«1»

الإمام الحسين (ع) ومصلحة الإسلام العليا

الشيخ فؤاد كاظم المقدادي


تمهيد

إن للحسين (ع) موقعاً رسالياً تميّز به عن سائر أئمة أهل البيت (ع)، وجعل منه رمزاً خالداً لكل مظلوم يصحر بظلامته عبر التاريخ، وصرخة حق تدوّي في وجه الظالمين إلى يوم الدين. وليس جزاقاً قول رسول الله (ص) في حقّه (ع) إن له درجة لا ينالها أحد من المخلوقين، فعن أبي عبدالله (ع) قال: "كان النبي (ص) في بيت أم سلمة فقال لها: لا يدخل عليَّ أحد، فجاء الحسين (ع) وهو طفل، فما ملكت معه شيئاً حتى دخل على النبي، فدخلت أم سلمة على إثره فإذا الحسين على صدره، وإذا النبي يبكي، وإذا في يده شيء يقلّبه. فقال النبي: يا أم سلمة، إن هذا جبرئيل يخبرني أن هذا مقتول، وهذه التربة التي يقتل عليها فضعيه عندك، فإذا صارت دماً فقد قتل حبيبي، فقالت أم سلمة: يا رسول الله، سل الله أن يدفع ذلك عنه؟ قال: قد فعلت فأوحى الله عزّ وجلّ إليّ أن له درجة لا ينالها أحد من المخلوقين، وأن له شيعة يشفعون فيشفَّعون، وأن المهدي من ولده، فطوبى لمن كان من أولياء الحسين وشيعته، هم والله الفائزون يوم القيامة".(1)

وهو الذي نزل الوحي بتسميته حسيناً، فقد روي أنه عندما زُفّت البشرى لرسول الله (ص) بولادة الإمام الحسين (ع)، في اليوم الثالث من شهر شعبان المبارك في السنة الرابعة من الهجرة، أسرع (ص) إلى دار الزهراء (س) فقال لأسماء بنت عمير: "يا أسماء، هاتي ابني"، فحملته إليه، وقد لُفّ في خرقة بيضاء، فاستبشر (ص) وضمَّه إليه وأذَّن في أُذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ثم وضعه في حجره وبكى، فقالت أسماء: فداك أبي وأُمّي، ممَّ بكاؤك؟ قال (ص): "من ابني هذا". قالت: إنه ولد الساعة. قال (ص): "يا أسماء، تقتله الفئة الباغية من بعدي، لا أنالهم الله شفاعتي". ثم قال: "يا أسماء، لا تخبري فاطمة فإنها حديثة عهد بولادته".

ثم قال (ص) لعلي (ع): "أي شيء سمّيت ابني"؟ فأجابه علي (ع): ماكنت لأسبقك باسمه يا رسول الله. فنزل جبرئيل (ع) على رسول الله (ص) حاملاً اسم الوليد المبارك، قال لعلي (ع): "سمّه حسيناً".(2)

وتتوالى بيانات رسول الله (ص) في وصف مقام الإمام الحسين (ع)، وموقعه الرفيع من الرسالة والرسول، منها:

عن يعلى بن مرة، قال: قال رسول الله (ص): "حسين مني وأنا من حسين، أحبّ الله مَن

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 - البحار 44: 225، ح 5.
2 - الطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى: 217. الطبري، دخائر العقبى في مناقب ذوي القربى 119. الخوارزمي، مقتل الحسين 1: 87 و 88.

«2»

أحبّ حسيناً، حسينٌ سبط من الأسباط".(1)

وعن سلمان الفارسي، قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: "الحسن والحسين ابناي، من أحبّهما أحبّني، ومن أحبّني أحبّه الله، ومن أحبّه الله أدخله الجنة، ومن أبغضهما أبغضني، ومن أبغضني أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله النار على وجهه".(2)

وعن البرّاء بن عازب، قال: رأيت رسول الله (ص) حاملاً الحسين بن علي على عاتقه وهو يقول: "اللهم إني أحبّه فأحبّه".(3)

