فهرست


مقدمة علم الكلام


لا تخلتف مقدمة علم الكلام عن سائر مقدمات العلوم الاخرى في احتوائها: تعريفه، وبيان موضوعه الذي يبحث فيه، والغاية او الفائدة من دراسته وتعلمه، وذلك التزاماً بالمنهج المنطقي في تدوين العلوم الذي يفرض على المؤلف في علم ما أن يبدأ بتدوين مقدمته مضمناً إياها: تعريفه، وبيان موضع بحثه، والغاية من تعلمه.
ثم وبعد المقدمة، يعرض موضوعاته حسب تسلسلها الفني وترابطها العضوي.
ومن بعدها يأتي بالخاتمة منهياً بها علمه المؤلَّف فيه.
وفي هدي هذا، نقول:


تعريفه:


علم الكلام: هو العلم الذي يبحث فيه عن إثبات أصول الدين الاسلامي بالأدلة المفيدة لليقين بها.
شرح التعريف:


يتوفر علم الكلام على بحث ودراسة مسائل العقيدة الاسلامية الحقة بايراد الأدلة وعرض الحجج على اثباتها، ومناقشة الاقوال والآراء المخالفة لها، ومحاكمة أدلة تلكم الاقوال والآراء، وإثبات بطلانها، ونقد الشبهات التي تثار حولها، ودفعها بالحجة والبرهان.

10


فمثلاً: اذا أردنا أن نستدل على ثبوت وجود خالق لهذا الكون، وثبوت أنه واحد لا شريك له، نرجع الى هذا العلم، وعن طريقه نتعرف الأدلة، التي يوردها علماء هذا العلم في هذا المجال.
ذلك أن هذا العلم هو الذي يعرّفنا الأدلة والبراهين والحجج العلمية التي باستخدامها نستطيع أن نثبت أصول الدين الاسلامي ونؤمن بها عن يقين.
كما أنه هو الذي يعرّفنا كيفية الاستدلال بها وكيفية اقامة البراهين الموصلة الى نتائج يقينية.
وهكذا اذا أردنا أن نعرف وجوب النبوة وصحة نبوة النبي، فإننا نعمد الى أدلة هذا العلم التي يستدل بها في هذا المجال، وندرسها، ثم نقيمها برهاناً على ذلك.
وأيضاً اذا أردنا ان ننفي شبهة التجسيم عن الذات الالهية، أو شبهتي التفويض والجبر في أفعال العباد، نرجع الى هذا العلم، وعن طريقه نستطيع معرفة ما يقال من نقد لابطالها.
ومثلها سائر مسائل وقضايا علم الكلام التي سنأتي على عرضها واستعراضها.
ولا بد في الأدلة التي يستدل بها على اثبات أي أصل من أصول الدين، وأية مسألة او قضية من مسائل هذا العلم وقضاياه من أن تكون مفيدة لليقين بالأصل أو المسألة أو القضية.
فمثلاً: لو أقمنا الدليل على ثبوت (المعاد) لا بد في هذا الدليل من أن يؤدي الى اثبات المعاد بشكل يدعونا الى الاعتقاد الجازم والايمان القاطع بثبوت المعاد، أي اليقين بمعاد الناس الى اللّه تعالى ببعثهم من القبور وحشرهم في مشهد القيامة، وعرضهم للحساب، ومن بعد مجازاتهم بالثواب أو العقاب.
ومن هنا قيّدت التعريف بقولي (المفيدة لليقين بها)، والضمير في عبارة (بها) يعود الى اصول الدين.

11


موضوعه:


عرفنا من خلال تعريفنا لعلم الكلام موضوعه ضمناً وهو ( أصول الدين).
وأصول الدين هي:


1 - الالوهية.
2 - النبوة.
3 - الامامة.
4 - المعاد.
وما ذكر في بعض الكتب الكلامية من عناوين اخرى غير هذه الاربعة معدوداً في الاصول، فهو مندرج ضمن هذه العناوين الاربعة، وانما افرد عند بعضهم للخلاف الذي وقع فيه بين المدارس الكلامية والفرق المذهبية.
وذلك أمثال (العدل) عند الامامية والمعتزلة، فانه من موضوعات الالوهية.
و (الوعد والوعيد) و (المنزلة بين المنزلتين) عند المعتزلة و (القدر خيره وشره من اللّه) عند السنة، فانها مندرجة في الالوهية من جانب، وفي المعاد من جانب آخر.
وسميت موضوعات هذا العلم المذكورة في أعلاه باصول الدين في مقابل الاحكام القائمة على أساس منها والمبتنية عليها التي تعرف بفروع الدين.
وهذا التقسيم للدين الى أصول وفروع مأخوذ من تقسيمهم الدين الى: معرفة وطاعة.
ويعنون بالمعرفة: العقيدة، وبالطاعة: العمل.
ولأن العمل بطبيعته يقوم على المعرفة سميت مفاهيم واحكام المعرفة باصول الدين، ومفاهيم واحكام الطاعة بفروع الدين.
ونستطيع ان نتبين فحوى هذا التقسيم من فهمنا للدين بأنه توجيه لسلوك الانسان

