه مع قيمته فى زمان تلفه فلا إشكال ، و إن تفاوتت بأن كانت قيمته يوم الغصب أزيد من قيمته يوم التلف أو العكس فهل يراعى الاول أو الثانى ؟ فيه قولان مشهوران ، و هنا وجه آخر ، و هو مراعاة قيمة يوم الدفع ، و الاحوط التراضى فيما به التفاوت بين يوم الغصب إلى يوم الدفع هذا إذا كان تفاوت القيمة من جهة السوق و تفاوت رغبة الناس ، و أما إن كان من جهة زيادة و نقصان فى العين كالسمن و الهزال فلا إشكال فى أنه يراعى أعلى القيم و أحسن الاحوال ، بل لو فرض أنه لم يتفاوت قيمة زمانى الغصب و التلف من هذه الجهة لكن حصل فيه ارتفاع بين الزمانين ثم زال ضمن ارتفاع قيمته الحاصل فى تلك الحال ، مثل أنه كان الحيوان هازلا حين الغصب ثم سمن ثم عاد إلى الهزال و تلف ، فإنه يضمن قيمته حال سمنه .

مسألة 31 :

لو اختلفت القيمة باختلاف المكان كما إذا كان المغصوب فى بلد الغصب بعشرة و فى بلد التلف بعشرين و فى بلد الاداء بثلاثين فلا يترك الاحتياط المتقدم فى المسألة السابقة .

مسألة 32 :

كما أنه عند تلف المغصوب يجب على الغاصب دفع بدله إلى المالك مثلا أو قيمة كذلك فيما إذا تعذر على الغاصب عادة تسليمه ، كما إذا سرق أو دفن فى مكان لا يقدر على إخراجه ، أو أبق العبد أو شردت الدابة و نحو ذلك ، فإنه يجب عليه إعطاء مثله أو قيمته مادام كذلك و يسمى ذلك البدل بدل الحيلولة ، و يملك المالك البدل مع بقاء المغصوب فى ملكه ، و إذا أمكن تسليم المغصوب و رده يسترجع البدل .

مسألة 33 :

لو كان للبدل نماء و منافع فى تلك المدة كان للمغصوب منه ، نعم نماؤه المتصل كالسمن يتبع العين ، فإذا استرجعها الغاصب استرجعها بنمائها ، و أما المبدل فلما كان باقيا على ملك مالكه فنماؤه و منافعه له ، لكن الغاصب لا يضمن منافعه الغير المستوفاة فى تلك المدة على الاقوى .

مسألة 34 :

القيمة التى يضمنها الغاصب فى القيميات و فى المثليات عند تعذر المثل هو نقد البلد من الذهب و الفضة المضروبين بسكة المعاملة و غيرهما مما هو نقد البلد كالاسكناس ، و هذا هو الذي يستحقه المغصوب منه ، كما هو كذلك فى جميع الغرامات و الضمانات فليس للضامن دفع غيره إلا بالتراضى بعد مراعاة قيمة ما يدفعه مقيسا إلى نقد البلد .

مسألة 35 :

الظاهر أن الفلزات و المعادن المنطبعة كالحديد و الرصاص و النحاس كلها مثلية حتى الذهب و الفضة مضروبين أو غير مضروبين ، و حينئذ تضمن جميعها بالمثل ، و عند التعذر تضمن بالقيمة كسائر المثليات المتعذر المثل ، نعم فى خصوص الذهب و الفضة تفصيل ، و هو أنه إذا قوم بغير الجنس كما إذا قوم الذهب بالدرهم أو قوم الفضة بالدينار فلا إشكال و أما إذا قوم بالجنس بأن قوم الفضة بالدرهم أو قوم الذهب بالدينار فإن تساوى القيمة و المقوم وزنا كما إذا كانت الفضة المضمونة المقومة عشرة مثاقيل فقومت بثمانية دراهم و كان وزنها أيضا عشرة مثاقيل فلا إشكال أيضا ، و إن كان بينهما التفاوت بأن كانت الفضة المقومة عشرة مثاقيل مثلا و قد قومت بثمانية دراهم وزنها ثمانية مثاقيل فيشكل دفعها غرامة عن الفضة ، لاحتمال كونه داخلا فى الربا فيحرم ، كما أفتى به جماعة ، فالاحوط أن يقوم بغير الجنس بأن يقوم الفضة بالدينار و الذهب بالدرهم حتى يسلم من شبهة الربا .

مسألة 36 :

لو تعاقبت الايادي الغاصبة على عين ثم تلفت بأن غصبها شخص عن مالكها ثم غصبها من الغاصب شخص آخر ثم غصبها من الثانى شخص ثالث و هكذا ثم تلفت ضمن الجميع ، فللمالك أن يرجع ببدل ماله من المثل أو القيمة إلى كل واحد منهم ، و إلى أكثر من واحد بالتوزيع متساويا أو متفاوتا ، حتى أنه لو كانوا عشرة مثلا له أن يرجع إلى الجميع و يأخذ من كل منهم عشر ما يستحقه من البدل ، و له أن يأخذ من واحد منهم النصف و الباقى من الباقين بالتوزيع متساويا أو بالتفاوت ، هذا حكم المالك معهم ، و أما حكم بعضهم مع بعض فعلى الغاصب الاخير الذي تلف المال عنده قرار الضمان ، بمعنى أنه لو رجع عليه المالك و غرمه لم يرجع هو على غيره بما غرمه ، بخلاف غيره من الايادي السابقة ، فإن المالك لو رجع إلى واحد منهم فله أن يرجع على الاخير الذي تلف المال عنده كما أن لكل منهم الرجوع على تاليه و هو على تاليه و هكذا إلى أن ينتهى إلى الاخير .

مسألة 37 :

لو غصب شيئا مثليا فيه صنعة محللة كالحلى من الذهب و الفضة و كالانية من النحاس و شبهه فتلف عنده أو أتلفه ضمن مادته بالمثل و صنعته بالقيمة ، فلو غصب قرطا من ذهب كان وزنه مثقالين و قيمة صنعته و صياغته عشرة دراهم ضمن مثقالين من ذهب بدل مادته و عشرة دراهم قيمة صنعته ، و يحتمل قريبا صيرورته بعد الصياغة و بعد ما عرض عليه الصنعة قيميا ، فيقوم القرط مثلا بمادته و صنعته ، و يعطى قيمته السوقية و الاحوط التصالح ، و أما احتمال كون المصنوع مثليا مع صنعته فبعيد جدا نعم لا يبعد ذلك بل قريب جدا فى المصنوعات التى لها أمثال متقاربة ، كالمصنوعات بالمكائن و المعامل المعمولة فى هذه الاعصار من أنواع الظروف و الادوات و الاثواب و غيرها ، فتضمن كلها بالمثل مع مراعاة صنفها .

مسألة 38 :

لو غصب المصنوع و تلفت عنه الهيئة و الصنعة فقط دون المادة رد العين و عليه قيمة الصنعة ، و ليس للمالك إلزامه بإعادة الصنعة ، كما أنه ليس عليه القبول لو بذله الغاصب و قال : إنى أصنعه كما كان سابقا .

مسألة 39 :

لو كانت فى المغصوب المثلى صنعة محرمة غير محترمة كما فى آلات القمار و الملاهى و نحوها لم يضمن الصنعة سواء أتلفها خاصة أو مع ذيها ، فيرد المادة لو بقيت و عوضها لو تلفت ، و ليس عليه شى‏ء لاجل الهيئة و الصنعة .

مسألة 40 :

إن تعيب المغصوب فى يد الغاصب كان عليه أرش النقصان ، و لا فرق فى ذلك بين الحيوان و غير الحيوان ، نعم اختص العبيد و الاماء ببعض الاحكام و تفاصيل لا يسعها المقام .