وعن أبي جعفر (ع) قال: كان رسول الله (ص) إذا دخل الحسين (ع) اجتذبه إليه، ثم يقول لأمير المؤمنين (ع): "أمسكه"، ثم يقع عليه فيقبّله ويبكي، فيقول: يا أبه، لم تبكي؟ فيقول: "يا بنيَّ، اُقّبل موضع السيوف منك وأبكي". قال يا أبه، وأُقتل؟ قال: "إي والله، وأبوك وأخوك وأنت". قال: يا أبه، فمصارعنا شتّى؟ قال: "نعم، يا بني"، قال: فمن يزورنا من أُمتك؟ قال: "لا يزورني ويزور أباك وأخاك وأنت إلاّ الصديقون من أُمّتي".(4)

وقال: "لعن الله قاتلك، ولعن الله سالبك، وأهلك الله المتوازرين عليك، وحكم الله بيني وبين من أعان عليك". قالت فاطمة الزهراء (ع) : يا أبت، أي شيء تقول؟ قال: "يا بنتاه، ذكرت ما يصيبه بعدي وبعدك من الأذى والظلم والغدر والبغي، وهو يومئذ في عصبة كأنهم نجوم السماء، يتهادون إلى القتل، وكأني أنظر إلى معسكرهم، وإلى موضع رحالهم وتربتهم". قالت: يا أبه، وأين هذا الموضع الذي تصف؟ قال: "موضع يقال له كربلا، وهي دار كرب وبلاء علينا وعلى الأُمة، ويخرج عليهم شرار أُمتّي، لو أن أحدهم شُفّع له في السموات والأرضين ما شفّعوا فيه، وهم المخلّدون في النار". قالت: يا أبه، فيقتل؟ قال: "نعم يا بنتاه، وما قُتل قتلته أحد كان قبله، ويبكيه السموات والأرضون، والملائكة، والوحش، والنباتات، والبحار، والجبال، ولو يؤذن لها ما بقي على الأرض متنفس، ويأتيه قوم من محبّينا ليس في الأرض أعلم بالله، ولا أقوم بحقّنا منهم، وليس على ظهر الأرض أحد يلتفت إليه غيرهم، أولئك مصابيح في ظلمات الجور، وهم الشفعاء، وهم واردون حوضي غداً، أعرفهم إذا وردوا عليَّ بسيماهم، وكل أهل دين يطلبون أئمتهم، وهم يطلبوننا لا يطلبون غيرنا، وهم قوّام الأرض، وبهم ينزل الغيث". فقالت الزهراء (س): يا أبه، إنا لله، وبكت، فقال لها: "يا بنتاه، إن أفضل أهل الجنان هم الشهداء في الدنيا، بذلوا أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنّة، يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون وعداً عليه حقاً، فما عند الله خير من الدنيا وما فيها، قتله أهون من ميتة، ومن كتب عليه القتل، خرج إلى مضجعه، ومن لم يقتل فسوف يموت. يا فاطمة بنت محمّد، أما تحبّين أن تأمرين غداً بأمر فتُطاعين في هذا الخلق عند الحساب؟ أما ترضين أن يكون ابنك

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 - الفيروز آبادي، فضائل الخمسة 3: 262. صحيح الترمذي 2: 307.
2 - الطبرسي، إعلام الورى: 219.
3 - ابن الصباغ المالكي، الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة (ع): 171.
4 - البحار 44: 261، ح 14.

«3»

