back

fehrest

next

المبحث الثاني

مستحق الخمس ومصرفه

( مسألة 1259 ) : يقسم الخمس في زماننا ـ زمان الغيبة ـ نصفين نصف لإمام العصر الحجة المنتظر ـ عجل اللّه تعالى فرجه وجعل أرواحنا فداه ـ ونصف لبني هاشم: أيتامهم، ومساكينهم، وأبناء سبيلهم، ويشترط في هذه الأصناف جميعاً الإيمان، كما يعتبر الفقر في الأيتام، ويكفي في ابن السبيل الفقر في بلد التسليم، ولو كان غنياً في بلده إذا لم يتمكن من السفر بقرض ونحوه على ما عرفت في الزكاة. والأحوط وجوباً اعتبار أن لا يكون سفره معصية، ولا يعطى أكثر من قدر ما يوصله إلى بلده، والأظهر عدم اعتبار العدالة في جميعهم.

( مسألة 1260 ) : الأحوط ـ إن لم يكن أقوى ـ أن لا يعطى الفقير أكثر من مؤنة سنته، ويجوز البسط والاقتصار على إعطاء صنف واحد، بل يجوز الاقتصار على إعطاء واحد من صنف.

( مسألة 1261 ) : المراد من بني هاشم من انتسب إليه بالأب، أما إذا كان بالأم فلا يحل له الخمس وتحل له الزكاة، ولا فرق في الهاشمي بين العلوي والعقيلي والعباسي وإن كان الأولى تقديم العلوي بل الفاطمي.

( مسألة 1262 ) : لا يصدق من ادعى النسب إلا بالبينة، ويكفي في الثبوت الشياع والاشتهار في بلده كما يكفي كل ما يوجب الوثوق والاطمئنان به.

( مسألة 1263 ) : لا يجوز إعطاء الخمس لمن تجب نفقته على المعطي على الأحوط. نعم إذا كانت عليه نفقة غير لازمة للمعطي جاز ذلك.

( مسألة 1264 ) : يجوز استقلال المالك في توزيع النصف المذكور والأحوط استحباباً الدفع إلى الحاكم الشرعي أو استئذانه في الدفع إلى المستحق.

( مسألة 1265 ) : النصف الراجع للإمام عليه وعلى آبائه أفضل الصلاة والسلام يرجع فيه في زمان الغيبة إلى الفقيه المأمون العارف بمصارفه إما بالدفع إليه أو الاستئذان منه، ومصرفه ما يوثق برضاه (ع) بصرفه فيه، كدفع ضرورات المؤمنين من السادات زادهم اللّه تعالى شرفاً وغيرهم، والأحوط استحباباً نية التصدق به عنه (ع) واللازم مراعاة الأهم فالأهم، ومن أهم مصارفه في هذا الزمان الذي قل فيه المرشدون والمسترشدون إقامة دعائم الدين ورفع أعلامه، وترويج الشرع المقدس، ونشر قواعده وأحكامه ومؤنة أهل العلم الذين يصرفون أوقاتهم في تحصيل العلوم الدينية الباذلين أنفسهم في تعليم الجاهلين، وإرشاد الضالين، ونصح المؤمنين ووعظهم، وإصلاح ذات بينهم، ونحو ذلك مما يرجع إلى إصلاح دينهم وتكميل نفوسهم، وعلو درجاتهم عند ربهم تعالى شأنه وتقدست أسماؤه، والأحوط لزوماً مراجعة المرجع الأعلم أو المحتمل الأعلمية المطلع على الجهات العامة.

( مسألة 1266 ) : يجوز نقل الخمس من بلده إلى غيره مع عدم وجود المستحق، بل مع وجوده إذا لم يكن النقل تساهلاً وتسامحاً في أداء الخمس ويجوز دفعه في البلد إلى وكيل الفقير وإن كان هو في البلد الآخر كما يجوز دفعه إلى وكيل الحاكم الشرعي، وكذا إذا وكل الحاكم الشرعي المالك فيقبضه بالوكالة عنه ثم ينقله إليه.

( مسألة 1267 ) : إذا كان المال الذي فيه الخمس في غير بلد المالك فاللازم عدم التساهل والتسامح في أداء الخمس والأحوط تحري أقرب الأزمنة في الدفع، سواء أكان بلد المالك، أم المال أم غيرهما.

( مسألة 1268 ) : في صحة عزل الخمس بحيث يتعين في مال مخصوص إشكال، وعليه فإذا نقله إلى بلد لعدم وجود المستحق فتلف بلا تفريط يشكل فراغ ذمة المالك، نعم إذا قبضه وكالة عن المستحق أو عن الحاكم فرغت ذمته، ولو نقله بإذن موكله فتلف من غير تفريط لم يضمن.

( مسألة 1269 ) : إذا كان له دين في ذمة المستحق ففي جواز احتسابه عليه من الخمس إشكال، فالأحوط وجوباً الاستئذان من الحاكم الشرعي في الاحتساب المذكور، نعم إذا كان له دين من النقود في ذمّة المستحق لسهم السادة فلا يبعد جواز الاحتساب.

* * *

 

 

كتاب الأمر بالمعروف

والنهي عن المنكر

 

من أعظم الواجبات الدينية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال اللّه تعالى: «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون».

وقال النبي (ص) : «كيف بكم إذا فسدت نساؤكم، وفسق شبابكم، ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن ا لمنكر فقيل له: ويكون ذلك يا رسول اللّه؟ قال (ص) : نعم. فقال: «كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر، ونهيتم عن المعروف، فقيل له: يا رسول اللّه (ص) ويكون ذلك؟ فقال: نعم، وشر من ذلك كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً؟».

وقد ورد عنهم (ع) أن بالأمر بالمعروف تقام الفرائض وتأمن المذاهب، وتحل المكاسب، وتمنع المظالم، وتعمر الأرض وينتصف للمظلوم من الظالم، ولا يزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وتعاونوا على البر، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات وسلط بعضهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء.