مسألة 41 :

لو غصب شيئين تنقص قيمة كل واحد منهما منفردا عنها فيما إذا كانا مجتمعين كمصراعى الباب و الخفين فتلف أحدهما أو أتلفه ضمن قيمة التالف مجتمعا ، و رد الباقى مع ما نقص من قيمته بسبب انفراده فلو غصب خفين كان قيمتهما مجتمعين عشرة و كان قيمة كل منهما منفردا ثلاثة فتلف أحدهما عنده ضمن التالف بقيمته مجتمعا و هى خمسة ، و رد الاخر مع ما ورد عليه من النقص بسبب انفراده و هو اثنان ، فيعطى للمالك سبعة مع أحد الخفين ، و لو غصب أحدهما و تلف عنده ضمن التالف بقيمته مجتمعا و هى خمسة فى الفرض المذكور ، و هل يضمن النقص الوارد على الثانى و هو اثنان حتى تكون عليه سبعة أم لا ؟ فيه وجهان بل قولان ، لا يخلو أولهما من رجحان .

مسألة 42 :

لو زادت بفعل الغاصب زيادة فى العين المغصوبة فهى على أقسام ثلاثة : أحدها أن تكون أثرا محضا كخياطة الثوب بخيوط المالك و غزل القطن و نسج الغزل و طحن الطعام و صياغة الفضة و نحو ذلك ، ثانيها أن تكون عينية محضة كغرس الاشجار و البناء فى الارض البسيطة و نحو ذلك ، ثالثها أن تكون أثرا مشوبا بالعينية كصبغ الثوب و نحوه .

مسألة 43 :

لو زادت فى العين المغصوبة ما يكون أثرا محضا ردها كما هى ، و لا شى‏ء له لاجل تلك الزيادة و لا من جهة أجرة العمل ، و ليس له إزالة الاثر و إعادة العين إلى ما كانت بدون إذن المالك حيث أنه تصرف فى مال الغير بدون إذنه ، بل لو أزاله بدون إذنه ضمن قيمته للمالك و إن لم يرد نقص على العين ، و للمالك إلزامه بإزالة الاثر و إعادة الحالة الاولى للعين إذا كان فيه غرض عقلائى ، و لا يضمن الغاصب حينئذ قيمة الصنعة نعم لو ورد نقص على العين ضمن أرش النقصان .

مسألة 44 :

لو غصب أرضا فزرعها أو غرسها فالزرع أو الغرس و نماؤهما للغاصب ، و عليه أجرة الارض ما دامت مزروعة أو مغروسة ، و يلزم عليه إزالة غرسه و زرعه و إن تضرر بذلك ، و عليه أيضا طم الحفر و أرش النقصان إن نقصت الارض بالزرع و القلع إلا أن يرضى المالك بالبقاء مجانا أو بالاجرة ، و لو بذل صاحب الارض قيمة الغرس أو الزرع لم يجب على الغاصب إجابته ، و كذا لو بذل الغاصب أجرة الارض أو قيمتها لم يجب على صاحب الارض قبوله ، و لو حفر الغاصب فى الارض بئرا كان عليه طمها مع طلب المالك ، و ليس له طمها مع عدم الطلب فضلا عما لو منعه و لو بنى فى الارض المغصوبة بناء فهو كما لو غرس فيها ، فيكون البناء للغاصب إن كان أجزاؤه له ، و للمالك إلزامه بالقلع ، فحكمه حكم الغرس فى جميع ما ذكر .

مسألة 45 :

لو غرس أو بنى فى أرض غصبها و كان الغراس و أجزاء البناء لصاحب الارض كان الكل له ، و ليس للغاصب قلعها أو مطالبة الاجرة ، و للمالك إلزامه بالقلع و الهدم إن كان له غرض عقلائى فى ذلك ، و على الغاصب أرش نقص الارض و طم حفرها .

مسألة 46 :

لو غصب ثوبا و صبغه بصبغه فإن أمكن إزالته مع بقاء مالية له كان له ذلك ، و ليس لمالك الثوب منعه ، كما أن للمالك إلزامه به ، و لو ورد نقص على الثوب بسبب إزالة صبغه ضمنه الغاصب ، و لو طلب مالك الثوب من الغاصب أن يملكه الصبغ بقيمته لم يجب عليه إجابته كالعكس بأن يطلب الغاصب منه أن يملكه الثوب ، هذا إذا أمكن إزالة الصبغ ، و أما إذا لم يمكن الازالة أو تراضيا على بقائه و كان للصبغ عين متمولة اشتركا فى قيمة الثوب المصبوغ بالنسبة ، فلو كانت قيمة الثوب قبل الصبغ تساوي قيمة الصبغ كانت بينهما نصفين ، و إن تفاوتت كان التفاوت لصاحب الثوب أو الصبغ ، هذا إذا بقيت قيمتها على ما هما عليها إلى ما بعد الصبغ ، و إلا فإن زادت قيمة الثوب و نقصت قيمة الصبغ لاجله فالزيادة لصاحب الثوب و لو انعكس ضمن الغاصب أرش نقص الثوب ، و لو زادت قيمة الثوب بالصبغ و بقيت قيمة الصبغ على ما هو عليه كانت الزيادة لصاحب الثوب و لو انعكس فالزيادة للغاصب .

مسألة 47 :

لو صبغ الثوب المصبوغ بصبغ مغصوب و كانت للصبغ بعده عين متمولة بقيت كل منهما فى ملك صاحبه ، و حصلت الشركة لو بيعا بين صاحبيها بنسبة قيمتهما ، و لا غرامة على الغاصب إن لم يرد نقص عليهما ، و إن ورد ضمنه لمن ورد عليه .

مسألة 48 :

لو مزج الغاصب المغصوب بغيره أو امتزج فى يده بغير اختياره مزجا رافعا للتميز بينهما فإن كان بجنسه و كانا متماثلين ليس أحدهما أجود من الاخر أو أردئ تشاركا فى المجموع بنسبة ماليهما ، و ليس على الغاصب غرامة بالمثل أو القيمة ، بل الذي عليه تسليم المال و الاقدام على الافراز و التقسيم بنسبة المالين أو البيع و أخذ كل واحد منهما حصته من الثمن كسائر الاموال المشتركة ، و إن خلط المغصوب بما هو أجود أو أردئ منه تشاركا أيضا بنسبة المالين إلا أن التقسيم و توزيع الثمن بينهما بنسبة القيمة ، فلو خلط منا من زيت قيمته خمسة بمن منه قيمته عشرة كان لكل منهما نصف المجموع ، لكن إذا بنيا على القسمة يجعل ثلاثة أسهم ، و يعطى لصاحب الاول سهم و لصاحب الثانى سهمان ، و إذا باعاه يقسم الثمن بينهما أثلاثا ، و الاحوط فى مثل ذلك أعنى اختلاط مختلفى القيمة من جنس واحد البيع و توزيع الثمن بنسبة القيمة لا التقسيم بالتفاضل بنسبتها من جهة شبهة لزوم الربا فى الثانى كما قال به جماعة ، هذا إذا مزج المغصوب بجنسه ، و أما إذا اختلط بغير جنسه فإن كان فيما يعد معه تالفا كما إذا اختلط ماء الورد المغصوب بالزيت ضمن المثل ، و إن لم يكن ك
لك كما لو خلط دقيق الحنطة بدقيق الشعير أو خلط الخل بالعسل فالظاهر أنه بحكم الخلط بالاجود أو الاردئ من جنس واحد ، فيشتركان فى العين بنسبة المالين ، و يقسمان العين و يوزعان الثمن بينهما بنسبة القيمتين كما مر .

مسألة 49 :

لو خلط المغصوب بالاجود أو الاردئ و صار قيمة المجموع المخلوط أنقص من قيمة الخليطين منفردين فورد بذلك النقص المالى على المغصوب ضمنه الغاصب ، كما لو غصب منا من زيت جيد قيمته عشرة و خلطه بمن منه ردي قيمته خمسة و بسبب الاختلاط يكون قيمة المنين اثنى عشر فصار حصة المغصوب منه من الثمن بعد التوزيع ثمانية و الحال أن زيته غير مخلوط كان يسوى عشرة ، فورد النقص عليه باثنين و هذا النقص يغرمه الغاصب ، و إن شئت قلت يستوفى المالك قيمة ماله غير مخلوط من الثمن ، و ما بقى يكون للغاصب .