من حملة العرش؟ أما ترضين أن يكون أبوك يأتونه يسألونه الشفاعة؟ أما ترضين أن يكون بعلك يذود الخلق يوم العطش عن الحوض فيسقي منه أولياءه ويذود عنه أعداءه؟ أما ترضين أن يكون بعلك قسيم النار، يأمر النار فتطيعه، يخرج منها ما يشاء؟ ويترك من يشاء. أما ترضين أن تنظرين إلى الملائكة على أرجاء السماء ينظرون إليك وإلى ما تأمرين به، وينظرون إلى بعلك قد حضر الخلائق وهو يخاصمهم عند الله؟ فما ترين الله صانع بقاتل ولدك وقاتليك وقاتل بعلك إذا أفلجت حجّته على الخلائق، وأُمرت النار أن تطيعه؟. أما ترضين أن يكون الملائكة تبكي لابنك، وتأسف عليه كل شيء؟ أما ترضين أن يكون من أتاه زائراً في ضمان الله، ويكون من أتاه بمنزلة من حج إلى بيت الله واعتمر، ولم يخلُ من الرحمة طرفة عين، وإذا مات مات شهيداً، وإن بقي لم تزل الحفظة تدعو له ما بقي، ولم يزل في حفظ الله وأمنه حتى يفارق الدنيا"؟ قالت: يا أبه، سلّمت، ورضيت، وتوكلت على الله، فمسح على قلبها ومسح عينيها، وقال: "إني وبعلك وأنت وابنيك في مكان تقرُّ عيناك، ويفرح قلبك".(1)

وعن ابن عباس قال: لما اشتد برسول الله (ص) مرضه الذي مات فيه، ضمّ الحسين (ع) إلى صدره يُسيل من عرقه عليه، وهو يجود بنفسه، ويقول: "مالي وليزيد لا بارك الله فيه؟ اللهم العن يزيد". ثم غُشي عليه طويلاً، وأفاق وجعل يقبّل الحسين وعيناه تذرفان، ويقول: "أما إنَّ لي ولقاتلك مقاماً بين يدي الله عزّ وجلّ".(2)

ومن هنا ندرك كيف أن رسول الله (ص) كان يهيّىء ولده الحسين (ع) لدور رسالي فريد، ويوحي به ويؤكّده، ليحفظ له رسالته من الانحراف والضياع; لذا نجد أن سيرة سيد الشهداء الإمام الحسين (ع)، هي من أبرز مصاديق وحدة الهدف في تحقيق وحفظ مصلحة الإسلام العليا، التي اتّسمت بها أدوار أئمة أهل البيت (ع)، على رغم تنوّعها في الطريقة وتباينها الظاهري في المواقف، وقد تمثّل في سيرة الإمام الحسين (ع) مبدأ حفظ مصلحة الإسلام العليا في أربعة مواقف كبرى، شملت عهد إمامة أبيه (ع) وعهد إمامة أخيه الحسن (ع) وعهد إمامته (ع).


1 - في عهد إمامة أبيه أمير المؤمنين (ع):

وقد جسّد الإمام الحسين (ع) فيه الطاعة التامّة والامتثال الكامل لأوامر إمامه أمير المؤمنين (ع)، في الموقف من الخلافة بعد رسول الله (ص)، وخصوصاً أيام الفتنة الطخياء على عهد عثمان بن عفّان، التي انتهت بقتله، وكذلك في خوضه حروب الدفاع عن دولة الإسلام وخلافة أمير المؤمنين (ع)، التي كان أبرزها حرب الناكثين المعروفة بحرب الجمل، وحرب القاسطين المعروفة بحرب صفّين، وحرب المارقين المعروفة بحرب النهروان. وقد أشرنا إلى ذلك سابقاً عند بياننا لمواقف أمير المؤمنين (ع) والإمام الحسن (ع) في حفظ مصلحة الإسلام العليا.


2 - في عهد إمامة أخيه الحسن بن علي (ع):

كان الإمام الحسين (ع) ظهير أخيه الإمام الحسن (ع) الأمين وساعده الأيمن في مواجهه الباغية معاوية بن أبي سفيان، ثم كان شريكه في دفع الفتنة الكبرى التي وقع فيها أصحابه وأتباعه بسبب الصلح، الذي أملته الضرورة فأوقعه مع معاوية حقناً لدماء أهل البيت (ع)، ودماء أصحابهم وأتباعهم التي مثّلت في حينها سناء مصلحة الاسلام في بقاء من يصدع بحق الثقلين، ويذبّ عن أهل بيت النبوة والعصمة، ويدفع عن الإسلام غائلة التحريف والتزوير. وقد أشرنا أيضاً إلى ذلك فيما سلف من ذكر المواقف الكبرى للإمام الحسن (ع) لحفظ مصلحة الإسلام العليا.