( مسألة 1270 ) : يجب الأمر بالمعروف الواجب، والنهي عن المنكر وجوباً كفائياً، إن قام به واحد سقط عن غيره، إلا إذا احتمل الغير أنه لايأتمر ولا ينتهي بمن قام بهما وأنه لو أمر أو نهى احتمل تأثير أمره ونهيه في ائتماره وانتهائه، وإذا لم يقم به واحد أثم الجميع واستحقوا العقاب.

( مسألة 1271 ) : إذا كان المعروف مستحباً كان الأمر به مستحباً، فإذا أمر به كان مستحقاً للثواب، وإن لم يأمر به لم يكن عليه إثم ولا عقاب.

يشترط في وجوب الأمر بالمعروف الواجب، والنهي عن المنكر أمور:

الأول : معرفة المعروف والمنكر ولو إجمالاً، فلا يجبان على الجاهل بالمعروف والمنكر.

الثاني : احتمال ائتمار المأمور بالمعروف بالأمر، وانتهاء المنهي عن المنكر بالنهي، فإذا لم يحتمل ذلك، وعلم أن الشخص الفاعل لا يبالي بأمره أو نهيه، ولا يكترث بهما لا يجب عليه شيء.

الثالث : أن يكون الفاعل مصرّاً على ترك المعروف، وارتكاب المنكر فإذا كانت امارة على الاقلاع، وترك الاصرار لم يجب شيء، بل لا يبعد عدم الوجوب بمجرد احتمال ذلك، فمن ترك واجباً، أو فعل حراماً ولم يعلم أنه مصر على ترك الواجب، أو فعل الحرام ثانياً، أو أنه منصرف عن ذلك أو نادم عليه لم يجب عليه شيء، هذا بالنسبة إلى من ترك المعروف، أو ارتكب المنكر خارجاً. وأما من يريد ترك المعروف، أو ارتكاب المنكر فيجب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وإن لم يكن قاصداً إلا المخالفة مرة واحدة.

الرابع : أن يكون المعروف والمنكر منجزاً في حق الفاعل، فإن كان معذوراً في فعله المنكر، أو تركه المعروف، لاعتقاد أن ما فعله مباح وليس بحرام، أو أن ما تركه ليس بواجب، وكان معذوراً في ذلك للاشتباه في الموضوع، أو الحكم اجتهاداً، أو تقليداً لم يجب شيء. نعم قد يجب إرشاد الجاهل بالموضوع في موارد يحرز اهتمام الشارع فيها بحيث لا ترخيص للجاهل في الارتكاب بل يجب عليه الاحتياط وإن كان الغافل فيها معذوراً وهذا غير داخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الخامس : أن لا يلزم من الأمر بالمعروف والنهي عن ا لمنكر ضرر في النفس، أو في العرض، أو في المال، على الآمر، أو على غيره من المسلمين، فإذا لزم الضرر عليه، أو على غيره من المسلمين لم يجب شيء والظاهر أنه لا فرق بين العلم بلزوم الضرر والظن به والاحتمال المعتد به عند العقلاء الموجب لصدق الخوف، هذا فيما إذا لم يحرز تأثير الأمر أو النهي وأما إذا أحرز ذلك فلابد من رعاية الأهمية، فقد يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع العلم بترتب الضرر أيضاً، فضلاً عن الظن به أو احتماله.

( مسألة 1272 ) : لا يختص وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بصنف من الناس دون صنف، بل يجب عند اجتماع الشرائط المذكورة على العلماء وغيرهم، والعدول والفساق، والسلطان والرعية، والأغنياء والفقراء، إن قام به واحد سقط الوجوب عن غيره إلا في بعض الموارد على ما تقدم، وإن لم يقم به أحد أثم الجميع، واستحقوا العقاب.

للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مراتب:

الأولى: الإنكار باللسان والقول بأن يعظه وينصحه ويذكر له ما أعدّ اللّه سبحانه للعاصين من العقاب الأليم والعذاب في الجحيم أو يذكر له ما أعدّه اللّه تعالى للمطيعين من الثواب الجسيم والفوز في جنات النعيم.

الثانية: الإنكار بالقلب بمعنى إظهار كراهة المنكر أو ترك المعروف إمّا بإظهار الانزعاج من الفاعل أو الاعراض والصدّ عنه أو ترك الكلام معه أو نحو ذلك من فعل أو ترك يدل على كراهة ما وقع منه.

الثالثة : الانكار باليد بالضرب المؤلم الرادع عن المعصية، ولكل واحدة من هذه المراتب مراتب أخف وأشد، والمشهور الترتيب بين هذه المراتب مع تقديم المرتبة الثانية على الأولى، فإن كان إظهار الانكار القلبي كافياً في الزجر اقتصر عليه، وإلا أنكر باللسان، فإن لم يكف ذلك أنكره بيده، ولكن الظاهر تقديم الانكار باللسان على الانكار القلبي كما تقدم، وقد يلزم الجمع بينهما. وأما القسم الثالث فهو مترتب على عدم تأثير الأولين، بل الأحوط في هذا القسم بجميع مراتبه الاستيذان من الحاكم الشرعي وإلا ففي كونه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إشكال.

( مسألة 1273 ) : إذا لم تكف المراتب المذكورة في ردع الفاعل ففي جواز الانتقال إلى الجرح والقتل وجهان، بل قولان أقواهما العدم، وكذا إذا توقف على كسر عضو من يد أو رجل أو غيرهما، أو إعابة عضو كشلل أو اعوجاج أو نحوهما، فإن الأقوى عدم جواز ذلك، وإذا أدى الضرب إلى ذلك ـ خطأً أو عمداً ـ فالأقوى الضمان.

فتجري عليه أحكام الجناية العمدية، إن كان عمداً، والخطاية إن كان خطأً. نعم يجوز للإمام والحاكم الشرعي ذلك إذا كان يترتب على معصية الفاعل مفسدة أهم من جرحه أو قتله، وحينئذ لا ضمان عليه.

