أما الكلام في ركن العدل

فإنه يترتب على أصلين: أحدهما إثبات التحسين والتقبيح العقليين، لانه قد ثبت عموم العلم بمسحنات ومقبحات، لا يقف العلم بحسنها وقبحها على ماوراء كمال العقل، ولا يمكن الخروج عنه معه، فلولا أنه من جملة علومه، لم يكن لجميع(1) ذلك وجه، ولا تأثير لامر ولا نهي، في حسن مأمور ولا قبح منهي، لانهما لو أثرا لتوقف العلم بحسن ما حسنته العقول، وقبح ما قبحته على ورودهما فيستحيل الجميع(2)، لما فيه من الدور، وكان لا يقبح منه تعالى تصديق الكذابين، الذي لو جاز عليه لم يبق طريق إلى العلم بصدق الانبياء - عليهم السلام - ولا بصحة الشرائع، وما بصحة مدوله فساد دليله إلا غير خاف الفساد(3). وثانيهما: إثبات إقداره تعالى على ماله صفة القبيح(4)، لان استناد كونه قادرا إلى ماهو عليه في ذاته، يقتضي عموم تعلق قادريته بكل مقدور على الوجه الذي لايتناهى. ومن جملة المقدورات القبيح، فيجب كونه قادرا عليه، ولان القبيح مقدور لنا، لصحة وقوعه منا، وهو آكد حالا منا في كون قادرا، فلا وجه لكونه غير قادر عليه، كما لاوجه لاختصاص قادريته بمقدور دون غيره. وحينئذ يجب كونه متنزها عن فعل القبيح، لانه عالم لا يجهل، وغني لايحتاج، فهو عالم بقبحه، واستغنائه


_______________________
1 - في " أ ": بجميع. 2 - في " أ ": فيستحيل الجمع. 3 - هكذا في النسخ التي بأيدينا والظاهر أن لفظة " إلا " زائدة. 4 - في " أ ": صفة القبح. وكذا فيما يأتي. (*)

[20]

عنه، ومع ثبوت ذلك لايجوز أن يختار فعله، لانه لا يكون إلا لداع، وهو أما جهل بقبحه، أو حاجة إليه(1)، ومع استحالتهما وثبوت داعي الحكمة الذي لا يتقدر له داع سواه(2)، لابد من كونه متعاليا عنه(ولان وجه حسن الفعل داع إليه ووجه قبحه صارف عنه)(3) إذا المخبر فيهما مع علمه بهما لغرض مستوفي كليهما لايختار إلا الحسن الذي وجه حسنه داع له إلى فعله، وإن جاز عليه خلافه، فأولى بذلك من لا يجوز عليه ماينافي داع الحكمة ولا مايخالفه. ولانه لو جاز منه وقوع القبيح لسمي بأسمائه التي إطلاقها تابع لوقوعه، فكما استحال أن يسمى بشئ منها(4) يكون وقوع القبيح منه أولى بالاستحالة وعن إرادته، لانه تابعة المراد، فمتى كان قبيحا كانت هي أيضا قبيحة، فلما لم يجز عليه فعله لم يجز منه إرادته، ولانه لا فاعل لارادته سبحانه سواه، فلو جاز أن يريد القبيح، كان على الحقيقة فاعلا له، وذلك مناف لحكمته التي يستحيل منافاتها ولانه ناه عنه، لكونه كارها له، فلو أراده كان على الشئ وحده وعن الامر به لقبحه ولمنافاته لما ثبت من حكمته، ولاستحالة كونه آمرا بما ثبت كونه عنه ناهيا، مع اتحاد الوقت والمأمور، فإنه لا يأمر إلا بما يريد، كما لاينهى إلا عما يكره. وقد ثبت بذلك تنزهه عن كلما يتبع إرادة القبيح من مشيته ومحبته والرضى به، إذ كل واحد من ذلك إرادة مخصوصة، وعن قضائه وقدره، لوجوب الرضى بهما، والصبر عليهما، مع قبح الرضى والصبر مما ليس بحسن(5)، ولانه لو جاز أن