3 - في عهد إمامته (ع):

وفي هذا العهد ضرب الإمام الحسين (ع) المثل الأعلى في تجسيد روح الثبات والقدم الراسخة على مبادئ الإسلام ومصلحته العليا، حيث كان له سلام الله عليه موقفان متواليان، قد يُلحظان متخالفين ظاهرياً، من الحكم الأموي منذ اليوم الأول لصيرورة الإمامة إليه بعد استشهاد أخيه الإمام الحسن (ع): الأول من معاوية بن أبي سفيان، والثاني من يزيد بن معاوية:


أ- موقفه من معاوية بن أبي سفيان:

وله في موقفه هذا من معاوية صورتان تكامليّتان، كلاهما تحكيان مبدأيّته العصماء في لحاظ مصلحة الإسلام العليا:

الصورة الأولى: التزامه (ع) بعهد أخيه الامام الحسن (ع)، ووفاؤه ببنود صلح أخيه المبرم مع معاوية بن أبي سفيان; لاعتقاده بأنّ المصلحة الإسلامية لا زالت في ذلك، ولأن مبادئ الإسلام وأحكامه تأبى عليه نقض العهود والتحلّل من الوفاء بالعقود، إلاّ إذا أُخلّ بشروطه أو انتهت مدته، لقول الله تعالى: (يا أيّها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)،(3)وقوله أيضاً: )وأوفوا بالعهد إنّ العهد كان مسؤولاً).(4) فممّا رواه الكلبي والمدائني وغيرهما من أصحاب السِيَر قالوا: لمّا مات الحسن بن عليّ (ع) تحرّكت الشيعة بالعراق، وكتبوا إلى الحسين (ع) في خلع معاوية والبيعة له، فامتنع عليهم، وذكر أنّ بينه وبين معاوية عهداً وعقداً لا يجوز له نقضه حتى تمضي المدّة، فإن مات معاوية نظر في ذلك.(5)

الصورة الثانية: وفيها سلك الإمام الحسين (ع) مسلكاً تكامليّاً في مقابل التزامه بما تمليه عليه الحكمة الإلهية والمصلحة الإسلامية للصلح الذي عقده الإمام الحسن (ع) مع معاوية، والتي من أبرزها كشف حقيقة هذا الأخير وحقيقة حكومة بني أمية للمسليمن، فانطلق الإمام (ع) من نفس هذه الحكمة الإلهية والمصلحة الإسلامية، وعمل جهده لكشف هذه الحقيقة.

وهنا يتبيّن لنا السر في عدم التخالف بين موقفه في الصورة الأولى وموقفه في هذه الصورة الثانية، فهما صورتان لموقف تكاملي هادف، يحفظ في الأولى حدود الصلح المعلنة، ويسعى في الثانية لتكميل تحقيق الأهداف المنشودة لهذا الصلح، وذلك عن طريق إظهار الحق وإعلانه في وجه معاوية بن أبي سفيان، والتصديّ له بالحجّة البالغة، وتعرية انحرافه عن كتاب الله وسنّة نبيّه (ص)، ودرء البدع التي أحدثها في الدين، واستنكار الظلم والجور الذي أوقعه على صفوة الأصحاب والتابعين من شيعة أهل البيت (ع)، وسفك دمائهم الطاهرة، خلافاً لبنود الصلح المبرم مع الإمام الحسن (ع). وممّا روي في ذلك:

1 - تصدّيه (ع) لأمر معاوية وولاته وعمّاله بلعن أمير المؤمنين (ع) على المنابر واضطهاد شيعته، وقتل من يروي شيئاً من فضائله، فعن سليم بن قيس قال: نادى منادي معاوية أن قد برئت الذمّة ممّن يروي حديثاً من مناقب عليّ وفضل أهل بيته، وكان أشدّ الناس بليّة أهل الكوفة، لكثرة من بها من الشيعة، فاستعمل زياد بن أبيه، وضمّ إليه العراقين الكوفة والبصرة، فجعل يتتبّع الشيعة وهو بهم عارف. يقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وصلبهم في جذوع النخل، وسمل أعينهم وطردهم وشرّدهم، حتى نُفوا عن العراق فلم يبق بها أحد معروف مشهور; فهم بين مقتول أو مصلوب أو محبوس أو طريد أو شريد. وكتب معاوية إلى جميع عمّاله في جميع الأمصار أن لا تجيزوا لأحد من شيعة عليّ وأهل بيته شهادة، وانظروا قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه ومحبّي أهل بيته وأهل ولايته، والذين يروون فضله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم وقرّبوهم وأكرموهم، واكتبوا بمن يروي من مناقبه واسم أبيه وقبيلته، ففعلوا حتى كثرت الرواية في عثمان، وافتعلوها لما كان يبعث إليهم من الصِّلات والخِلَع والقطائع من العرب والموالي، وكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في الأموال والدنيا، فليس أحد يجيء من مصر من الأمصار فيروي في عثمان منقبة أو فضيلة إلاّ كتب اسمه وأُجيز، فلبثوا بذلك ما شاء الله.

ثم كتب إلى عمّاله أنّ الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر، فادعوا الناس إلى الرواية في معاوية وفضله وسوابقه، فإن ذلك أحبّ إلينا وأقرّ لأعيننا، وأدحض لحجّة أهل البيت وأشدّ عليهم، فقرأ كلّ أمير وقاض كتابه على الناس!! فأخذ الرواة في فضائل معاوية على المنبر في كل كورة وكل مسجد زوراً، وألقوا ذلك إلى معلّمي الكتاتيب، فعلّموا ذلك صبيانهم كما يعلّمونهم القرآن، حتى علّموه بناتهم ونساءهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله.

وكتب زياد بن أبيه إليه في حقّ الحضرميّين أنهم على دين علي وعلى رأيه، فكتب إليه معاوية أن اقتل كلّ من كان على دين عليّ ورأيه، فقتلهم ومثّل بهم!!

وكتب كتاباً آخر: أنظروا من قبلكم من شيعة علي واتّهمتموه بحبّه فاقتلوه، وإن لم تقم عليه البيّنة، فاقتلوه على التهمة والظنة والشبهة تحت كل حجر حتى أن الرجل لتسقط منه كلمة فتُضرب عنقه، في حين كان الرجل يرمى بالزندقة والكفر فلا يتعرّض له بمكروه بل يكّرم ويعظم!! وكان الرجل من الشيعة لا يأمن على نفسه في بلد من البلدان، لا سيما الكوفة والبصرة، حتى لو أن أحداً منهم أراد أن يلقي سرّاً إلى من يثق به خاف خادمه ومملوكه، فلا يحدّثه إلاّ بعد أن يأخذ عليه الأيمان المغلّظة أن يكتم عليه، حتى كثرت أحاديثهم الكاذبة، ونشأ عليها الصبيان.

وكان أشدّ الناس في ذلك القرّاء المراؤون المتصنّعون، الذين يُظهرون الخشوع والورع، فكذبوا وانتحلوا الأحاديث وولّدوها، فحظوا بذلك عند الولاة والقضاة وأدنوا مجالسهم، وأصابوا الأموال والقطائع والمنازل، حتى صارت أحاديثهم ورواياتهم عندهم حقّاً وصدقاً، فرووها وقبلوها وتعلّموها وعلّموها، وأحبّوا عليها وأبغضوا من ردّها أو شكّ فيها، فاجتمعت على ذلك جماعتهم، وصارت في يد المتنسّكين والمتديّنين منهم، فقبلوها وهم يرون أنها حق، ولو علموا بطلانها وتيقّنوا أنها مفتعلة لأعرضوا عن روايتها ولم يدينوا بها، ولم يبغضوا من خالفها، فصار الحقّ في ذلك الزمان عندهم باطلاً، والباطل عندهم حقّاً، والكذب صدقاً، والصدق كذباً.