( مسألة 1274 ) : يتأكد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حق المكلف بالنسبة إلى أهله، فيجب عليه إذا رأى منهم التهاون في الواجبات، كالصلاة وأجزائها وشرائطها، بأن لا يأتوا بها على وجهها، لعدم صحة القراءة والاذكار الواجبة، أو لا يتوضأوا وضوءاً صحيحاً أو لا يطهروا أبدانهم ولباسهم من النجاسة على الوجه الصحيح أمرهم بالمعروف على الترتيب المتقدم، حتى يأتوا بها على وجهها، وكذا الحال في بقية الواجبات، وكذا إذا رأى منهم التهاون في المحرمات كالغيبة والنميمة، والعدوان من بعضهم على بعض، أو على غيرهم، أو غير ذلك من المحرمات، فإنه يجب أن ينهاهم عن المنكر حتى ينتهوا عن المعصية وتجري المرتبة الثالثة هنا بلا حاجة إلى الاستيذان من الحاكم الشرعي.

( مسألة 1275 ) : إذا صدرت المعصية من شخص من باب الاتفاق، وعلم أنه غير مصر عليها فلا يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن لم يتب، نعم إذا كان جاهلاً بلزوم التوبة وكونها مكفّرة للذنب وجب الارشاد.

فائدة:

قال بعض الأكابر (قدس سره): إن من أعظم أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأعلاها وأتقنها وأشدها، خصوصاً بالنسبة إلى رؤساء الدين أن يلبس رداء المعروف واجبه ومندوبه، وينزع رداء المنكر محرمه ومكروهه، ويستكمل نفسه بالأخلاق الكريمة، وينزهها عن الأخلاق الذميمة، فإن ذلك منه سبب تام لفعل الناس المعروف، ونزعهم المنكر خصوصاً إذا أكمل ذلك بالمواعظ الحسنة المرغبة والمرهبة فإن لكل مقام مقالاً، ولكل داء دواءاً، وطب النفوس والعقول أشد من طب الأبدان بمراتب كثيرة، وحينئذ يكون قد جاء بأعلى أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

ختام وفيه مطلبان

المطلب الأول: في ذكر أمور هي من المعروف:

منها: الاعتصام باللّه تعالى، قال اللّه تعالى: «ومن يعتصم باللّه فقد هدي إلى صراط مستقيم» وقال أبو عبداللّه (ع): «أوحى اللّه عز وجل إلى داود ما اعتصم بي عبد من عبادي، دون أحد من خلقي عرفت ذلك من نيته، ثم تكيده السماوات والأرض ومن فيهن إلا جعلت له المخرج من بينهن».

ومنها: التوكل على اللّه سبحانه، الرؤوف الرحيم بخلقه العالم بمصالحه والقادر على قضاء حوائجهم. وإذا لم يتوكل عليه تعالى فعلى من يتوكل أعلى نفسه، أم على غيره مع عجزه وجهله؟ قال اللّه تعالى: «ومن يتوكل على اللّه فهو حسبه» وقال أبو عبداللّه (ع): «الغنى والعز يجولان، فإذا ظفرا بموضع من التوكل أوطنا».

ومنها: حسن الظن باللّه تعالى، قال أميرالمؤمنين (ع) فيما قال: «والذي لا إله إلا هو لا يحسن ظن عبد مؤمن باللّه إلا كان اللّه عند ظن عبده المؤمن، لأن اللّه كريم بيده الخير يستحي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظن، ثم يخلف ظنه ورجاءه، فأحسنوا باللّه الظن وارغبوا إليه».

ومنها: الصبر عند البلاء، والصبر عن محارم اللّه، قال اللّه تعالى: «إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب» وقال رسول اللّه (ص) في حديث: «فاصبر فإنّ في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، فإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً»، وقال أميرالمؤمنين (ع): «لا يعدم الصبر الظفر وإن طال به الزمان»، وقال (ع): «الصبر صبران: صبر عند المصيبة حسن جميل، وأحسن من ذلك الصبر عمّا حرم اللّه تعالى عليك».

ومنها: العفة، قال أبو جعفر (ع): «ما عبادة أفضل عند اللّه من عفة بطن وفرج»، وقال أبو عبداللّه (ع): «إنّما شيعة جعفر (ع) من عف بطنه وفرجه، واشتد جهاده، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه، وخاف عقابه، فإذا رأيت أولئك فأولئك شيعة جعفر» (ع) .

ومنها: الحلم، قال رسول اللّه (ص): «ما أعزّ اللّه بجهل قط، ولا أذل بحلم قط»، وقال أميرالمؤمنين (ع): «أول عوض الحليم من حلمه أن الناس أنصاره على الجاهل»، وقال الرضا (ع): «لا يكون الرجل عابداً حتى يكون حليماً».

ومنها: التواضع، قال رسول اللّه (ص): «من تواضع للّه رفعه اللّه، ومن تكبر خفضه اللّه، ومن اقتصد في معيشته رزقه اللّه، ومن بذّر حرمه اللّه، ومن أكثر ذكر الموت أحبّه اللّه تعالى».

ومنها: إنصاف الناس، ولو من النفس، قال رسول اللّه (ص): «سيد الأعمال إنصاف الناس من نفسك، ومواساة الأخ في اللّه تعالى على كل حال».

ومنها: اشتغال الإنسان بعيبه عن عيوب الناس، قال رسول اللّه(ص): «طوبى لمن شغله خوف اللّه عز وجل عن خوف الناس، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب المؤمنين» وقال (ص): «إن أسرع الخير ثواباً البر، وإن أسرع الشر عقاباً البغي، وكفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عنه من نفسه، وأن يعير الناس بما لا يستطيع تركه، وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه».

ومنها: إصلاح النفس عند ميلها إلى الشر، قال أميرالمؤمنين (ع): «من أصلح سريرته أصلح اللّه تعالى علانيته، ومن عمل لدينه كفاه اللّه دنياه، ومن أحسن فيما بينه وبين اللّه أصلح اللّه ما بينه وبين الناس».