مسألة 50 :

فوائد المغصوب مملوكة للمغصوب منه و إن تجددت بعد الغصب ، و هى كلها مضمونة على الغاصب ، أعيانا كانت كاللبن و الولد و الشعر و الثمر ، أو منافع كسكنى الدار و ركوب الدابة ، بل كل صفة زادت بها قيمة المغصوب لو وجدت فى زمان الغصب ثم زالت و تنقصت بزوالها قيمته ضمنها الغاصب و إن رد العين كما كانت قبل الغصب ، فلو غصب دابة هازلة ثم سمنت فزادت قيمتها بسبب ذلك ثم هزلت ضمن الغاصب تلك الزيادة التى حصلت ثم زالت ، نعم لو زادت القيمة لزيادة الصفة ثم زالت تلك الصفة ثم عادت الصفة بعينها لم يضمن قيمة الزيادة التالفة ، لانجبارها بالزيادة العائدة ، كما إذا سمنت الدابة فى يده فزادت قيمتها ثم هزلت ثم سمنت فإنه لا يضمن الزيادة الحاصلة بالسمن الاول إلا إذا نقصت الزيادة الثانية عن الاولى بأن كانت الزيادة الحاصلة بالسمن الاول درهمين و الحاصلة بالثانى درهما مثلا ، فيضمن التفاوت .

مسألة 51 :

لو حصلت فيه صفة فزادت قيمته ثم زالت فنقصت ثم حصلت فيه صفة أخرى زادت بها قيمته لم يزل ضمان زيادة الاولى و لم ينجبر نقصانها بالزيادة الثانية ، كما إذا سمنت الدابة المغصوبة ثم هزلت فنقصت قيمتها ثم ارتاضت فزادت قيمتها بقدر زيادة الاولى أو أزيد لم يزل ضمان الغاصب للزيادة الاولى .

مسألة 52 :

إذا غصب حبا فزرعه أو بيضا فاستفرخه تحت دجاجته مثلا كان الزرع و الفرخ للمغصوب منه ، و كذا لو غصب خمرا فصار خلا أو غصب عصيرا فصار خمرا عنده ثم صار خلا فإنه ملك للمغصوب منه لا الغاصب ، و أما لو غصب فحلا فأنزاه على الانثى و أولدها كان الولد لصاحب الانثى و إن كان هو الغاصب ، و عليه أجرة الضراب .

مسألة 53 :

جميع ما مر من الضمان و كيفيته و أحكامه و تفاصيله جارية فى كل يد جارية على مال الغير بغير حق و إن لم تكن عادية و غاصبة و ظالمة إلا فى موارد الامانات ، مالكية كانت أو شرعية كما عرفت التفصيل فى كتاب الوديعة ، فتجري فى جميع ما يقبض بالمعاملات الفاسدة و ما وضع اليد عليه بسبب الجهل و الاشتباه ، كما إذا لبس مداس غيره أو ثوبه اشتباها أو أخذ شيئا من سارق عارية باعتقاد أنه ماله و غير ذلك مما لا يحصى .

مسألة 54 :

كما أن اليد الغاصبة و ما يلحق بها موجبة للضمان و هو المسمى بضمان اليد ، و قد عرفت تفصيله فى المسائل السابقة كذلك للضمان سببان آخران : الاتلاف و التسبيب ، و بعبارة أخرى له سبب آخر و هو الاتلاف ، سواء كان بالمباشرة أو التسبيب .

مسألة 55 :

الاتلاف بالمباشرة واضح لا يخفى مصاديقه ، كما إذا ذبح حيوانا أو رماه بسهم فقتله ، أو ضرب على إناء فكسره ، أو رمى شيئا فى النار فأحرقه و غير ذلك مما لا يحصى ، و أما الاتلاف بالتسبيب فهو إيجاد شى‏ء يترتب عليه الاتلاف بسبب وقوع شى‏ء ، كما لو حفر بئرا فى المعابر فوقع فيها إنسان أو حيوان ، أو طرح المعاثر و المزالق كقشر البطيخ و الرقى فى المسالك أو أوتد وتدا فى الطريق فأصاب به عطب أو جناية على حيوان أو إنسان ، أو وضع شيئا على الطريق فتمر به الدابة فتنفر بصاحبها فتعقره ، أو أخرج ميزابا على الطريق فأضر بالمارة ، أو ألقى صبيا أو حيوانا يضعف عن الفرار فى مسبعة فقتله السبع ، و من ذلك ما لو فك القيد عن الدابة فشردت ، أو فتح قفصا عن طائر فطار مبادرا أو بعد مكث و غير ذلك ، ففى جميع ذلك يكون فاعل السبب ضامنا ، و يكون عليه غرامة التالف و بدله ، إن كان مثليا فبالمثل ، و إن كان قيميا فبالقيمة ، و إن صار سببا لتعيب المال كان عليه الارش كما مر فى ضمان اليد .

مسألة 56 :

لو غصب شاة ذات ولد فمات ولدها جوعا أو حبس مالك الماشية أو راعيها عن حراستها فاتفق تلفها لم يضمن بسبب التسبيب إلا إذا انحصر غذاء الولد بارتضاع من أمه و كانت الماشية فى محال السباع و مظان الخطر و انحصر حفظها بحراسة راعيها ، فعليه الضمان حينئذ على الاحوط .

مسألة 57 :

و من التسبيب الموجب للضمان ما لو فك وكاء ظرف فيه مائع فسال ما فيه ، و أما لو فتح رأس الظرف ثم اتفق أنه قلبته الريح الحادثة أو انقلب بوقوع طائر عليه مثلا فسال ما فيه ففى الضمان تردد و إشكال ، نعم يقوى الضمان فيما كان ذلك فى حال هبوب الرياح العاصفة أو فى مجتمع الطيور و مظان وقوعها عليه .

مسألة 58 :

ليس من التسبيب الموجب للضمان ما لو فتح بابا على مال فسرق أو دل سارقا عليه فسرقه ، فلا ضمان عليه .

مسألة 59 :

لو وقع الحائط على الطريق مثلا فتلف بوقوعه مال أو نفس لم يضمن صاحبه إلا إذا بناه مائلا إلى الطريق أو مال إليه بعد ما كان مستويا و قد تمكن صاحبه من الازالة و لم يزله ، فعليه الضمان فى الصورتين على الاقوى .

مسألة 60 :

لو وضع شربة أو كوزا مثلا ، على حائطه فسقط و تلف به مال أو نفس لم يضمن إلا إذا وضعه مائلا إلى الطريق أو وضعه على وجه يسقط مثله .

مسألة 61 :

و من التسبيب الموجب للضمان أن يشعل نارا فى ملكه و داره فتعدت و أحرقت دار جاره مثلا فيما إذا تجاوز قدر حاجته و يعلم أو يظن تعديها لعصف الهواء مثلا ، بل الظاهر كفاية الثانى فيضمن مع العلم أو الظن بالتعدي و لو كان بمقدار الحاجة ، بل لا يبعد الضمان إذا اعتقد عدم كونها متعدية فتبين خلافه ، كما إذا كانت ريح حين اشتعال النار و هو قد اعتقد أن بمثل هذه الريح لا تسري النار إلى الجار فتبين خلافه ، نعم لو كان الهواء ساكنا بحيث يؤمن معه من التعدي فاتفق عصف الهواء بغتة فطارت شرارتها يقوى عدم الضمان .