_______________________
1 - في " ج ": أو حاجته إليه. 2 - كذا في " ج " ولكن في " أ ": وثبوت داعي الحكمة الذي لا يتعذر له سواه. 3 - مابين القوسين موجود في " أ ". 4 - في " أ ": شيئا منها. 5 - في " أ ": أو الصبر بما ليس بحسن. (*)

[21]

يقضي ويقدر شيئا من القبيح كان العبد بذلك معذورا غير ملوم، كما لاملامة عليه في كل ماقضاه وقدره من أفعاله سبحانه وكانت حجة العباد عليه(1)، لاستحالة خروجهم عن قضائه وقدره، فلا يبقى له في كل ما احتج به عليهم حجة، ولا وجه مع ذلك لبعثة نبي ولا إنزال كتاب ولا نصب دلالة ولا أمر ولا نهي. والوجه في جميع ذلك ظاهر، وأفعاله سبحانه كلها مقضية مقدرة(2) لكونها حكمة وصوابا وصلاحلا، سواء ظهر الوجه فيها مفصلا أو مجملا أو لم يظهر، فإنه يجب إلحاق ماخفي وجهه منها بما ظهر ذلك فيه، وحمل الجميع على الاصل المقرر بأدلته، لاستحالة تنافي مدلول الادلة. ومن جملة صفاته الفعلية كونه تعالى متكلما، لاستحالة أن يكون الكلام ذاتيا أو معنويا، لانه لا حكم لذلك، فلا طريق إليه، ولو كان كذلك وجب شياع كلامه في كل مايصح أن يسمى كلاما، من كذب وغيره، فلا يوثق مع ذلك بخطابه، لانسداد طريق العلم القطعي بصدقه وصدق أنبيائه، فلا معنى لكونه متكلما إلا ماهو معقول من كونه فاعلا. وقد تبين بذلك حدوث كلامه كحدوث جميع أفعاله. ويزيده بيانا أنه مؤلف من الحروف والكلمات التي لافائدة فيها إلا باختلافها وترتيبها في تقديم بعضها على بعض، وباشتماله على البداية والنهاية والتجزئ والانقسام الذي هو من خصائص الحدوث، لاستحالة جميع ذلك على القديم، وكل مايقع من العباد


_______________________
1 - في " أ ": وكان حجة لعباد عليه. 2 - في " أ ": مقتضية مقدورة. (*)

[22]

من فعلهم باطنا وظاهرا منسوب إليهم لا إليه لوجوب(1) وقوعه بحسب الداعي والارادة، وانتفائه بحسب الصارف والكراهة، فلو لم يكن فعلا ممن وقع منه لم يجب ذلك، وجاز خلافه، كما لا يجب في كل ما ليس من فعلهم ذلك، لظهور الفرق بينهما، ولان وجوب استحقاقهم المدح على فعل، والذم على آخر كاشف عن كونهم فاعلين وإلا لم يكن لهذا الاستحقاق وجه، كما لاوجه له في كل ما لا تعلق لهم بفعله، ولانهم مأمورون ومنهيون، مرغبون بالمثوبة على امتثال ما أمروا به، مرهبون بالعقوبة على مخالفتهم، فلولا أنهم ممكنون من ذلك، لم يكن لجميعه وجه، ولان نفي كونهم فاعلين يسد طريق العلم بإثبات الفاعل مطلقا، وثبوت الفعل مع انتقاء الفاعل مما لايعقل، لكونه جهالة.وقد ظهر بذلك أن أفعالهم ليست مخلوقة فيهم، ويزيدة ظهورا أنه يستحيل وقوع الفعل الواحد بفاعلين، كما يستحيل وقوع مقدور الواحد بقدرتين، لاستحالة كون الشئ الواحد موجودا معدوما، واقعا مرتفعا، في حالة واحدة، فيتحقق بذلك بطلان الكتب، وإن كان غير معقول، لكون العلم بكل واحد من صحته وحقيقته موقوفا بالعلم على الآخر، مع أنه إن كان نفس الفعل فهو واقع بفاعله، وإن كان وجهه الذي يقع عليه فهو تابع لاختيار الفاعل وقصده، لاستحالة تجرده عن ذات الفعل وماهيته، فلا معنى لكون العبد مكتسبا إلا كونه فاعلا، وليس في العقلاء من يسند الفعل الواحد إلى فاعلين: أحدهما محمود، وهو الخالق، والآخر مذموم، وهو العبد المكتسب، إلا المجبرة والمجوس.وإذا ثبت كون العباد فاعلين ثبت كونهم قادرين، لاستحالة وقوع المقدور