ومنها: الزهد في الدنيا وترك الرغبة فيها، قال أبو عبداللّه (ع): «من زهد في الدنيا أثبت اللّه الحكمة في قلبه، وأطلق بها لسانه، وبصره عيوب الدنيا داءها ودواءها، وأخرجه منها سالماً إلى دار السلام»، وقال رجل قلت لأبي عبداللّه (ع): «إني لا ألقاك إلا في السنين فاوصني بشيء حتى آخذ به؟ فقال (ع): أوصيك بتقوى اللّه، والورع والاجتهاد، وإياك أن تطمع إلى من فوقك، وكفى بما قال اللّه عز وجل لرسول اللّه (ص) «ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا» وقال تعالى: «فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم» فإن خفت ذلك فاذكر عيش رسول اللّه (ص) فإنما كان قوته من الشعير، وحلواه من التمر ووقوده من السعف إذا وجده، وإذا أصبت بمصيبة في نفسك أو مالك أو ولدك فاذكر مصابك برسول اللّه (ص) فإن الخلائق لم يصابوا بمثله قط».

المطلب الثاني: في ذكر بعض الأمور التي هي من المنكر:

منها: الغضب. قال رسول اللّه (ص): «الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخل العسل»، وقال أبو عبداللّه: «الغضب مفتاح كل شر» وقال أبو جعفر (ع): «إن الرجل ليغضب فما يرضى أبداً حتى يدخل النار، فأيما رجل غضب على قومه وهو قائم فليجلس من فوره ذلك، فإنه سيذهب عنه رجس الشيطان، وأيما رجل غضب على ذي رحم فليدن منه فليمسه، فإن الرحم إذا مست سكنت».

ومنها: الحسد، قال أبو جعفر وأبو عبداللّه (ع): «إنّ الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب»، وقال رسول اللّه (ص) ذات يوم لأصحابه: «إنه قد دب إليكم داء الأمم من قبلكم، وهو الحسد ليس بحالق الشعر، ولكنه حالق الدين، وينجي فيه أن يكف الإنسان يده، ويخزن لسانه، ولا يكون ذا غمز على أخيه المؤمن».

ومنها: الظلم، قال أبو عبداللّه (ع): «من ظلم مظلمةأخذ بها في نفسه أو في ماله أو في ولده»، وقال (ع): «ما ظفر بخير من ظفر بالظلم، أما أن المظلوم يأخذ من دين الظالم أكثر مما يأخذ الظالم من مال المظلوم».

ومنها: كون الإنسان ممن يتقى شره، قال رسول اللّه (ص): «شر الناس عند اللّه يوم القيامة الذين يكرمون اتقاء شرهم»، وقال أبو عبداللّه (ع): «ومن خاف الناس لسانه فهو في النار». وقال (ع): «إن أبغض خلق اللّه عبد اتقى الناس لسانه»، ولنكتف بهذا المقدار.

والحمد للّه أولاً وآخراً، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

* * *

 

 

كتاب الجهاد

وفيه فصول

الجهاد مأخوذ من الجَهْد ـ بالفتح ـ بمعنى التعب والمشقّة أومن الجُهْد ـ بالضم ـ بمعنى الطاقة، والمراد به هنا القتال لإعلاء كلمة الإسلام وإقامة شعائر الإيمان.

الفصل الأول

فيمن يجب قتاله، وهم طوائف ثلاث

الطائفة الأولى: الكفّار المشركون غير أهل الكتاب، فإنه يجب دعوتهم إلى كلمة التوحيد والإسلام، فإن قبلوا وإلا وجب قتالهم وجهادهم إلى أن يسلموا أو يُقتلوا وتطهّر الأرض من لوث وجودهم.

ولا خلاف في ذلك بين المسلمين قاطبة، ويدلّ على ذلك غير واحد من الآيات الكريمة، منها قوله تعالى: «فليقاتل في سبيل اللّه الذين يشرون الحيوة0 الدنيا بالآخرة»(2) وقوله تعالى: «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كلّه للّه»(3) وقوله تعالى: «حرّض المؤمنين على القتال»(4) وقوله تعالى: «فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين»(5) وقوله تعالى: «وقاتلوا المشركين كافّة كما يقاتلونكم كافّة»(6) وغيرها من الآيات.

والروايات المأثورة في الحثّ على الجهاد ـ وأنه ممّا بُني عليه الإسلام ومن أهم الواجبات الإلهية ـ كثيرة، والقدر المتيقّن من مواردها هو الجهاد مع المشركين(7).

الطائفة الثانية: أهل الكتاب من الكفّار، وهم اليهود والنصارى، ويلحق بهم المجوس والصابئة،

فإنه يجب مقاتلتهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ويدل عليه الكتاب والسنّة.

قال اللّه تعالى: «قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم اللّه ورسوله ولا يدينون دين الحقّ من الذين أُوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون»(8) والروايات الواردة في اختصاص أهل الكتاب بجواز أخذ الجزية منهم كثيرة وسيجيء البحث عنه.

الطائفة الثالثة: البغاة، وهم طائفتان:

إحداهما: الباغية على الإمام (ع)، فإنه يجب على المؤمنين أن يقاتلوهم حتى يفيئوا إلى أمر اللّه وإطاعة الإمام (ع)، ولا خلاف في ذلك بين المسلمين وسيجيء البحث عن ذلك.

والأخرى: الطائفة الباغية على الطائفة الأخرى من المسلمين، فإنه يجب على سائر المسلمين أن يقوموا بالإصلاح بينهما، فإن ظلّت الباغية على بغيها قاتلوها حتى تفيء إلى أمراللّه. قال اللّه تعالى: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر اللّه»(9).

الفصل الثاني

في الشرائط

يشترط في وجوب الجهاد أمور:

الأول: التكليف، فلا يجب على المجنون ولا على الصبيّ.

الثاني: الذكورة، فلا يجب على المرأة اتفاقاً، وتدلّ عليه ـ مضافاً إلى سيرة النبيّ الأكرم (ص) ـ معتبرة الأصبغ، قال: قال أميرالمؤمنين (ع): «كتب اللّه الجهاد على الرجال والنساء، فجهاد الرجل أن يبذل ماله ونفسه حتى يقتل في سبيل اللّه، وجهاد المرأة أن تصبر على ما ترى من أذى زوجها»(10).

الثالث: الحرّية على المشهور، ودليله غير ظاهر، والإجماع المدّعى على ذلك غير ثابت.