مسألة 62 :

إذا أرسل الماء فى ملكه فتعدى إلى ملك غيره فأضر به ضمن و لو مع اعتقاده عدم التعدي ، نعم ضمانه فيما إذا خرجت من اختياره فى صورة اعتقاده عدم التعدي محل إشكال ، و الاحوط الضمان ، و لو كان طريقه إلى ملك الغير مسدودا حين إرسال الماء فدفع بغير فعله فلا ضمان عليه .

مسألة 63 :

لو تعب حمال الخشبة فأسندها إلى جدار الغير ليستريح بدون إذن صاحب الجدار فوقع بإسناده إليه ضمنه و ضمن ما تلف بوقوعه عليه ، و لو وقعت الخشبة فأتلفت شيئا ضمنه سواء وقعت فى الحال أو بعد إذا كان مستندا إليه .

مسألة 64 :

لو فتح قفصا عن طائر فخرج و كسر بخروجه قارورة شخص مثلا ضمنها على الاحوط ، و كذا لو كان القفص ضيقا مثلا فاضطرب بخروجه فسقط و انكسر .

مسألة 65 :

إذا أكلت دابة شخص زرع غيره أو أفسدته فإن كان معها صاحبها راكبا أو سائقا أو قائدا أو مصاحبا ضمن ما أتلفته ، و إن لم يكن معها بان انفلتت من مراحها مثلا فدخلت زرع غيره ضمن ما أتلفته إن كان ذلك ليلا ، نعم ضمانه فيما إذا خرجت من اختياره محل إشكال ، و الاحوط الضمان ، و ليس عليه ضمان إن كان نهارا .

مسألة 66 :

لو كانت الشاة أو غيرها فى يد الراعى أو الدابة فى يد المستعير أو المستأجر فأتلفتا زرعا أو غيره كان الضمان على الراعى و المستأجر و المستعير لا على المالك و المعير .

مسألة 67 :

لو اجتمع سببان للاتلاف بفعل شخصين فإن لم يكن أحدهما أسبق فى التأثير اشتركا فى الضمان ، و إلا كان الضمان على المتقدم فى التأثير ، فلو حفر شخص بئرا فى الطريق و وضع شخص آخر حجرا بقربها فعثر به إنسان أو حيوان فوقع فى البئر كان الضمان على واضع الحجر دون حافر البئر ، و يحتمل قويا اشتراكهما فى الضمان مطلقا .

مسألة 68 :

لو اجتمع السبب مع المباشر كان الضمان على المباشر دون فاعل السبب ، فلو حفر شخص بئرا فى الطريق فدفع فيها إنسانا أو حيوانا كان الضمان على الدافع دون الحافر ، نعم لو كان السبب أقوى من المباشر كان الضمان عليه لا على المباشر ، فلو وضع قارورة تحت رجل شخص نائم فمد رجله فكسرها كان الضمان على الواضع دون النائم .

مسألة 69 :

لو أكره على إتلاف مال غيره كان الضمان على من أكرهه و ليس عليه ضمان ، لكون السبب أقوى من المباشر ، هذا إذا لم يكن المال مضمونا فى يده بأن أكرهه على إتلاف ما ليس تحت يده أو على إتلاف الوديعة التى عنده مثلا ، و أما إذا كان المال مضمونا فى يده كما إذا غصب مالا فأكرهه شخص على إتلافه فالظاهر ضمان كليهما ، فللمالك الرجوع على أيهما شاء ، فإن رجع على المكره بالكسر لم يرجع على المكره بالفتح ، بخلاف العكس ، هذا إذا أكره على إتلاف المال ، و أما لو أكره على قتل أحد معصوم الدم فقتله فالضمان على القاتل من دون رجوع على المكره و إن كان عليه عقوبة ، فإنه لا إكراه فى الدماء .

مسألة 70 :

لو غصب مأكولا مثلا فأطعمه المالك مع جهله بأنه ماله بأن قال له هذا ملكى و طعامى أو قدمه إليه ضيافة مثلا أو غصب شاة و استدعى من المالك ذبحها فذبحها مع جهله بأنه شاته ضمن الغاصب و إن كان المالك هو المباشر للاتلاف ، نعم لو دخل المالك دار الغاصب مثلا و رأى طعاما فأكله على اعتقاد أنه طعام الغاصب فكان طعام الاكل فالظاهر عدم ضمان الغاصب و قد برأ من ضمان الطعام .

مسألة 71 :

لو غصب طعاما من شخص و أطعمه غير المالك على أنه ماله مع جهل الاكل بأنه مال غيره كما إذا قدمه إليه بعنوان الضيافة مثلا ضمن كلاهما ، فللمالك أن يغرم أيهما شاء ، فإن أغرم الغاصب لم يرجع على الاكل ، و إن أغرم الاكل رجع على الغاصب لانه قد غره .

مسألة 72 :

إذا سعى إلى الظالم على أحد أو اشتكى عليه عنده بحق أو بغير حق فأخذ الظالم منه مالا بغير حق لم يضمن الساعى و المشتكى ما خسره و إن أثم بسبب سعايته أو شكايته إذا كانت بغير حق ، و إنما الضمان على من أخذ المال .

مسألة 73 :

إذا تلف المغصوب و تنازع المالك و الغاصب فى القيمة و لم تكن بينة ففى أن القول قول الغاصب أو المالك تردد ناش من التردد فى معنى " على اليد ما أخذت .... الخ " و احتمال أن تكون نفس المأخوذ على عهدته حتى بعد التلف و يكون أداء المثل أو القيمة نحو أداء له ، فيكون القول قول المالك بيمينه ، و احتمال أن ينتقل بالتلف إلى القيمة ، فيكون القول قول الغاصب بيمينه ، و لا يخلو هذا من قوة ، و لو تنازعا فى صفة تزيد بها الثمن بأن ادعى المالك وجود تلك الصفة فيه يوم غصبه أو حدوثها بعده و إن زالت فيما بعد و أنكره الغاصب و لم يكن بينة فالقول قول الغاصب بيمينه بلا إشكال .

مسألة 74 :

إن كان على الدابة المغصوبة رحل أو علق بها حبل و اختلفا فيما عليها فقال المغصوب منه هو لى و قال الغاصب هو لى و لم يكن بينة فالقول قول الغاصب مع يمينه لكونه ذا يد فعلية عليه .


كتاب إحياء الموات و المشتركات

القول فى إحياء الموات

الموات هى الارض العطلة التى لا ينتفع بها أما لانقطاع الماء عنها أو لاستيلاء المياه أو الرمال أو السبخ أو الاحجار عليها ، أو لاستئجامها و التفاف القصب و الاشجار بها أو لغير ذلك ، و هو على قسمين : الاول الموات بالاصل ، و هو ما لا يكون مسبوقا بالملك و الاحياء و إن كان إحراز ذلك غالبا بل مطلقا مشكل بل ممنوع ، و يلحق به ما لم يعلم مسبوقيته بهما الثانى الموات بالعارض ، و هو ما عرض عليه الخراب و الموتان بعد الحياة و العمران ، كالارض الدارسة التى بها آثار الانهار و نحوها و القرى الخربة التى بقيت منها رسوم العمارة .

مسألة 1 :

الموات بالاصل و إن كان للامام عليه السلام حيث أنه من الانفال كما مر فى كتاب الخمس لكن يجوز فى زمان الغيبة لكل أحد إحياؤه مع الشروط الاتية و القيام بعمارته ، و يملكه المحيى على الاقوى سواء كان فى دار الاسلام أو فى دار الكفر ، و سواء كان فى أرض الخراج كأرض العراق أو فى غيرها ، و سواء كان المحيى مسلما أو كافرا .