_______________________
1 - في " ج ": بوجوب. (*)

[23]

لا بقادر، ولان لهم بصحة وقوعه مزية على تعذره لولاها لم يكونوا بأحدهما أولى من الآخر، وهي مستندة إلى القدرة المحدثة، لاستحالة كونها ذاتية أو فاعلية، ولان جواز حصول القدرة وإن لا تحصل، وثبوت التفاضل بين القادرين في كونهم كذلك مع استمرار(1) ما هم عليه من حال وشرط دلالة على ثبوت القدرة إذ لا وجه لشئ من ذلك إلا باعتبارها وقدرهم متعلقة(2) بحدوث أفعالهم، لاتباع تعلقها صحة الحدوث، وهي متقدمة على الفعل، فيصح(3) كونها مؤثرة فيه ومخرجة له من العدم إلى الوجود، لان تأخرها يستحيل منه ذلك(4) فكيف يكون به، ومقارنتها تنافي الاختيار، يقتضي كونها(5) علة في أثرها، وهو ظاهر الفساد، لمنافاته ما دلت عليه الادلة، فصح كونها متقدمة ومتعلقة بالضدين لصحة التصرف في الجهات المختلفة مع تضادها، ولانها ليست بأحدهما أولى من الآخر، فلو لم تكن متعلقة بهما للزم اجتماعهما عند حدوث الفعل، فلا يخفى فساده(6)، وإيجابها الصفة وتعلقها بمتعلقها لما هي عليه في نفسها لكونها لا تعلم إلا كذلك، وهي مختلفة لا متضاد ولا متماثل فيها لتعلق كل جزء منها بجزء من المقدور مع اتحاد الوقت(7) والجنس والمحل، ولاستحالة أن يصح بكل جزء منها غير ما يصح بالآخر، لكونه إيجاد موجود.


_______________________
1 - في " ج ": مع استتار. 2 - في " أ ": إلا باعتبار قدرهم متعلقة. 3 - في " ج ": ليصح. 4 - في " أ ": يستحيل معه ذلك. 5 - في " ج ": كونهما. 6 - في " أ ": ولا يخفى فساده. 7 - في " ج ": ومع إتحاد الوقت. (*)

[24]

فأما مع اختلاف ما ذكرناه فلا انحصار لتعلقها، وهي متفقة فيه(وإن اختلف، لانه لا وجه لاختلافها فيه)(1) وشرط مقدورها أن يكون ممكنا في نفسه، لاستحالة تعلقها بما ليس كذلك. فعلى هذا يكون تكليف الكافر بالايمان ممكنا، لكونه مقدورا له وحسنا، لكونه إرادة حكيم منزه عن كل قبيح. وقد يكون واجبا في الحكمة لتكامل شروطه، ولا تأثير لتعلق العالمية بأنه لا يختاره، إذ ليست مؤثرة في معلومها ولا مضادة لوقوعه منه، فكان ممكن الوقوع باعتبار تمكنه واقتداره محالا بسوء اختياره، ولو أوجب تعلق العالمية كفر الكافر، لاوجب إيمان المؤمن، فيقبح التكليف، ويسقط مايترتب عليه، وقد كلف الله سبحانه كل من أكمل له شروطه التي هي الحياة والعقل والاقتدار والتمكين ونصب الادلة وإزاحة العلة وشهوة القبيح والنفار عن الحسن والالطاف المعلومة له، لانه مع إكمالها إذا لم يغن(2) بالحسن عن القبيح، بل جعل ما أمر به شاقا، لكونه مؤلما منفورا عنه وما نهى عنه كذلك، لكونه ملذا مشتهى، فلولا كونه مكلفا كل من أكمل له فعل المشاق وترك الملذ كان عابثا أو مغريا له بالقبيح ويتعالى الله عنهما ولا وجه لكونه باعتبارها غير مكلف، لانه على الصفات المعتبرة في ثبوت كونه كذلك، وحسن هذا التكليف معلوم، لاستناده إلى مكلف حكيم، ولتضمنه التعريض إلى استحقاق المنافع العظيمة التي لاتستحق إلا به، لقبح الابتداء بمثلها، وذلك هو الغرض به، والتعريض للشئ في حكم إيصاله، والمخاطب به