نعم، إنّ هنا روايتين: إحداهما رواية يونس بن يعقوب، قال: قلت لأبي عبداللّه (ع): إنّ معنا مماليك لنا وقد تمتعوا، علينا أن نذبح عنهم؟ قال: فقال: «إنّ المملوك لا حجّ له ولا عمرة ولا شيء»(11).

والأخرى رواية آدم بن علي، عن أبي الحسن (ع)، قال: «ليس على المملوك حجّ ولا جهاد» الحديث(12) ولا يمكن الاستدلال بشيء منهما على اعتبار الحرّية.

أما الرواية الأولى فهي ضعيفة سنداً ودلالةً.

أمّا سنداً، فلأنّ الموجود في التهذيب وإن كان هو رواية الشيخ بسنده عن العباس عن سعد بن سعد، إلا أن الظاهر وقوع التحريف فيه، والصحيح: عبّاد، عن سعد بن سعد، وهو عباد بن سليمان، حيث إنه راو لكتاب سعد بن سعد وقد أكثر الرواية عنه،

وطريق الشيخ إلى عبّاد مجهول، فالنتيجة أن الرواية ضعيفة سنداً.

وأما دلالة، فلأنّه لا يمكن الأخذ بإطلاقها لاسلتزامه تخصيص الأكثر المستهجن لدى العرف.

هذا مضافاً إلى أنه لا يبعد أن يكون المراد من الشيء في نفسه ما هو راجع إلى الحج.

وأما الرواية الثانية فهي وإن كانت تامّة دلالة، إلا أنها ضعيفة سنداً، فإنّ آدم ابن علي لم يرد فيه توثيق ولا مدح.

الرابع: القدرة، فلا يجب على الأعمى والأعرج والمقعد والشيخ الهمّ والزمن والمريض والفقير الذي يعجز عن نفقة الطريق والعيال والسلاح ونحو ذلك، ويدلّ عليه قوله تعالى: «ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج»(13) وقوله تعالى: «ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج»(14).

( مسألة 1 ) : الجهاد واجب كفائي، فلا يتعين على أحد من المسلمين إلا أن يعينه الإمام (ع) لمصلحة تدعو إلى ذلك، أو فيما لم يكن من به الكفاية موجوداً إلا بضمّه، كما أنه يتعين بالنذر وشبهه.

( مسألة 2 ) : إن الجهاد مع الكفار من أحد أركان الدين الإسلامي وقد تقوّى الإسلام وانتشر أمره في العالم بالجهاد مع الدعوة إلى ا لتوحيد في ظلّ راية النبي الأكرم (ص)، ومن هنا قد اهتم القرآن الكريم به في ضمن نصوصه التشريعية، حيث قد ورد في الآيات الكثيرة وجوب القتال والجهاد على المسلمين مع الكفار المشركين حتى يسلموا أو يُقتلوا، ومع أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ومن الطبيعي أن تخصيص هذا الحكم بزمان موقّت وهو زمان الحضور لا ينسجم مع اهتمام القرآن وأمره به من دون توقيت في ضمن نصوصه الكثيرة، ثم إن الكلام يقع في مقامين:

المقام الأول: هل يعتبر إذن الإمام (ع) أو نائبه الخاص في مشروعية أصل الجهاد في الشريعة المقدسة؟ فيه وجهان:

المشهور بين الأصحاب هو الوجه الأول، وقد استدل عليه بوجهين:

ـ الوجه الأول: دعوى الإجماع على ذلك.

وفيه: إن الإجماع لم يثبت، إذ لم يتعرض جماعة من الأصحاب للمسألة، ولذا استشكل السبزواري في الكفاية في الحكم بقوله:

ويشترط في وجوب الجهاد وجود الإمام (ع) أو من نصبه على المشهور بين الأصحاب، ولعلّ مستنده أخبار لم تبلغ درجة الصحة مع معارضتها بعموم الآيات، ففي الحكم به إشكال(15).

ثم على تقدير ثبوته فهو لا يكون كاشفاً عن قول المعصوم (ع)، لاحتمال أن يكون مدركه الروايات الآتية فلا يكون تعبدياً.

نعم، الجهاد في عصر الحضور يعتبر فيه إذن ولي الأمر، النبي الأكرم(ص) أو الإمام (ع) بعده.

ـ الوجه الثاني: الروايات التي استدلّ بها على اعتبار إذن الإمام (ع) في مشروعية الجهاد، والعمدة منها روايتان:

الأولى: رواية سويد القلاء، عن بشير، عن أبي عبداللّه (ع)، قال: قلت له: إنّي رأيت في المنام أني قلت لك: إنّ القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير، فقلت لي: نعم هو كذلك، فقال أبو عبداللّه (ع): «هو كذلك، هو كذلك»(16).

وفيه: إنّ هذه الرواية مضافاً إلى إمكان المناقشة في سندها على أساس أنه لا يمكن لنا إثبات أن المراد من (بشير) الواقع في سندها هو بشير الدهّان، ورواية سويد القلاء عن بشير الدهان في مورد لا تدلّ على أن المراد من بشير هنا هو بشير الدهّان، مع أن المسمّى بـ(بشير) متعدد في هذه الطبقة ولا يكون منحصراً بـ(بشير) الدهّان.

نعم، روى في الكافي هذه الرواية مرسلاً عن بشير الدهّان(17) وهي لا تكون حجة من جهة الإرسال وقابلة للمناقشة دلالةً، فإن الظاهر منها بمناسبة الحكم والموضوع هو حرمة القتال بأمر غير الإمام المفترض طاعته وبمتابعته فيه، ولا تدلّ على حرمة القتال على المسلمين مع الكفار إذا رأى المسلمون من ذوي الآراء والخبرة فيه مصلحة عامة للإسلام وإعلاء كلمة التوحيد بدون إذن الإمام (ع) كزماننا هذا.