12


في هذه الحياة.
وسلوك الانسان - كما هو معلوم - ينقسم الى قسمين:


- السلوك النظري.
والسلوك العملي.
فاحكام الدين التي شرّعت لتوجيه السلوك النظري سميت بالمعرفة لانها عقيدة، والعقيدة: معرفة موطنها النظر (الفكر). والتي شرعت لتوجيه السلوك العملي سميت بالطاعة، لانها عمل، والعمل طاعة.
والى هذا تشير المأثورة: (الدين: اعتقاد بالجنان واقرار باللسان وعمل بالاركان).
فائدته:


تتلخص فائدة علم الكلام في التالي:


1 - معرفة اصول الدين معرفة علمية قائمة على أساس من الدليل والبرهان.
2 - القدرة على اثبات قواعد العقائد بالدليل والحجة.
3 - القدرة على ابطال الشبهات التي تثار حول قواعد العقائد.
الحاجة اليه:


تأتي الحاجة الى دراسة هذا العلم وأمثاله مما يوصل الى معرفة اصول الدين من وجوب معرفة اصول الدين على كل انسان توافرت فيه شروط التكليف الشرعي والالزام الديني.
ووجوب النظر في قواعد العقائد ومعرفتها وجوب عقلي، أوجبته الفطرة العقلية الملزمة بالتمسك بالدين والالتزام باحكامه وتعليماته.
وخلاصة الدليل:

13


هي ان يقال: إن اللّه تعالى منعم على الانسان بنعمة الخلق والايجاد.
وشكر المنعم واجب عقلاً، وذلك لأن العقلاء يذمون تاركه.
وكل فعل يستحق صاحبه الذم من قبل العقلاء بسبب تركه له هو واجب عقلي.
وشكره تعالى لا يتحقق الا باطاعته بامتثال أوامره ونواهيه.
وتقدم أن الطاعة فرع المعرفة، فاذن لا بد من المعرفة.
وقد أيدت وأكدت النصوص الشرعية هذا الوجوب، ومنها:


1 - قوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله الا اللّه) - محمد 19 - ويتم الاستدلال بهذه الآية الكريمة بأن يقال:


إن قوله تعالى (إعلمْ) فعل أمر +


والأمر المجرد من قرائن الاستحباب والجواز دال على الوجوب =


ف(اعلم) يدل على وجوب معرفة الالوهية، ومعرفة تفرد اللّه تعالى بها.
2 - قوله تعالى: (إنّ في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الالباب) - آل عمران 190 - .
قال الشيخ الطوسي: «في هذه الآية:


- دلالة على وجوب النظر والفكر والاعتبار بما يشاهد من الخلق، والاستدلال على اللّه تعالى.
- ومدح لمن كانت صفته هذه.
- وردّ على من أنكر وجوب ذلك، وزعم أن الايمان لا يكون إلا تقليداً، بالخبر.
لانه تعالى أخبر عما في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار من

14


الدلالات عليه، وعلى وحدانيته»(1)


وقال الشيخ الطبرسي: «وقد اشتهرت الرواية عن النبي (ص)، أنه لما نزلت هذه الايات قال: ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمل ما فيها»(2).
وفي رواية الشيخ الظواهري: «ويل لمن لاكها بين لحييه ولم يتفكر فيها»(3).
وفي رواية الفاضل المقداد: «ويل لمن لاكها بين لحييه ثم لم يتدبرها»(4)


وأوضح الفاضل المقداد الاستدلال على وجوب المعرفة بهذه الرواية، بقوله: «رتب الذم على تقدير عدم تدبرها، أي عدم الاستدلال بما تضمنته الآية من ذكر الاجرام السماوية والارضية، بما فيها من آثار الصنع والقدرة والعلم بذلك، الدالة على وجود صانعها وقدرته وعلمه، فيكون النظر والاستدلال واجباً، وهو المطلوب»(5).
3 - قوله تعالى: (اللّه الذي خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن اللّه على كل شيء قدير وأن اللّه قد أحاط بكل شيء علماً) - الطلاق 12 - .
تشير الآية الكريمة الى أن الغاية من خلق السموات والارض هي:


- معرفة قدرة اللّه تعالى.
- ومعرفة علمه سبحانه.
وبديهي ان هذه المعرفة لا تتأتى الا بالتدبر والتأمل والتفكر فيهما.
واذا كانت الغاية من خلق السموات والارض هي معرفة اللّه تعالى كما تشير الآية،


______________________________


(1) التبيان 3/78 - 79 .
(2) مجمع البيان 2/298.
(3) التحقيق التام 35 .
(4) النافع يوم الحشر 7 .
(5) م . ن .

15


كانت معرفته أول الدين كما يقول الامام امير المؤمنين (ع) في اول خطبه النهجية.
ومن هنا كان التوحيد هو الأصل والأساس لسائر اصول الدين وجميع فروعه وشؤونه.
 



فهرست