فلمّا مات الحسن بن علي (ع) ازداد البلاء والفتنة، فلم يبق لله ولي إلاّ هو خائف على نفسه، أو مقتول أو طريد شريد، فلمّا كان قبل موت معاوية بسنتين، حجّ الحسين بن علي (ع) وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن عباس معه. وقد جمع الحسين بن علي (ع) بني هاشم; رجالهم ونساءهم ومواليهم وشيعتهم، من حج منهم ومَنْ لم يحج، ومن الانصار ممّن يعرفونه وأهل بيته، ثم لم يدع أحداً من أصحاب رسول الله (ص) ومن أبنائهم والتابعين، ومن الأنصار المعروفين بالصلاح والنسك إلاّ جمعهم، فاجتمع عليه بمنىً أكثر من ألف رجل عامتهم التابعون وأبناء الصحابة، والحسين (ع) في سرادقه، فقام (ع) فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، فإنّ الطاغية قد صنع بنا وبشيعتنا ما قد علمتم ورأيتم وشهدتم وبلغكم، وإنّي أريد أن أسألكم عن أشياء، فإن صدقت فصدّقوني، وإن كذبت فكذّبوني. إسمعوا مقالتي واكتموا قولي، ثم ارجعوا إلى امصاركم وقبائلكم من أمنتموه ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون، فإني أخاف أن يندرس هذا الحق ويذهب، والله متمّ نوره ولو كره الكافرون".

فما ترك الحسين (ع) شيئاً أنزل الله فيهم (أهل البيت - ع -) من القرآن إلاّ قاله وفسّره، ولا شيئاً قاله الرسول في أبيه وأمّه وأهل بيته إلاّ رواه. وفي كل ذلك يقول الصحابة: اللهم نعم، قد سمعناه وشهدناه، ويقول التابعون: اللهم قد حدّثنا من نصدّقه ونأتمنه، حتى لم يترك شيئاً إلاّ قاله، ثم قال: "أنشدكم بالله إلاّ رجعتم وحدّثتم به من تثقون به"، ثم نزل وتفرّق الناس على ذلك.(6)

2 - استنكاره (ع) على معاوية قتله لصفوة من صحابة رسول الله وتابعيهم من شيعة أهل البيت; لقد روى صالح بن كيسان قال: لما قَتل معاوية حجر بن عدي وأصحابه حجّ ذلك العام، فلقي الحسين بن علي (ع) فقال: يا أبا عبد الله، هل بلغك ما صنعنا بحجر واصحابه وأشياعه وشيعة أبيك؟ فقال (ع): "وما صنعت بهم"؟ قال: قتلناهم، وكفّناهم، وصلّينا عليهم. فضحك الحسين (ع) ثم قال: "خصمك القوم يا معاوية، لكننا لو قتلنا شيعتك ما كفنّاهم ولا صلّينا عليهم ولا قبرناهم. ولقد بلغني وقيعتك في علي وقيامك ببغضنا، واعتراضك بني هاشم بالعيوب، فإذا فعلت ذلك فارجع إلى نفسك، ثم سلها الحق عليها ولها، فإنْ لهم تجدْها أعظم عيباً، فما أصغر عيبك فيك، وقد ظلمناك يا معاوية فلا توترنّ غير قوسك ولا ترمينّ غير غرضك، ولا ترمنا بالعداوة من مكان قريب، فإنّك والله لقد أطعت فينا رجلاً ما قدُم إسلامه، ولا حدث نفاقة، ولا نظر لك، فانظر لنفسك أو دع" - يعني عمرو بن العاص -.(7)

وجاء في سيرة أهل البيت لأبي علم: إن مروان بن الحكم كتب إلى معاوية، وكان عامله على المدينة، أمّا بعد، فإن عمرو بن عثمان ذكر أن رجالاً من أهل العراق ووجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن علي (ع)، وأنه لا يؤمن وثوبه، وقد بحثت عن ذلك فبلغني أنه يريد الخلاف يومه هذا، فاكتب إليّ برأيك، فكتب إليه معاوية: بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه من أمر الحسين، فإيّاك أن تتعرّض له بشيء، واترك حسيناً ما تركك، فإنّا لا نريد أن نتعرّض له ما وفى ببيعتنا، ولم ينازعنا سلطاننا، فأمسك عنه ما لم يبدِ لك صفحته.