_______________________
1 - ما بين القوسين موجود في " أ ". 2 - في " أ ": لم يعن. (*)

[25]

من تكاملت له شروطه المشار إليها، وهو من جملة المشاهدة المسماة إنسانا مالا يتم(1) كونه حيا إلا به، ولا اعتبار بما سوى ذلك، كما لا اعتبار بالسمن بعد الهزال، ولا بالزيادة بعد النقصان، لان الحياة حالة في الجملة. والافعال صادرة عنها، والاحكام متعلقة بها، والادراك واقع ببعض أعضائه(2) فلولا أن التكليف منها(3) مابيناه لم يكن لجميع ماذكرناه وجه، كمالا وجه له بالنسبة إلى الشعر منها والظفر. وما به يتعلق التكليف إما إلزام بفعل، فإيجاب، أو ما هو أولى، فندب، أو ما منع من فعل، فحظر، أو ما الامتناع(4) منه أولى، فكراهة ومكروه. وذاك إما عقلي أو سمعي، من أفعال القلوب أو الجوارح الظاهرة، داخل تحت الطاقة والاستطاعة، لكونه مقدورا للمكلف، بشهادة(5) العقول بقبح تكليف ما لايطاق، سواء كان بفقد(6) قدرة أو آلة أو شرط من شروطه التي لا يحسن إلا معها، ولكونه مستحيلا بأن لا يكون مقدورا، ولا وجه لقبحه إلا لكونه تكليفا بما لا يطاق، لثبوت حسنه بثبوت الطاقة، وانتفائه بانتفائها، ولا يتعلق بما لا حكم له ولا استحقاق به كالمباح. ويعتبر في قيام المكلف به، معرفته بمكلفه سبحانه على صفاته جملة


_______________________
1 - في " ج ": لم يتم. 2 - في " ج ": أعضائها. 3 - في " ج ": فلولا أن المكلف منها. 4 - في " ج ": وأما منع من فعل فخطر وما الامتناع... 5 - في " أ ": لشهادة. 6 - في " أ ": لفقد. (*)

[26]

