العقيدة والشريعة أو الفقه الاكبر والفقه الاصغر

يعتمد الاسلام في دعوته العالمية، على العقيدة والشريعة من دون تفريق وفصل بينهما. فبالدعوة إلى الاولى يغذي العقل والفكر، ويرفع الانسان إلى سماء الكمال، ويصونه عن السقوط في مهاوي الشرك والوثنية، وعبادة غير الله سبحانه، ويلفت نظره إلى مبدئه ومصيره، وانه من أين جاء ولماذا جاء، إلى أين يذهب. وبالدعوة إلى الثانية يعبد طريق الحياة له ويصيئ دروبها الموصلة إلى سعادته الفردية والاجتماعية، الدنيوية والاخروية.

[4]

إن المهم الجدير بالذكر هو أن الاسلام لا يفرق بين التركيز على العقيدة والشريعة، ويندد بالذين يفكرون في العقيدة دون الشريعة، ويختصرون الدين في الايمان المجرد عن العمل، بل يرى أن ترك العمل قد يؤدي إلى زوال العقيدة، ويقول سبحانه: *(ثم كان عاقبة الذين أساء‌وا السوأى أن كذبوا بآيات الله) *(الروم / 10) وفي نفس الوقت يندد بالذين يهونون من شأن العقيدة ويعكفون على العمل والعبادة من دون تدبر في غاياتها، ومقاصدها، والتفكير في الآمر بها، ويرون العبادة في السجود والركوع فقط ويغفلون عن قوله سبحانه: *(الذن يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار) *(آل عمران / 191). وتأكيدا لهذه الصلة بين العلمين، قام لفيف من علمائنا القدامى والمتأخرين بالجمع بينهما حتى في التأليف فكان الفقه الاكبر(العقائد) إلى جانب الفقه الاصغر(الاحكام). نذكر من ذلك على سبيل المثال لا الحصر: 1 - السيد الشريف المرتضى(355 - 436 ه‍) صاحب الآثار الجليلة.فقد جمع بين العلمين في كتابه المسمى ب‍ " جمل العلم والعمل ". وقد تولى شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي(385 - 460 ه‍) شرح القسم الكلامي منه وأسماه: " تمهيد الاصول " وقد طبع ونشر. كما تولى تلميذه الآخر القاضي ابن البراج(401 - 481 ه‍) شرح القسم الفقهي منه وأسماه: " شرح جمل العلم والعمل" وقد طبع أخيرا. 2 - الشيخ أبوالصلاح تقي الدين الحلبي(374 - 447 ه‍) فقد ألف كتابا

[5]

باسم: " تقريب المعارف في العقائد والاحكام " وقد طبع ونشر. 3 - أبوالمكارم عزالدين حمزة بن علي بن زهرة الحلبي(511 - 585 ه‍) مؤلف: " غنية النزوع " فقد أدرج في كتابه العقائد وأصول الفقه والاحكام.إلى غير ذلك من تآليف على هذا النمط يطول الكلام بذكرها. ونذكر من المتأخرين مثالا واحدا وهو كتاب " كشف الغطاء " لمؤلفه المحقق فقيه عصره الشيخ جعفر النجفي المعروف بكاشف الغطاء(1156 - 1228 ه‍) حيث ضم إلى جانب الفقه مباحث هامة كلامية وأصولية لايستغني عنها الباحث، وبذلك أثبت أن العمل ثمرة العقيدة، وقرينها تكوينا وتشريعا. وممن سلك هذا المسلك مؤلف هذا الكتاب الذي يزفه الطبع إلى القراء الكرام، وهو علاء الدين أبوالحسن علي بن الحسن بن أبي المجد الحلبي من أعلام القرن السادس الهجري. فقد ألف كتابه هذا المسمى ب‍ " إشارة السبق إلى معرفة الحق " على هذا المنوال، وقد طبع الكتاب في ضمن " الجوامع الفقهية " عام 1276 ه‍ بالطبعة الحجرية، ويعاد الآن طبعه بصورة محققة مصححة بهية.