مسألة 2 :

الموات بالعارض الذي كان مسبوقا بالملك و الاحياء إذا لم يكن له مالك معروف على قسمين : الاول ما باد أهلها و صارت بسبب مرور الزمان و تقادم الايام بلا مالك ، و ذلك كالاراضى الدارسة و القرى و البلاد الخربة و القنوات الطامسة التى كانت للامم الماضين الذين لم يبق منهم اسم و لا رسم ، أو نسبت إلى أقوام أو أشخاص لم يعرف منهم إلا الاسم ، الثانى ما لم يكن كذلك و لم تكن بحيث عدت بلا مالك ، بل كانت لمالك موجود و لم يعرف شخصه ، و يقلل لها مجهولة المالك ، فأما القسم الاول فهو يحكم الموات بالاصل فى كونه من الانفال و أنه يجوز إحياؤه و يملكه المحيى فيجوز إحياء الاراضى الدارسة التى بقيت فيها آثار الانهار و السواقى و المروز ، و تنقية القنوات و الابار المطمومة و تعمير الخربة من القرى و البلاد القديمة التى بقيت بلا مالك ، و لا يعامل معها معاملة مجهولة المالك ، و لا يحتاج إلى الاذن من الحاكم الشرعى أو الشراء منه ، بل يملكها المحيى و المعمر بنفس الاحياء و التعمير ، و أما القسم الثانى فالاحوط الاستئذان فيه من الحاكم فى الاحياء و القيام بتعميره و التصرف فيه ، كما أن الاحوط معاملة مجهول المالك معه بأن يتفحص عن صاحبه و بعد اليأس‏
يشتري عينها من حاكم الشرع و يصرف ثمنها على الفقراء ، و أما أن يستأجرها منه بأجرة معينة أو يقدر ما هو أجرة مثلها لو انتفع بها و يتصدق بها على الفقراء ، و الاحوط الاستئذان منه ، نعم لو علم أن مالكها قد أعرض عنها أو انجلى عنها أهلها و تركوها لقوم آخرين جاز إحياؤها و تملكها بلا إشكال .

مسألة 3 :

إن كان ما طرأ عليه الخراب لمالك معلوم فإن أعرض عنه مالكه كان لكل أحد إحياؤه و تملكه ، و إن لم يعرض عنه فإن أبقاه مواتا للانتفاع بها فى تلك الحال من جهة تعليف دوابه أو بيع حشيشه أو قصبة و نحو ذلك فربما ينتفع منها مواتا أكثر مما ينتفع منها محياة فلا إشكال فى أنه لا يجوز لاحد إحياؤها و التصرف فيها بدون إذن مالكها ، و كذا فيما إذا كان مهتما بإحيائها عازما عليه و إنما أخر الاشتغال به لجمع الالات و تهيئة الاسباب المتوقعة الحصول أو لانتظار وقت صالح له ، و أما لو ترك تعمير الارض و إصلاحها و أبقاها إلى الخراب من جهة عدم الاعتناء بشأنها و عدم الاهتمام و الالتفات إلى مرمتها و عدم عزمه على إحيائها أما لعدم حاجته إليها ، أو لاشتغاله بتعمير غيرها فبقيت مهجورة مدة معتدا بها حتى آلت إلى الخراب فإن كان سبب ملك المالك غير الاحياء مثل أنه ملكها بالارث أو الشراء فليس لاحد وضع اليد عليها و إحيائها و التصرف فيها إلا بإذن مالكها ، و لو أحياها أحد و تصرف فيها و انتفع بها بزرع أو غيره فعليه أجرتها لمالكها ، و إن كان سبب ملكه الاحياء بإن كانت أرضا مواتا بالاصل فأحياها و ملكها ثم بعد ذلك عطلها و ترك تعميرها حتى آلت إل
الخراب فيجوز إحياؤها لغيره بعضهم ، و هو فى غاية الاشكال ، بل عدمه لا يخلو من قوة .

مسألة 4 :

كما يجوز إحياء القرى الدارسة و البلاد القديمة التى باد أهلها و صارت بلا مالك بجعلها مزرعا أو مسكنا أو غيرهما كذا يجوز حيازة أجزائها الباقية من أحجارها و أخشابها و آجرها و غيرها ، و يملكها الحائز إذا أخذها بقصد التملك .

مسألة 5 :

لو كانت الارض موقوفة و طرأها الموتان و الخراب فإن كانت من الموقوفات القديمة الدارسة التى لم يعلم كيفية وقفها و أنها خاص أو عام أو وقف على الجهات و لم يعلم من الاستفاضة و الشهرة غير كونها وقفا على أقوام ماضين لم يبق منهم اسم و لا رسم أو قبيلة لم يعرف منهم إلا الاسم الظاهر أنها من الانفال ، فيجوز إحياؤها ، كما إذا كان الموات مسبوقا بالملك على هذا الحال ، و إن علم أنها وقف على الجهات و لم تتعين بأن علم أنها وقف أما على مسجد أو مشهد أو مقبرة أو مدرسة أو غيرها و لم يعلمها بعينها أو علم أنها وقف على أشخاص لم يعرفهم بأشخاصهم و أعيانهم كما إذا علم أن مالكها قد وقفها على ذريته و لم يعلم من الواقف و من الذرية فالظاهر أن ذلك بحكم الموات المجهول المالك الذي نسب إلى المشهور القول بإنه من الانفال ، و قد مر ما فيه من الاشكال بل القول به هنا أشكل ، و الاحوط الاستئذان من الحاكم لمن أراد إحياؤها و تعميرها و الانتفاع بها بزرع أو غيره ، و أن يصرف أجرة مثلها فى الاول من وجوه البر ، و فى الثانى على الفقراء ، بل الاحوط خصوصا فى الاول مراجعة حاكم الشرع ، و أما لو طرأ الموتان على الوقف الذي علم مصرفه أو الموقوف
ليهم فلا ينبغى الاشكال فى أنه لو أحياه أحد و عمره وجب عليه صرف منفعته فى مصرفه المعلوم فى الاول ، و دفعها و إيصالها إلى الموقوف عليها المعلومين فى الثانى و إن كان المتولى أو الموقوف عليهم تاركين إصلاحه و تعميره و مرمته إلى أن آل الخراب ، لكن ليس لاحد الاحياء و التصرف فيه مع وجود المتولى المعلوم إلا بإذنه أو الاستئذان من الحاكم مع عدمه فى الاول ، و من المتولى أو الموقوف عليهم إن كان خاصا أو الحاكم إن كان عاما فى الثانى .

مسألة 6 :

إذا كان الموات بالاصل حريما لعامر مملوك لا يجوز لغير مالكه إحياؤه ، و إن أحياه لم يملكه ، و توضيح ذلك أن من أحيى مواتا لاحداث شى‏ء من دار أو بستان أو مزرع أو غيرها تبع ذلك الشى‏ء الذي أحدثه مقدار من الارض الموات القريبة من ذلك الشى‏ء الحادث مما يحتاج إليه لتمام الانتفاع به و يتعلق بمصالحه عادة ، و يسمى ذلك المقدار التابع حريما لذلك المتبوع ، و يختلف مقدار الحريم زيادة و نقيصة باختلاف ذي الحريم ، و ذلك من جهة تفاوت الاشياء فى المصالح و المرافق المحتاج إليها فما يحتاج إليه الدار من المرافق بحسب العادة غير ما يحتاج إليه البئر و النهر مثلا و هكذا بقية الاشياء ، بل يختلف ذلك باختلاف البلاد و العادات أيضا فإذا أراد شخص إحياء حوالى ماله الحريم لا يجوز له إحياء مقدار الحريم بدون إذن المالك و رضاه ، و إن أحياه لم يملكه و كان غاصبا .