وتفصيلا، وبالتكليف على صفته وبكيفية ترتيبه وإيقاعه، وإلا لم يفد قيامه به، ولابد من فاصل بين التكليف وبين مايستحق عليه، لانه لو اتصل به ممازجا أو معاقبا لزم الالجاء المنافي له، وحصول المستحق على الوجه المنافي لما به يستحق محال، فكان انقطاعه واجبا لذلك، وهو إما بالفناء(1) أو بغيره مما تتعلق به المصلحة، وتقتضيه الحكمة، ولا ضد للجواهر إلا الفناء وبوجوده إلا في محل(2) ينتفى وجودها جملة، ووجود مايتبعها ويختص بها تبعا لانتفائها، وطريق إثباته السمع، وهو إجماع الامة وظواهر الآيات وما هو معلوم من الملة الاسلامية والشريعة النبوية، فيكون عدم الجواهر به حقيقيا لامجازيا، وإعادتها بأعيانها لايفائها، والاستيفاء منها مقدور له سبحانه، ليتميزها(3) بما لا تعلم إلا عليه، ولا يصح خروجها عنه، لاستحالة خروج المعلوم عن كونه معلوما، ولا تجب إعادة ما زاد من الجملة على ما به يكون الملكف مكلفا، بل ذلك راجع إلى اختيار الحكيم ولا إعادة من لا مستحق له أو عليه.وما علم تعالى أنه يقرب المكلف إلى ما كلف فعلا واجتنابا، أو يكون معه أقرب باختياره هو المسمى باللطف والصلاح، وهو إما عام أو خاص، أو ماهو أخص منهما، إما من فعله تعالى(4) أو من فعل المكلف لنفسه أو من فعل غيره له إذا كان في المعلوم فعله أو ما يقوم مقامه، والحكمة تقتضي فعله لوجوبه، لانه جار مجرى التمكين والاقدار، وقبح منعه كقبح منعهما، ولان منعه مناقض للغرض


_______________________
1 - في " أ ": بالغناء، وكذا فيما يأتي. 2 - كذا في " ج ": وفي غيرها: لا في محل. 3 - في " ج ": لتميزها. 4 - في " أ ": أو من فعله تعالى. (*)

[27]

المجري بالتكليف إليه، والحكم لايناقض غرضه، لكونه منافيا لحكمته، وشروطه تقدمه على ما هو لطف فيه، وثبوت مناسبته بينهما وخلوه من كل مفسدة، وهو فيما لا يتعلق بالدين غير واجب، إذ لا وجه لوجوب الاصلح الدنياوي، ولا طريق إليه، لاستحالة كونه تعالى في كل حال غير منفك من الاخلال بالواجب، وتقتضيه المفسدة، ولا يجب المنع منها بل الاعلام بها والتمكين من دفعها، لازاحة العلة، واستتمام الغرض بذلك. ولا وجه في اللطف إذا كان مصلحة في أمر أو لمكلف مفسدة في غيره ولآخر، كما لا وجه لكل مصلحة لا تتم إلا بمفسدة. ومعرفة الله تعالى واجبة، لكونها أصلا لجميع التكاليف المكتسبة، عقلا وشرعا، لكون اللطف الذي هو العلم باستحقاق الثواب والعقاب على الطاعة مشروطا بثبوتها، ومتوقفا على حصولها، ولكونها شرطا في شكر نعمه سبحانه تعالى وعبادته، التي هي كيفية في شكره الذي لا يصح إلا بعد صحتها، ولا يثبت حقيقته إلا بعد ثبوتها. وكلما لايتم الواجب إلا به فهو واجب، ولا وصلة إليها في دار التكليف إلا بالنظر الحاصل على شروطه، لاستحالة كونها ضرورية أو حاصلة عن طريق يرجع إلى الضرورة، لثبوت الخلاف فيها، وارتفاعه في كل ضروري. ولسنا في تكليف العلم بالمكلف مضطرا إلى العلم به، أو سمعه(1)، لتوقف العلم بصحة السمعيات على تقدمها، وأن السمع(2) مؤكد لوجوبها، فكانت


_______________________
1 - في " ج ": أو سمعية. 2 - في " أ ": وإنما السمع. (*)

[28]