وكتب إلى الحسين (ع): أمّا بعد، فقد انتهت إليّ أمور عنك إن كانت حقاً فإني أرغب بك عنها، ولعمر الله إن من أعطى الله عهده وميثاقه لجدير بالوفاء، وإن أحق الناس بالوفاء من هو مثلك في خطرك وشرفك ومنزلتك التي أنزلك الله بها، فاذكر، وبعهد الله أوفِ، فإنك متى تنكرني أنكرك، ومتى تكدني أكدك، فاتّق شقّ عصا هذه الأمّة، وأن يردّهم الله على يديك في فتنة، فقد عرفت الناس وبلوتهم، فانظر لنفسك ولدينك ولأُمّة جدك، ولا يستخفنّك السفهاء الذين لا يوقنون.

فكتب إليه الحسين (ع) في جوابه: "أما بعد، فقد بلغني كتابك أنه بلغك عني أمور أن بي عنها غنىً; زعمت أني راغب فيها، وأنا بغيرها عنك جدير، أمّا ما رقي اليك عنّي، فإنه رقّاه إليك الملاّقون المشّاءون بالنمائم، المفرّقون بين الجمع، كذب الساعون الواشون، ما أردت حربك ولا خلافاً عليك. وأيمُ الله إني لأخاف لله عزّ ذكره في ترك ذلك، وما أظنّ الله تبارك وتعالى براض عنّي بتركه، ولا عاذري بدون الاعتذار إليه فيك وفي أولئك القاسطين الملبّين حزب الظالمين، بل أولياء الشيطان الرجيم".

ألست قاتل حجر بن عدي أخي كندة وأصحابه الصالحين المطيعين العابدين; كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون المنكر والبدع ويؤثرون حكم الكتاب، ولا يخافون في الله لومة لائم، فقتلتهم ظلماً وعدواناً بعد ما كنت أعطيتهم الأيمان المغلّظة والمواثيق المؤكّدة، لا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم، ولا بإحنة تجدها في صدرك عليهم؟!

أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله، العبد الصالح الذي أبلته العبادة فصفّرت لونه، ونحّلتْ جسمه، بعد أن أمّنته وأعطيته من عهود الله عزّ وجلّ وميثاقه ما لو أعطيته العُصم ففهمته لنزلت إليك من شغف الجبال، ثم قتلته جرأة على الله عزّ وجلّ واستخفافاً بذلك العهد؟!".

"أولست المدّعي زياد بن سميّة، المولود على فراش عبيد عبد ثقيف، فزعمت أنه ابن أبيك؟ وقد قال رسول الله: الولدللفراش وللعاهر الحجر، فتركت سنة رسول الله واتبعت هواك بغير هدىً من الله، ثم سلّطته على أهل العراق فقطع أيدي المسلمين وأرجلهم وسمل أعينهم، وصلبهم على جذوع النخل كأنك لست من هذه الأمّة وليسوا منك"؟!

"أولست صاحب الحضرميّين الذين كتب إليك فيهم ابن سميّة أنهم على دين عليّ ورأيه، فكتبت إليه اقتل كلّ من كان على دين علي (ع) ورأيه، فقتلهم ومثّل بهم بأمرك؟! ودين عليّ - والله - وابن عليّ للذي كان يضرب عليه أباك، وهو أجلسك بمجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك لكان أفضل شرفك وشرف أبيك تجشم الرّحلتين اللتين بنا منّ الله عليكم فوضعهما عنكم. وقلت فيما تقول: أنظر نفسك ولدينك ولأمّة محمد (ص) واتقِ شقّ عصا هذه الأمّة وأن تردّهم في فتنة. فلا أعرف فتنة أعظم من ولايتك عليها، ولا أعلم نظراً لنفسي وولدي وأمّة جدي أفضل من جهادك، فإن فعلته فهو قربة إلى الله عزّ وجلّ، وإن تركته فأستغفر الله لذنبي وأسأله توفيقي لإرشاد أُموري".