مسألة 7 :

حريم الدار مطرح ترابها و كناستها و رمادها و مصب مائها و مطرح ثلوجها و مسلك الدخول و الخروج منها فى الصوب الذي يفتح إليه الباب ، فلو بنى دارا فى أرض موات تبعه هذا المقدار من الموات من حواليها ، فليس لاحد أن يحيى هذا المقدار بدون رضا صاحب الدار ، و ليس المراد من استحقاق الممر فى قبالة الباب استحقاقه على الاستقامة و على امتداد الموات ، بل المراد أن يبقى مسلك له يدخل و يخرج إلى الخارج بنفسه و عياله و أضيافه و ما تعلق به من دوابه و أحماله و أثقاله بدون مشقة بأي نحو كان ، فيجوز لغيره إحياء ما فى قبالة الباب من الموات إذا بقى له الممر و لو بانعطاف و انحراف ، و حريم الحائط لو لم يكن جزء من الدار بأن كان مثلا جدار حصار أو بستان أو غير ذلك مقدار ما يحتاج إليه لطرح التراب و الالات و ل الطين لو انتقض و احتاج إلى البناء و الترميم ، و حريم النهر مقدار مطرح طينه و ترابه إذا احتاج إلى التنقية و المجاز على حافتيه للمواظبة عليه و إصلاحه على قدر ما يحتاج إليه ، و حريم البئر ما تحتاج إليه لاجل السقى منها و الانتفاع بها من الموضع الذي يقف فيه النازح إن كان الاستقاء منها باليد ، و موضع الدولاب و متردد ال
هيمة إن كان الاستقاء بهما و مصب الماء و الموضع الذي يجتمع فيه لسقى الماشية أو الزرع من حوض و نحوه ، و الموضع الذي يطرح فيه ما يخرج منها من الطين و غيره لو اتفق الاحتياج إليه ، و حريم العين ما تحتاج إليه لاجل الانتفاع بها أو لاصلاحها و حفظها على قياس غيرها .

مسألة 8 :

لكل من البئر و العين و القناة أعنى بئرها الاخيرة التى هى منبع الماء و يقال لها بئر العين و أم الابار و كذا غيرها إذا كان منشأ للماء حريم آخر بمعنى آخر ، و هو المقدار الذي ليس لاحد أن يحدث بئرا أو قناة أخرى فيما دون ذلك المقدار بدون إذن صاحبهما ، بل الاحوط لحاظ الحريم كذلك بين القناتين مطلقا و إن كان الجواز فى غير ما ذكر أشبه ، و هو فى البئر أربعون ذراعا إذا كان حفرها لاجل استقاء الماشية من الابل و نحوها منها ، و ستون ذراعا إذا كان لاجل الزرع و غيره ، فلو أحدث شخص بئرا فى موات من الارض لم يكن لشخص آخر إحداث بئر أخرى فى جنبها بدون إذنه ، بل ما لم يكن الفصل بينهما أربعين ذراعا أو ستين فما زاد على ما فصل ، و فى العين و القناة خمسمأة ذراع فى الارض الصلبة و ألف ذراع فى الارض الرخوة ، فإذا استنبط إنسان عينا أو قناة فى أرض موات صلبة و أراد غيره حفر أخرى تباعد عنه بخمسمأة ذراع ، و إن كانت رخوة تباعد بألف ذراع ، و لو فرض أن الثانية تضر بالاولى و تنقص ماءها مع البعد المزبور فالاحوط لو لم يكن الاقوى زيادة البعد بما يندفع به الضرر أو التراضى مع صاحب الاولى .

مسألة 9 :

اعتبار بعد المزبور فى القناة إنما هو فى إحداث قناة أخرى كما أشرنا اليه آنفا ، و أما إحياء الموات الذي فى حواليها لزرع أو بناء أو غيرهما فلا مانع منه إذا بقى من جوانبها مقدار تحتاج للنزح أو الاستقاء أو الاصلاح و التنقية و غيرها مما ذكر فى مطلق البئر ، بل لا مانع من إحياء الموات الذي فوق الابار و ما بينها إذا أبقى من أطراف حلفها مقدار ما تحتاج إليه لمصالحها ، فليس لصاحب القناة المنع عن الاحياء للزرع و غيره فوقها إذا لم يضر بها .

مسألة 10 :

قد مر أن التباعد المزبور فى القناة إنما يلاحظ بالنسبة إلى البئر التى تكون منبع الماء أو منشأه ، و أما الابار الاخر التى هى مجرى الماء فلا يراعى الفصل المذكور بينها ، فلو أحدث الثانى قناة فى أرض صلبة و كان منبعها بعيدا عن منبع الاولى بخمسمأة ذراع ثم تقارب فى الابار الاخر التى هى مجرى الماء إلى الابار الاخر للاخرى إلى أن صار بينها و بينها عشرة أذرع مثلا لم يكن لصاحب الاولى منعه ، نعم لو فرض أن قرب تلك الابار أضر بتلك الابار من جهة جذبها للماء الجاري فيها أو من جهة أخرى تباعد بما يندفع به الضرر .

مسألة 11 :

القرية المبنية فى الموات لها حريم ليس لاحد إحياؤه ، و لو أحياه لم يملكه ، و هو ما يتعلق بمصالحها و مصالح أهليها من طرقها المسلوكة منها و إليها و مسيل مائها و مجمع ترابها و كناستها و مطرح سمادها و رمادها و مشرعها و مجمع أهاليها لمصالحهم على حسب مجرى عادتهم و مدفن موتاهم و مرعى ماشيتهم و محتطبهم و غير ذلك ، و المراد بالقرية البيوت و المساكن المجتمعة المسكونة ، فلم يثبت هذا الحريم للضيعة و المزرعة ذات المزارع و البساتين المتصلة الخالية من البيوت و المساكن و السكنة ، فلو أحدث شخص قناة فى فلاة و أحيى أرضا بسيطة بمقدار ما يكفيه ماء القناة و زرع فيها و غرس فيها النخيل و الاشجار لم يكن الموات المجاور لتلك المحياة حريما لها ، فضلا عن التلال و الجبال القريبة منها ، بل لو أحدث بعد ذلك فى تلك المحياة دورا و مساكن حتى صارت قرية كبيرة يشكل ثبوت الحريم لها نعم لو أحدثها فى جنب المزرعة و البساتين فى أراضى الموات فالظاهر ثبوته لها ، بل لا يبعد ثبوت بعض الحريم من قبيل مرعى الماشية لها مطلقا ، كما أن للمزرعة بنفسها أيضا حريم ، و هو ما تحتاج إليه فى مصالحها و يكون من مرافقها من مسالك الدخول و الخرو
و محل بيادرها و حظائرها و مجمع سمادها و ترابها و غيرها .

مسألة 12 :

حد المرعى الذي هو حريم للقرية و محتطبها مقدار حاجة أهاليها بحسب العادة بحيث لو منعهم مانع أو زاحمهم مزاحم لوقعوا فى الضيق و الحرج ، و يختلف ذلك بكثرة الاهالى و قلتهم و كثرة المواشى و الدواب و قلتها ، و بذلك يتفاوت المقدار سعة و ضيقا طولا و عرضا .

مسألة 13 :

إن كان موات بقرب العامر و لم يكن من حريمه و مرافقه جاز لكل أحد إحياؤه ، و لم يختص بمالك ذلك العامر و لا أولوية له ، فإذا طلع شاطئ من الشط بقرب أرض محياة أو بستان مثلا كان كسائر الموات ، فمن سبقه إلى إحيائه و حيازته كان له ، و ليس لصاحب الارض أو البستان منعه .

مسألة 14 :

لا إشكال فى أن حريم القناة المقدر بخمسمأة ذراع أو ألف ذراع ليس ملكا لصاحب القناة و لا متعلقا لحقه المانع عن سائر تصرفات غيره بدون إذنه ، بل ليس له إلا حق المنع عن أحداث قناة أخرى كما مر ، و الظاهر أن حريم القرية أيضا ليس ملكا لسكانها و أهليها بل إنما لهم حق الاولوية ، و أما حريم النهر و الدار فهو ملك لصاحب ذي الحريم على تردد و إن لا يخلو من وجه ، فيجوز له بيعه منفردا كسائر الاملاك .