الثانية: رواية عبداللّه بن مغيرة، قال محمد بن عبداللّه للرضا (ع) وأنا أسمع: حدّثني أبي، عن أهل بيته، عن آبائه أنه قال له بعضهم: إن في بلادنا موضع رباط يقال له قزوين، وعدواً يقال له الديلم، فهل من جهاد؟ أو هل من رباط؟ فقال: عليكم بهذا البيت فحجوه. فأعاد عليه الحديث، فقال: عليكم بهذا البيت فحجوه، أما يرضى أحدكم أن يكون في بيته وينفق على عياله من طوله ينتظر أمرنا، فإن أدركه كان كمن شهد مع رسول اللّه (ص) بدراً، وإن مات منتظراً لأمرنا كان كمن كان مع قائمنا صلوات اللّه عليه، الحديث(18).

ولكن الظاهر أنها في مقام بيان الحكم الموقّت لا الحكم الدائم بمعنى أنه لم يكن في الجهاد أو الرباط صلاح في ذلك الوقت الخاص، ويشهد على ذلك ذكر الرباط تلو الجهاد مع أنه لا شبهة في عدم توقّفه على إذن الإمام (ع) وثبوته في زمان الغيبة، ومما يؤكد ذلك أنه يجوز أخذ الجزية في زمن الغيبة من أهل الكتاب إذا قبلوا ذلك، مع أن أخذ الجزية إنما هو في مقابل ترك القتال معهم، فلو لم يكن القتال معهم في هذا العصر مشروعاً لم يجز أخذ الجزية منهم أيضاً.

وقد تحصّل من ذلك أن الظاهر عدم سقوط وجوب الجهاد في عصر الغيبة وثبوته في كافة الأعصار لدى توفّر شرائطه، وهو في زمن الغيبة منوط بتشخيص المسلمين من ذوي الخبرة في الموضوع أن في الجهاد معهم مصلحة للإسلام على أساس أن لديهم قوة كافية من حيث العدد والعدة لدحرهم بشكل لا يحتمل عادة أن يخسروا في المعركة، فإذا توفرت هذه الشرائط عندهم وجب عليهم الجهاد والمقاتلة معهم.

وأما ما ورد في عدة من الروايات من حرمة الخروج بالسيف على الحكّام وخلفاء الجور قبل قيام قائمنا صلوات اللّه عليه فهو أجنبي عن مسألتنا هذه وهي الجهاد مع الكفار رأساً، ولا يرتبط بها نهائياً.

المقام الثاني: أنّا لو قلنا بمشروعية أصل الجهاد في عصر الغيبة فهل يعتبر فيها إذن الفقيه الجامع للشرائط أو لا؟ يظهر من صاحب الجواهر (قدس سره) اعتباره بدعوى عموم ولايته بمثل ذلك في زمن الغيبة.

وهذا الكلام غير بعيد بالتقريب الآتي، وهو أن على الفقيه أن يشاور في هذا الأمر المهم أهل الخبرة والبصيرة من المسلمين حتى يطمئن بأنّ لدى المسلمين من العدّة والعدد ما يكفي للغلبة على الكفار الحربيين، وبما أن عملية هذا الأمر المهم في الخارج بحاجة إلى قائد وآمر يرى المسلمين نفوذ أمره عليهم، فلا محالة يتعين ذلك في الفقيه الجامع للشرائط، فإنه يتصدّى لتنفيذ هذا الأمر المهم من باب الحسبة على أساس أنّ تصدي غيره لذلك يوجب الهرج والمرج ويؤدي إلى عدم تنفيذه بشكل مطلوب وكامل.

( مسألة 3 ) : إذا كان الجهاد واجباً على شخص عيناً على أساس عدم وجود من به الكفاية، لم يكن الدين الثابت على ذمته مانعاً عن وجوب الخروج إليه، بلا فرق بين كون الدَّين حالاً أو مؤجلاً، وبلا فرق بين إذن الغريم فيه وعدم إذنه، نعم لو تمكن ـ والحالة هذه ـ من التحفظ على حق الغريم بإيصاء أو نحوه وجب ذلك.

وأما إذا كان من به الكفاية موجوداً لم يجب عليه الخروج إلى الجهاد مطلقاً وإن كان دينه مؤجّلاً أو كان حالاً ولكن لم يكن موسراً، بل لا يجوز إذا كان موجباً لتوفيت حق الغير.

( مسألة 4 ) : إذا منع الأبوان ولدهما عن الخروج إلى الجهاد فإن كان عينياً وجب عليه الخروج ولا أثر لمنعهما، وإن لم يكن عينياً ـ لوجود من به الكفاية ـ لم يجز له الخروج إليه إذا كان موجباً لإيذائهما لا مطلقاً.

وفي اعتبار كون الأبوين حرّين إشكال بل منع لعدم الدليل عليه.

( مسألة 5 ) : إذا طرأ العذر على المقاتل المسلم أثناء الحرب فإن كان مما يعتبر عدمه في وجوب الجهاد شرعاً كالعمى والمرض ونحوهما سقط الوجوب عنه، وأما إذا كان العذر مما لا يعتبر عدمه فيه، وإنما كان اعتباره لأجل المزاحمة مع واجب آخر كمنع الأبوين أو مطالبة الغريم أو نحو ذلك فالظاهر عدم السقوط، وذلك لأن الخروج إلى الجهاد وإن لم يكن واجباً عليه إلا أنه إذا خرج ودخل فيه لم يجز تركه والفرار عنه، لأنه يدخل في الفرار من الزحف والدبر عنه وهو محرّم.

( مسألة 6 ) : إذا بُذل للمعسر ما يحتاج إليه في الحرب، فإن كان من به الكفاية موجوداً لم يجب عليه القبول مجاناً فضلاً عما إذا كان بنحو الإجارة، وإن لم يكن موجوداً وجب عليه القبول، بل الظاهر وجوب الإجارة عليه على أساس أن المعتبر في وجوب الجهاد على المكلف هو التمكن، والفرض أنه متمكن ولو بالإجارة.

( مسألة 7 ) : الأظهر أنه لا يجب، عيناً ولا كفاية، على العاجز عن الجهاد بنفسه لمرض أو نحوه أن يجهّز غيره مكانه، حيث إن ذلك بحاجة إلى دليل ولا دليل عليه، نعم لا شبهة في استحباب ذلك شرعاً على أساس أن ذلك سبيل من سبل اللّه. هذا فيما إذا لم يكن الجهاد الواجب متوقفاً على إقامة غيره مكانه، وإلا وجب عليه ذلك جزماً.