"وقلت فيما تقول: إن أنكرك تنكرني، وإن أكدك تكدني. وهل رأيك إلاّ كيد الصالحين منذ خلقت؟ فكدني ما بدا لك إن شئت، فإني أرجو ألاّ يضرّني كيدك، وألاّ يكون على أحد أضرّ منه على نفسك، على أنك تكيد فتوقظ عدوّك وتوبق نفسك، كفعلك بهؤلاء الذين قتلتهم ومثّلت بهم بعد الصلح والأيمان والعهد والميثاق، فقتلتهم من غير أن يكونوا قتلوا إلاّ لذكرهم فضلنا. وتعظيمهم حقّنا بما به شرفت وعرفت، مخافة أمر لعلك لو لم تقتلهم متّ قبل أن يفعلوا. أو ماتوا قبل أن يدركوا".

"أبشر يا معاوية بقصاص، واستعد للحساب، واعلم أنّ الله عزّ وجلّ كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها، وليس الله تبارك وتعالى بناس أخذك بالظِنة وقتلك أولياءه بالتهمة، ونفيك إيّاهم من دار الهجرة إلى الغربة والوحشة، وأخذك الناس ببيعة ابنك غلام من الغلمان، يشرب الشراب، ويلعب بالكعاب. لا أعلمك إلاّ قد خمّرت نفسك، وشريت دينك، وغششت رعيتك، وأخزيت أمانتك، وسمعت مقالة السفيه الجاهل، وأخفت التقي الورع الحليم".

قال: فلمّا قرأ معاوية كتاب الحسين (ع) قال: لقد كان في نفسه غضب عليّ ما كنت أشعر به، فقال ابنه يزيد، وعبد بن أبي عمير بن جعفر: أجبه جواباً شديداً تصغر إليه نفسه، وتذكر أباه بأسوأ فعله وآثاره. فقال: كلاّ، أرأيتما لو أنّي أردت أعيب عليّاً محقّاً ما عسيت أن أقول؟ إن مثلي لا يحسن به أن يعيب بالباطل وما لا يعرف الناس، ومتى عبت رجلاً بما لا يعرف لم يحفل به صاحبه ولم يره شيئاً، وما عسيت أن أعيب حسيناً وما أرى للعيب فيه موضعاً إلاّ أني قد أردت أن أكتب إليه وأتوعّده وأهدده وأجهله ثم رأيت ألاّ أفعل.(8)

3 - إظهاره وإعلانه لفضائل أهل البيت (ع) وحقهم في ولاية المسلمين، فعن موسى بن عقبة أنه قال: لقد قيل لمعاوية إنّ الناس قد رموا أبصارهم إلى الحسين (ع)، فلو قد أمرته يصعد المنبر ويخطب، فإن فيه حصراً أو في لسانه كلالة. فقال لهم معاوية: قد ظننّا ذلك بالحسن، فلم يزل حتى عظم في أعين الناس وفضحَنا، فلم يزالوا به حتى قال للحسين: يا أبا عبد الله لو صعدت المنبر فخطبت، فصعد الحسين (ع) المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبي (ص)، فسمع رجلاً يقول: من هذا الذي يخطب؟ فقال الحسين (ع): "نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسول الله (ص) الأقربون، وأهل بيته الطيبون، وأحد الثقلين الذين جعلنا رسول الله (ص) ثاني كتاب الله تبارك وتعالى، الذي فيه تفصيل كل شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعوّل علينا في تفسيره، لا يبطينا تأويله، بل نتبع حقايقه، فأطيعونا فإنّ طاعتنا مفروضة، أن كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة. قال الله عزّ وجلّ: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)، وقال: (ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتّبعتم الشيطان إلاّ قليلاً)".

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - البحار 44: 264 و 265، ح 22.
2 - المصدر نفسه 266، ح 24.
3 - المائدة: 1.
4 - الإسراء: 34.
5 - الشيخ المفيد، الإرشاد: 200.
6 - راجع الاحتجاج للطبرسي 2: 295 - 296.
7 - الطبرسي، الاحتجاج 2: 296 - 297.
8 - الحسني، سيرة الأئمة الاثني عشر 2: 45. والطبرسي، الاحتجاج 2: 297 -298.