مسألة 15 :

ما مر من الحريم لبعض الاملاك إنما هو فيما إذا ابتكرت فى أرض موات ، و أما فى الاملاك المجاورة فلا حريم لها ، فلو أحدث المالكان المجاوران حائطا فى البين لم يكن له حريم من الجانبين ، و لو أحدث أحدهما فى آخر حدود ملكه حائطا أو نهرا لم يكن لهما حريم فى ملك الاخر و كذا لو حفر أحدهما قناة فى ملكه كان للاخر إحداث قناة أخرى فى ملكه و إن لم يكن بينهما الحد .

مسألة 16 :

ذكر جماعة أنه يجوز لكل من المالكين المتجاورين التصرف فى ملكه بما شاء و حيث شاء و إن استلزم ضررا على الجار ، لكنه مشكل على إطلاقه ، و الاحوط عدم جواز ما يكون سببا لعروض فساد فى ملك الجار ، بل لا يخلو من قرب إلا إذا كان فى تركه حرج أو ضرر عليه ، فحينئذ يجوز له التصرف ، كما إذا دق دقا عنيفا انزعج منه حيطان داره بما أوجب خللا فيها ، أو حبس الماء فى ملكه بحيث انتشر منه النداوة فى حائطه ، أو أحدث بالوعة أو كنيفا بقرب بئر الجار أوجب فساد مائها بل و كذا لو حفر بئرا بقرب بئره إذا أوجب نقص مائها و كان ذلك من جهة جذب الثانية ماء الاولى ، و أما إذا كان من جهة أن الثانية لكونها أعمق و وقوعها فى سمت مجرى المياه ينحدر فيها الماء من عروق الارض قبل أن يصل إلى الاول فالظاهر أنه لا مانع منه ، و المائز بين الصورتين يدركه أولوا الحدس الصائب من أهل الخبرة ، و كذا لا مانع من إطالة البناء و إن كان مانعا من الشمس و القمر و الهواء ، أو جعل داره مدبغة أو مخبزة مثلا و إن تأذى الجار من الريح و الدخان إذا لم يكن بقصد الايذاء ، و كذا إحداث ثقبة فى جداره إلى دار جاره موجبة للاشراف أو لانجذاب الهواء فإن المحرم هو التط
ع على دار الجار لا مجرد ثقب الجدار .

مسألة 17 :

لا يخفى أن أمر الجار شديد ، و حث الشرع المقدس على رعايته أكيد ، و الاخبار فى وجوب كف الاذى عن الجار و فى الحث على حسن الجوار كثيرة لا تحصى ، فعن النبى صلى الله عليه و اله أنه قال : " ما زال جبرئيل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " و فى حديث آخر " أنه صلى الله و آله أمر عليا عليه السلام و سلمان و أبو ذر قال الراوي و نسيت آخر و أظنه المقداد أن ينادوا فى المسجد بأعلى صوتهم بأنه لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه ، فنادوا بها ثلاثا " و فى الكافى عن الصادق عن أبيه عليهما السلام قال : " قرأت فى كتاب على عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه و آله كتب بين المهاجرين و الانصار و من لحق بهم من أهل يثرب أن الجار كالنفس غير مضار و لا أثم ، و حرمة الجار كحرمة أمه " و روى الصدوق بإسناده عن الصادق عن على عليهما السلام عن رسول الله صلى الله عليه و آله قال : " من آذى جاره حرم الله عليه ريح الجنة و مأواه جهنم و بئس المصير ، و من ضيع جاره فليس منى " و عن الرضا عليه السلام " ليس منا من لم يأمن جاره بوائقه " و عن الصادق عليه السلام أنه قال و البيت غاص بأهله : " اعلموا أنه ليس منا من لم يحسن مجاورة من ج
وره " و عنه عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله : " حسن الجوار يعمر الديار و ينسى فى الاعمار " فاللازم على كل من يؤمن بالله و رسوله ( ص ) و اليوم الاخر الاجتناب عن كل ما يؤذي الجار و إن لم يكن مما يوجب فسادا أو ضررا فى ملكه إلا أن يكون فى تركه ضررا فاحشا على نفسه ، و لا ريب أن مثل ثقب الجدار الموجب للاشراف على دار الجار إيذاء عليه ، و أي إيذاء ، و كذا إحداث ما يتأذى من ريحه أو دخانه أو صوته أو ما يمنع عن وصول الهواء إليه أو عن إشراق الشمس عليه و غير ذلك .

مسألة 18 :

يشترط فى التملك بالاحياء أن لا يسبق إليه سابق بالتحجير فإن التحجير يفيد أولوية للمحجر ، فهو أولى بالاحياء و التملك من غيره ، فله منعه ، و لو أحياه قهرا على المحجر لم يملكه ، و المراد بالتحجير أن يحدث ما يدل على إرادة الاحياء كوضع أحجار أو جمع تراب أو حفر أساس أو غرز خشب أو قصب أو نحو ذلك فى أطرافه و جوانبه ، أو يشرع فى إحياء ما يريد إحياءه ، كما إذا حفر بئرا من آبار القناة الدارسة التى يريد إحياءها ، فإنه تحجير بالنسبة إلى سائر آبار القناة ، بل و بالنسبة إلى أراضى الموات التى لم تسقى بمائها بعد جريانه ، فليس لاحد إحياء تلك القناة و لا إحياء تلك الاراضى ، و كذا إذا أراد إحياء أجمة فيها الماء و القصب فعمد على قطع مائها فقط فهو تحجير لها ، فليس لاحد إحياؤها بقطع قصبها .

مسألة 19 :

لا بد من أن يكون التحجير مضافا إلى دلالته على أصل الاحياء دالا على مقدار ما يريد إحياءه ، فلو كان ذلك بوضع الاحجار أو جمع التراب أو غرز الخشب أو القصب مثلا لابد أن يكون ذلك فى جميع الجوانب حتى يدل على أن جميع ما أحاطت به العلامة يريد إحياءه ، نعم فى مثل إحياء القناة البائرة يكفى الشروع فى حفر إحدى آبارها كما أشرنا إليه آنفا ، فإنه دليل بحسب العرف فى كونه بصدد إحياء جميع القناة ، بل الاراضى المتعلقة بها أيضا ، بل إذا حفر بئرا فى أرض موات بالاصل لاجل إحداث قناة يمكن أن يقال أنه يكون تحجيرا بالنسبة إلى أصل القناة و إلى الاراضى الموات التى تسقى بمائها بعد تمامها و جريان مائها ، فليس لاحد إحياء تلك الجوانب حتى يتم القناة و يعين ما تحتاج اليه من الاراضى نعم الارض الموات التى ليس من حريم القناة و مما علم أنه لا يصل إليه ماؤها بعد جريانه لا بأس بإحيائها .

مسألة 20 :

التحجير كما أشرنا إليه يفيد حق الاولوية و لا يفيد الملكية ، فلا يصح بيعه على الاحوط و إن لا يبعد الجواز ، نعم يصح الصلح عنه و يورث و يقع ثمنا فى البيع ، لانه حق قابل للنقل و الانتقال .

مسألة 21 :

يشترط فى مانعية التحجير أن يكون المحجر متمكنا من القيام بتعميره و لو بعد زمان طويل بشرط أن لا يوجب تعطيل الموات ، فلو حجر من لم يقدر على إحياء ما حجره أما لفقره أو لعجزه عن تهيئة أسبابه فلا أثر لتحجيره ، و جاز لغيره إحياؤه ، و كذا لو حجر زائدا على مقدار تمكنه من الاحياء لا أثر لتحجيره إلا فى مقدار ما تمكن من تعميره و أما فى الزائد فليس له منع الغير عن إحيائه ، فعلى هذا فليس لمن عجز عن إحياء الموات تحجيره ثم نقل ما حجره إلى غيره بصلح أو غيره مجانا أو بالعوض ، لانه لم يحصل له حق حتى ينقله إلى غيره .