باعتبار ماذكرناه نظرية واستدلالية، وكان النظر واجبا لوجوبها، وهي على التحقيق أول الواجبات، فيكون ما هو وصلة إليها وسبب فيها كذلك(1) لان ما عدا النظر من جميع الواجبات العقلية والسمعية قد يخلو المكلف منها إما وجوبا أو جوازا، أو لا يخلو من وجوبه عليه، فكان أول الواجبات وصلة وترتيبا. وإنما يجب عند حصول الخوف والرجاء، وقد يحصل خوف المكلف بسبب لا يتعدى عنه، لتدبره ما هو عليه من أحواله، وما هو فيه من النعم ظاهرا وباطنا، وبسبب خارج عنه، لسماعه اختلاف العقلاء في المذاهب والآراء، مع فقدهما وفقد ما به يحصل كل واحد منهما، لابد من ورود الخاطر عليه، وأولى ما كان كلاما داخل سمعه متضمنا إخافته من إهمال النظر وحثه على استعماله(2) وتجويز الضرر يقتضي وجوب الاحتراز منه، معلوما كان أو مظنونا، وذلك باعث على النظر ومؤكد لوجوبه، وهو مولد للعلم مع تكامل شروطه، لكونه واقعا بحسبه وتابعا له، يقل بقلته ويكثر بكثرته، فكان مسببا عنه ومتولدا من جهته، ومن لم يولد نظره العلم فلتقصير منه، أما في النظر أو في المنظور فيه أو لانه نظر في الشبهة لا في الدليل، والنظر فيها لا يولد شيئا ولا يفضي بصاحبه إلا إلى الجهل أو الشك، والجهل ليس مسببا ولا متولدا عن النظر، لكونه نقيض العلم وضده، لاستحالة الجمع بين النقيضين. والمنظور فيه لاكتساب المعرفة الواجبة ما خرج عن مقدور كل قادر بقدرة(3) مما يختص سبحانه بالاقتدار عليه، ومن الجائز في أصل العقل أن يخلو


_______________________
1 - في " أ ": وسبب إليها فيها كذلك. 2 - في " أ ": وحقه على استعماله. 3 - في " ج ": مقدرة. (*)

[29]

العاقل من كل تكليف، لكن ذلك مشروط بأن يغنيه بالحسن عن القبيح، ولا يثبت ذلك إلا بأن يكون مشتهيا للحسن(1)، نافرا عن القبيح لا بالعكس من ذلك، فبتقديره يكون خلوه من التكليف جائزا، لكونه غير مناف للحكمة، ويكون كمال عقله مع ما يضامه من أصول النعم الباطنة والظاهرة نعمة منه سبحانه عليه، وإحسانا إليه، والعقل يقتضي حسن الابتداء بذلك لاقبحه. ومما يتفرع على ركن العدل الكلام في الوعد والوعيد، وهو ما يستحق بالتكليف فعلا وتركا، والمستحقات ستة: المدح والذم والثواب والعقاب والشكر والعوض، فالمدح يتميز بكونه دالا على الارتفاع، والذم بكونه دالا على الاتضاع، والثواب بوقوعه مستحقا على وجه التعظيم، والعقاب بوقوعه مستحقا على وجه الاهانة، والشكر بوقوعه اعترافا مقصودا به التعظيم، والعوض بانقطاعه(2) وتعريه من تعظيم. ويعتبر في المدح والذم العلم بما به يستحقان، والقصد إلى كل واحد منهما، والوضع العرفي فيهما، ويثبتان بالقول حقيقة وبالفعل مجازا، ويشتملان على أسماء ودعاء، ويستعمل كل واحد منهما بحسب الموجب له مطلقا في موضع، مقيدا في غيره، ويعلمان عقلا، لاقتضاء ضرورته(3) لهما. فما به يستحق المدح، إما فعل الواجب لوجه وجوبه، أو الندب لوجه ندبيته، أو اجتناب القبيح لوجه قبحه، أو إسقاط الحقوق لوجهها(4) لايستحق


_______________________
1 - في " أ ": مشتبها للحسن. 2 - في " ج ": والعوض إنقطاعه. 3 - في " أ ": بإقتضا ضرورية. 4 - في " أ ": لوجههما. (*)

[30]