( مسألة 8 ) : الجهاد مع الكفار يقوم على أساس أمرين:

الأول: الجهاد بالنفس.

الثاني: الجهاد بالمال.

ويترتب على ذلك وجوب الجهاد بالنفس والمال معاً على من تمكن من ذلك كفايةً إن كان من به الكفاية موجوداً، وعيناً إن لم يكن موجوداً، وبالنفس فقط على من تمكّن من الجهاد بها كفاية أو عيناً، وبالمال فقط على من تمكن من الجهاد به كذلك. وتدلّ على ذلك عدة من الآيات:

منها قوله تعالى: «انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل اللّه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون»(19).

ومنها قوله تعالى: «فرح المخلّفون بمقعدهم خلاف رسول اللّه وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل اللّه»(20).

ومنها قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا هل أدلّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون باللّه ورسوله وتجاهدون في سبيل اللّه بأموالكم وأنفسكم ذلك خير لكم إن كنتم تعلمون»(21).

وتدل على ذلك ايضاً معتبرة الأصبغ المتقدمة في الشرط الثاني من شرائط وجوب الجهاد.

ثم إنّ كثيراً من الأصحاب لم يتعرضوا لهذه المسألة، ولا يبعد أن يكون ذلك لوضوح الحكم، فلا يصغى إلى ما قيل من عدم وجدان قائل بوجوب الجهاد بالنفس والمال معاً على شخص واحد.

 

حرمة الجهاد في الأشهر الحرم

( مسألة 9 ) : يحرم القتال في الأشهر الحرم ـ وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرّم ـ بالكتاب والسنة، نعم إذا بدأ الكفار في القتال في تلك الأشهر جاز قتالهم فيها على أساس أنه دفع في الحقيقة، ولا شبهة في جوازه فيها، وكذا يجوز قتالهم في تلك الأشهر قصاصاً، وذلك كما إذا كان الكفار بادئين في القتال في شهر من تلك الأشهر جاز للمسلمين أن يبدؤا فيه في شهر آخر من هذه الأشهر في هذه السنة أو في السنة القادمة، ويدل على ذلك قوله تعالى: «الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم»(22).

( مسألة 10 ) : المشهور أن من لا يرى للأشهر الحرم حرمة جاز قتالهم في تلك الأشهر ابتداءً ولكن دليله غير ظاهر عندنا.

( مسألة 11 ) : يجوز قتال الطائفة الباغية في الأشهر الحرم، وهم الذين قاتلوا الطائفة الأخرى ولم يقبلوا الإصلاح وظلّوا على بغيهم على تلك الطائفة وقتالهم، فإن الآية الدالة على حرمة القتال في الأشهر الحرم تنصرف عن القتال المذكور حيث إنه لدفع البغي وليس من القتال الابتدائي كي يكون مشمولاً للآية.

( مسألة 12 ) : يحرم قتال الكفار في الحرم إلا أن يبدأ الكفار بالقتال فيه فعندئذ يجوز قتالهم فيه، ويدل عليه قوله تعالى: «ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم»(23).

( مسألة 13 ) : لا يجوز البدء بقتال الكفار إلا بعد دعوتهم إلى الإسلام، فإذا قام المسلمون بدعوتهم إليه ولم يقبلوا وجب قتالهم.

وأما إذا بدؤا بالقتال قبل الدعوة وقتلوهم، فإنهم وإن كانوا آثمين إلا أنه لا ضمان عليهم، على أساس أنه لا حرمة لهم نفساً ولا مالاً.

نعم، لو كانوا مسبوقين بالدعوة أو عارفين بها لم يجب عليهم دعوتهم مرة ثانية، بل يجوز البدء بالقتال معهم، حيث إن احتمال الموضوعية في وجوب الدعوة غير محتمل.

( مسألة 14 ) : إذا كان الكفار المحاربون على ضعْف من المسلمين، بأن يكون واحد منهم في مقابل اثنين من هؤلاء الكفار وجب عليهم أن يقاتلوهم، وذلك لقوله تعالى: «يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ـ إلى قوله سبحانه ـ الآن خفّف اللّه عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن اللّه واللّه مع الصابرين»(24) فإنه يدل على أن كل فرد من المسلمين في مقابل اثنين منهم ويدل عليه موثقة مسعدة بن صدقة أيضاً عن أبي عبداللّه (ع) قال: «إن اللّه عز وجل فرض على المؤمن ـ إلى أن قال ـ ثم حوّلهم عن حالهم رحمة منه لهم، فصار الرجل منهم عليه أن يقاتل رجلين من المشركين تخفيفاً من اللّه عز وجل فنسخ الرجلان العشرة»(25).

نعم، إذا حصل العلم بالشهادة لفرد من المسلمين المقاتلين إذا ظلّ على القتال مع الاثنين منهم، جاز له الفرار إذا لم تترتّب فائدة عامة على شهادته، لانصراف الآية المزبورة عن هذا الفرض.

وأما إذا كان الكفار أكثر من الضعف فلا يجب عليهم الثبات في القتال معهم إلا إذا كانوا مطمئنين بالغلبة عليهم، وإذا ظنوا بالغلبة لم يجب عليهم الثبات أو البدء في القتال معهم، ولكن لا شبهة في مشروعية الجهاد في هذا الفرض في الشريعة المقدسة، وذلك لإطلاق الآيات المتضمنة لترغيب المسلمين فيه.

وأما إذا ظنّوا بغلبة الكفار عليهم، فهل الجهاد مشروع في هذا الفرض؟ قيل بعدم المشروعية ووجوب الانصراف، وقيل بالمشروعية ومرغوبية الجهاد، والظاهر هو الثاني لإطلاق الآيات.