مسألة 22 :

لا يعتبر فى التحجير أن يكون بالمباشرة بل يجوز أن يكون بتوكيل الغير أو استئجاره ، فيكون الحق الحاصل بسببه ثابتا للموكل و المستأجر لا للوكيل و الاجير ، و أما كفاية وقوعه عن شخص نيابة عن غيره ثم أجاز ذلك الغير فى ثبوته للمنوب عنه فبعيد .

مسألة 23 :

لو انمحت آثار التحجير بنفسها قبل أن يقوم المحجر بالتعمير بطل حقه و عاد الموات إلى ما كان قبل التحجير ، و أما لو كان بفعل شخص غير المحجر فلا يبعد بقاؤه مع قرب زمان المحو ، و مع طول المدة فالظاهر بطلانه مطلقا ، بل لا يبعد بقاء الحق مع المحو بنفسها إذا لم يكن ذلك لطول مدة التعطيل ، كما لو حصل بالسيل أو الريح مثلا .

مسألة 24 :

ليس للمحجر تعطيل الموات المحجر عليه و الاهمال فى التعمير ، بل اللازم أن يشتغل بالعمارة عقيب التحجير ، فإن أهمل و طالت المدة و أراد شخص آخر إحياؤه فالاحوط أن يرفع الامر إلى الحاكم مع وجوده و بسط يده ، فيلزم المحجر بأحد أمرين أما العمارة أو رفع يده عنه ليعمره غيره ، إلا أن يبدئ عذرا موجها مثل انتظار وقت صالح له أو إصلاح آلاته أو حضور العملة ، فيمهل بمقدار ما يزول معه العذر ، و ليس من العذر عدم التمكن من تهيئة الاسباب لفقره منتظرا للغنى و التمكن إلا إذا كان متوقعا حصوله بحصول أسبابه ، فإذا مضت المدة فى الفرض المتقدم و لم يشتغل بالعمارة بطل حقه و جاز لغيره القيام بالعمارة ، و إذا لم يكن حاكم يقوم بهذه الشؤون فالظاهر أنه يسقط حقه أيضا لو أهمل فى التعمير و طال الاهمال مدة طويلة يعد مثله فى العرف تعطيلا ، فجاز لغيره إحياؤه و ليس له منعه ، و الاحوط مراعاة حقه ما لم تمض مدة تعطيله و إهماله ثلاث سنين .

مسألة 25 :

الظاهر أنه يشترط فى التملك بالاحياء قصد التملك كالتملك بالحيازة مثل الاصطياد و الاحتطاب و الاحتشاش و نحوها ، فلو حفر بئرا فى مفازة بقصد أن يقضى منها حاجته مادام باقيا لم يملكه ، بل لم يكن له إلا حق الاولوية ما دام مقيما ، فإذا ارتحل زالت تلك الاولوية و صارت مباحا للجميع .

مسألة 26 :

الاحياء المفيد للملك عبارة عن جعل الارض حية بعد الموتان و إخراجها عن صفة الخراب إلى العمران ، و من المعلوم أن عمارة الارض أما بكونها مزرعا أو بستانا ، و أما بكونها مسكنا و دارا ، و أما حظيرة للاغنام و المواشى ، أو لحوائج أخر كتجفيف الثمار أو جمع الحطب أو غير ذلك ، فلا بد فى صدق إحياء الموات من العمل فيه و إنهائه إلى حد صدق عليه أحد العناوين العامرة بأن صدق عليه المزرع أو الدار مثلا أو غيرهما عند العرف ، و يكفى تحقق أول مراتب وجودها ، و لا يعتبر إنهاؤها إلى حد كمالها ، و قبل أن يبلغ إلى ذلك الحد و أن صنع فيه ما صنع لم يكن إحياء بل يكون تحجيرا ، و قد مر أنه لا يفيد الملك بل لا يفيد إلا الاولوية .

تكملة

يختلف ما اعتبر فى الاحياء باختلاف العمارة التى يقصدها المحيى ، فما اعتبر فى إحياء الموات مزرعا أو بستانا غير ما اعتبر فى إحيائه مسكنا و دارا و ما اعتبر فى إحيائه قناة أو بئرا غير ما اعتبر فى إحيائه نهرا و هكذا و يشترط فى الكل إزالة الامور المانعة عن التعمير كالمياه الغالبة أو الرمال و الاحجار أو القصب و الاشجار لو كانت متأجمة و غير ذلك ، و
يختص كل منها ببعض الامور ، و نحن نبينها فى ضمن مسائل .

مسألة 1 :

يعتبر فى إحياء الموات دارا أو مسكنا بعد إزالة الموانع لو كانت أن يدار عليه حائط بما يعتاد فى تلك البلاد و لو كان بخشب أو قصب أو حديد أو غيرها ، و يسقف و لو بعضه مما يمكن أن يسكن فيه ، و لا يعتبر فيه مع ذلك نصب الباب ، و لا يكفى إدارة الحائط بدون التسقيف ، نعم يكفى ذلك فى إحيائه حظيرة للغنم و غيره ، أو لان يجفف فيه الثمار أو يجمع فيه الحشيش و الحطب ، و لو بنى حائطا فى الموات بقصد بناء الدار و قبل أن يسقف عليه بدا له و قصد كونه حظيرة ملكه كما لو قصد ذلك من أول الامر ، و كذلك ملكه فى العكس بأن حوطه بقصد كونه حظيرة فبدا له أن يسقفه و يجعله دارا .

مسألة 2 :

يعتبر فى إحياء الموات مزرعا بعد إزالة الموانع تسوية الارض لو كانت فيها حفر و تلال مانعة عن قابليتها للزرع ، و ترتيب مائها أما بشق ساقية من نهر أو حفر قناة لها أو بئر ، و بذلك يتم إحياءها و يملكها المحيى ، و لا يعتبر فى إحيائها حرثها فضلا عن زرعها ، و إن كانت الارض مما لا تحتاج فى زراعتها إلى ترتيب ماء لانه يكفيها ماء السماء كفى فى إحيائها إعمال الامور الاخر عدا ترتيب الماء ، و إن كانت مهيأة للزرع بنفسها بأن لم يكن فيها مانع عنه مما ذكر و لم تحتج إلا إلى سوق الماء كفى فى إحيائها إدارة التراب حولها مع سوق الماء إليها ، و إن لم تحتج إلى سوق الماء أيضا من جهة أنه يكفيها ماء السماء كبعض الاراضى السهلة و التلال التى لا تحتاج فى زرعها إلى علاج و قابلة لان تزرع ديميا فالظاهر أن إحيائها المفيد لتملكها إنما هو بإدارة المرز حولها مع حرثها و زرعها ، بل لا يبعد الاكتفاء بالحرث فى تملكها ، و أما الاكتفاء بالمرز من دون حراثة و زراعة ففيه إشكال ، نعم لا إشكال فى كونه تحجيرا مفيدا للاولوية .

مسألة 3 :

يعتبر فى إحياء البستان كل ما اعتبر فى إحياء الزرع بزيادة غرس النخيل أو الاشجار القابلة للنمو ، و لا يعتبر التحويط حتى فى البلاد التى جرت عادتهم عليه على الاقوى ، بل الظاهر عدم اعتبار السقى أيضا ، فمجرد غرس الاشجار القابلة للنمو كاف فيه .

مسألة 4 :

يحصل إحياء البئر فى الموات بأن يحفرها إلى أن يصل إلى الماء ، فيملكها بذلك ، و قبل ذلك يكون تحجيرا لا إحياء ، و إحياء القناة بأن يحفر الابار إلى أن يجري ماؤها على الارض ، و إحياء النهر بحفره و إنهائه إلى الماء المباح كالشط و نحوه بحيث كان الفاصل بينهما يسيرا كالمرز و المسناة الصغيرة ، و بذلك يتم إحياء النهر ، فيملكه الحافر ، و لا يعتبر فيه جريان الماء فيه فعلا و إن اعتبر ذلك فى تملك المياه .
back page

fehrest page

next page