على ما سوى ذلك، وعلى ما به يثبت استحقاقه ثبت استحقاق الثواب بشرط حصول المشقة في الفعل والترك، أو في سببهما وما به يتوصل إليهما. وطريق العلم باسحقاقه العقل، لثبوت إلزام المشاق التي لولا ما في مقابلتها من الاستحقاق لم يحسن إلزامها، ولا كان له وجه(1) فبوجوهها تعين اللطف فيها، وبما يقابلها من الاستحقاق تعين فيها وجه الحكمة، ولزم احتمالها والصبر عليها. وبدوامه السمع لحسن تحمل المشاق للمنافع المنقطعة عقلا، إذ ليس فيه ما يقتضي اشتراط دوامها، فيكون القطع على دوامه وصفاته سمعا(2) بإجماع جميع الامة، ولا يلزم حمله على المدح، لاشتراكهما في جهة الاستحقاق، لانهما وإن اشتركا في ذلك فقد اختلفا في غيره، ويثبت(3) أحدهما في موضع يستحيل ثبوت الآخر فيه. وما به يستحق الذم(4) أما فعل القبيح أو الاخلال بالواجب لايستحق بغيرهما، ومما به يثبت(5) استحقاقه ثبت استحقاق العقاب بشرط اختيار المكلف ذلك على ما فيه مصلحته. وطريق العلم به السمع، لان العقل وإن أجازه ولم يمتنع منه إلا أنه لا قطع به على ثبوت استحقاق، لخلوه من دلالة قطعية على ذلك، ضرورة واستدلالا،


_______________________
1 - في " أ ": وإلا كان له وجه. 2 - في " ج ": سعيا.وفي " أ ": سميعا.والظاهر أن مارقمناه في المتن هو الصحيح. 3 - في " ج ": وثبت. 4 - في " أ ": وما به يستحق بالذم. 5 - في " ج ": وما يثبت. (*)

[31]

فالمرجع بإثباته قطعا إلى السمع المقطوع على صحته، وهو الاجماع والنصوص القرآنية، ولا يلزم عليه الاغراء(1) لان تجويزه عقلا، والقطع عليه سمعا زاجر لا إغراء معه. وإذا كان الاصل الذي(2) هو ثبوت استحقاقه لا يعلم إلا سمعا، فالفرع الذي هو دوامه وانقطاعه أولى بذلك. وقد أجمعت الامة(3) على دوام عقاب من مات من العصاة، كافرا، ولا إجماع على دوام عقاب من عداهم من عصاة المؤمنين، فهم على ما كانوا عليه، من ثبوت استحقاق الثواب الدائم وإن استحقوا معه بعصيانهم العقاب، لان انقطاع عقابهم ممكن بتقديمه، ودوام ثوابهم المجمع عليه مانع من انقطاعه، لامكان حصوله معاقبا للاستيفاء منهم، ولا مانع من ذلك كما لا مانع من استحقاقهم المدح في حالهم فيها مستحقون الذم، لوجوب مدحهم بإيمانهم وذمهم بفسقهم، وما تعذر ذلك من فاعل واحد إلا لفقد الآلة لا لفقد(4) الاستحقاق، فإنه لو كان له لسانان لمدح بأحدهما وذم بالآخر، ولو مدح بلسانه وذم بما يكتب بيده وبالعكس من ذلك لصح(5)، وكان جامعا بينهما في حال واحدة، فكما لا تنافي بين ثبوت استحقاقهما إلا على أمر واحد بل على أمرين مختلفين، فكذلك لا تنافي أيضا بين ثبوت استحقاق مايتبعهما من ثواب وعقاب، وكما أجمعت الامة على دوام


_______________________
1 - في " أ ": ولا يلزم الاغراء. 2 - في " ج ": وإذا كان الاصل فيه الذي. 3 - في " أ ": وقد اجتمعت الامة. 4 - في " أ ": وما تعذر ذلك من فاعل واحد إلا لفقد. 5 - في " ج ": يصح. (*)

[32]

عقاب الكفار، أجمعوا أيضا عدا الوعيدية(1) على إنقطاع عقاب من وصفنا حالهم. ولاستحالة الجمع بين دائمي الثواب والعقاب، وجب كون المنقطع متقدما على الدائم الذي يحصل بدلا منه ومعاقبا له.


_______________________
1 - هم القائلون بعدم جواز العفو عن الكبائر عقلا كالمعتزلة ومن تبعهم.