( مسألة 15 ) : لا يجوز الفرار من الزحف إلا لتحرّف في القتال أو تحيّز إلى فئة وإن ظنوا بالشهادة في ساحة المعركة وذلك لإطلاق الآية الكريمة «يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولّوهم الأدبار ومن يولّهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيّزاً إلى فئة فقد باء بغضب من اللّه ومأواه جنهم وبئس المصير»(26).

( مسألة 16 ) : يجوز قتال الكفار المحاربين بكلّ وسيلة ممكنة من الوسائل والأدوات الحربية في كل عصر حسب متطلبات ذلك العصر، ولا يختص الجهاد معهم بالأدوات القتالية المخصوصة.

( مسألة 17 ) : قد استثني من الكفار الشيخ الفاني والمرأة والصبيان، فإنه لا يجوز قتلهم، وكذا الأُسارى من المسلمين الذين أُسروا بيد الكفار، نعم لو تترّس الأعداء بهم جاز قتلهم إذا كانت المقاتلة معهم أو الغلبة عليهم متوقّفة عليه.

وهل تجب الدية على قتل المسلم من هؤلاء الأُسارى وكذا الكفارة؟ الظاهر عدم الوجوب، أما الدية فمضافاً إلى عدم الخلاف فيه تدل عليه معتبرة السكوني عن أبي عبداللّه (ع) قال: «من اقتصّ منه فهو قتيل القرآن»(27) وذلك فإنّ المتفاهم العرفي منها بمناسبة الحكم والموضوع هو أن كلما كان القتل بأمر إلهي فلا شيء فيه من القصاص والدية، والقتيل بالقصاص من صغريات تلك الكبرى، وتؤيد ذلك رواية حفص بن غياث، قال: سألت أبا عبداللّه عن مدينة من مدائن الحرب، هل يجوز أن يرسل عليها الماء أو تحرق بالنار أو ترمى بالمنجنيق حتى يقتلوا

ومنهم النساء والصبيان والشيخ الكبير والأُسارى من المسلمين والتجار؟ فقال: «يفعل ذلك بهم، ولا يمسك عنهم لهؤلاء، ولا دية عليهم للمسلمين ولا كفارة» الحديث(28).

وأما الكفارة فهل تجب أو لا؟ فيه وجهان: المشهور بين الأصحاب وجوبها، وقد يستدل على الوجوب بقوله تعالى: «فإن كان من قوم عدوّ لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة»(29).

بدعوى أن الآية تدل على الوجوب في المقام: بالأولوية، وفيه أنه لا أولوية، فإن القتل في مورد الآية قتل خَطَئي ولا يكون بمأمور به، والقتل في المقام يكون مأموراً به، على أنه لو تم الاستدلال بالآية في المقام فظاهرها هو وجوب الكفارة على القاتل كما نص على ذلك غير واحد من الأصحاب وهو على خلاف مصلحة الجهاد، فإنه يوجب التخاذل فيه كما صرح به الشهيد الثاني (قدس سره) فالصحيح هو عدم وجوب الكفارة في المقام المؤيد برواية حفص المتقدمة.

( مسألة 18 ) : المشهور كراهة طلب المبارز في الحرب بغير إذن الإمام (ع)، وقيل: يحرم وفيه إشكال، والأظهر جواز طلبه إذاكان أصل الجهاد مشروعاً.

( مسألة 19 ) : إذا طلب الكافر مبارزاً من المسلمين ولم يشترط عدم الإعانة بغيره جاز إعانته، والمشهور على أنه لا يجوز ذلك إذا اشترط عدم الإعانة بغيره، حيث إنه نحو أمان من قبل غيره فلا يجوز نقضه، ولكنه محل إشكال بل منع.

( مسألة 20 ) : لا يجوز القتال مع الكفار بعد الأمان والعهد، حيث إنه نقض لهما وهو غير جائز.

ويدل عليه غير واحدة من الروايات، منها صحيحة جميل عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «كان رسول اللّه (ص) إذا أراد أن يبعث سريّة دعاهم فأجلسهم (ص) بين يديه ثم يقول ـ إلى أن قال ـ وأيما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى أحد من المشركين فهو جار حتى يسمع كلام اللّه، فإن تبعكم فأخوكم في الدين، وإن أبى فأبلغوه مأمنه واستعينوا باللّه»(30).

ومنها معتبرة السكوني عن أبي عبداللّه (ع)، قال: قلت له: ما معنى قول النبي (ص) (يسعى بذمتهم أدناهم)؟ قال: «لو أن جيشاً من المسلمين حاصروا قوماً من المشركين فأشرف رجل فقال: أعطوني الأمان حتى ألقى صاحبكم وأُناظره، فأعطاه أدناهم الأمان وجب على أفضلهم الوفاء به»(31).

نعم، تجوز الخدعة في الحرب ليتمكّنوا بها من الغلبة عليهم، وتدل عليه معتبرة إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه أن علياً (ع) كان يقول: «سمعت رسول اللّه (ص) يقول يوم الخندق: (الحرب خدعة) ويقول: تكلّوا بما أردتم»(32).

( مسألة 21 ) : لا يجوز الغلول من الكفار بعد الأمان، فإنه خيانة، وقد ورد في صحيحة جميل المتقدمة آنفاً، وفي معتبرة مسعدة بن صدقة نهى النبي (ص) عن الغلول(33) وكذا لا تجوز السرقة من الغنيمة على أساس أنها ملك عام لجميع المقاتلين.

( مسألة 22 ) : لا يجوز التمثيل بالمقتولين من الكفار، لورود النهي عنه في صحيحة جميل ومعتبرة مسعدة المتقدمتين آنفاً، وكذا لا يجوز إلقاء السمّ في بلاد المشركين لنهي النبي (ص) في معتبرة السكوني عن أبي عبداللّه (ع) قال: «قال أميرالمؤمنين (ع): نهى رسول اللّه (ص) أن يُلقى السم في بلاد المشركين»(34).

نعم، إذا كانت هناك مصلحة عامة تستدعي ذلك كما إذا توقف الجهاد أو الفتح عليه جاز وأما إلقاؤه في جبهة القتال فقط من جهة قتل المحاربين من الكفار فلا بأس به.

back

fehrest

next