[6]

ترجمة المؤلف: إن التاريخ قد بخس المؤلف حقه حيث لم يذكر عنه شيئا جديرا بشخصيته العلمية الممتازة، ولم يكن المؤلف هو الوحيد الذي أصابه هذا البخس، فكم له من نظير في تاريخ علمائنا. هذا هو الفقيه الطائر الصيت عزالدين الحسن بن أبي طالب اليوسفي الآبي مؤلف " كشف الرموز "(1) شرحا على كتاب " النافع " للمحقق، فلا تجد لذلك الفيه الكبير الذي يعرب كتابه عن تضلعه في الفقه، ترجمة ضافيه لائقة بشخصيته، إلا جملا عابرة فلا عتب علينا إذا لم نوفق لاداء حق مؤلفنا - صاحب الكتاب الحاضر - فلنذكر ماوققنا عليه من جمل الاطراء وعبارات الثناء عليه: 1 - قال المحقق الشيخ أسدالله التستري(م 1234 ه‍) صاحب المقابس: ومنها ابن أبي المجد الشيخ الفقيه المتكلم النبيه علاء الدين أبوالحسن علي ابن أبي الفضل بن الحسن بن أبي المجد الحلبي - نور الله مرقده - وهو صاحب كتاب " إشارة السبق إلى معرفة الحق " في أصول الدين وفروعه إلى الامر بالمعروف، وتاريخ كتابة نسخته الموجودة عندي سنة ثمان وسبعمائة، ويظهر من الامارات أنها كانت عند صاحب " كشف اللثام " وأن هذا الكتاب هو الذي يعبر عنه فيه


_______________________
(1) فرغ عن تأليف كتابه عام 672 ه‍. ولا نعلم من ترجمته غير أنه تلميذ المحقق المتوفى عام 676 ه‍. (*)

[7]

بالاشارة(1). 2 - وقال الخوانساري: إن " إشارة السبق إلى معرفة الحق " الذي يعبر عنه المتأخرون بالاشارة، هو مختصر في أصول الدين وفروعه إلى باب الامر بالمعروف فهو بنص الفاضل الهندي، وصاحب الرياض وغيرهما تصنيف الشيخ علاء الدين أبي الحسن بن أبي الفضل الحسن بن أبي المجد الحلبي، ثم نقل عبارة صاحب " مقابس الانوار " التي تقدمت(2). 3 - وقال الشيخ حبيب الله الكاشاني: منهم علاء الدين وهو علي بن أبي الفضل بن الحسن بن أبي المجد الحلبي، كان متكلما ومن مصنفاته كتاب " إشارة السبق "(3). 4 - قال شيخنا الطهراني: علي بن الحسن ابن أبي المجد الحلبي علاء الدين أبوالحسن مؤلف كتاب " إشارة السبق إلى معرفة الحق " المطبوع في مجموعة " الجوامع الفقهية " في 1276 ه‍. قال صاحب المقابس: إن تاريخ كتابة النسخة الموجودة عنده 708 ه‍ وكنية والده أبوالفضل بن أبي المجد(4). 5 - وقال في الذريعة: " إشارة السبق إلى معرفة الحق " في أصول الدين وفروعه العبادية من الطهارة إلى آخر الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، للشيخ


_______________________
1 - مقابس الانوار: ص 12 مؤسسة آل البيت، قم. 2 - روضات الجنات: ج 2 ص 114، وأوعزت إليه أيضا في ج 4 ص 356. 3 - لباب الالقاب في ألقاب الاطياب: 21. 4 - طبقات أعلام الشيعة النايس في القرن الخامس: ص 119. وكان اللازم أن يذكره في قسم سادس القرون لا خامسها. (*)

[8]

علاء الدين أبي الحسن علي بن أبي الفضل الحسن بن أبي المجد الحلبي. ترجمه سيدنا الحسن صدر الدين في التكملة(1) وذكر صاحب الروضات تصريح الفاضل الهندي، وصاحب رياض العلماء بنسبة الكتاب إليه، وذكر أن نسبته إلى الشيخ تقي الدين بن نجم الدين الحلبي كما وقعت عن بعض نشأت من الاشتراك في النسبة إلى حلب، وقال الشيخ أسدالله في المقابس: إن النسخة الموجودة عندي من هذا الكتاب تاريخ كتابتها سنة 708، وطبع ضمن مجموعة تسمى(الجوامع الفقهية " سنة 1276 ه‍(2).والامعان في الكتاب يورث الاطمئنان بأنه كان من فقهاء القرن السادس الذين نجموا بعد الشيخ الطوسي وعاصروا الشيخ الطبرسي(م 548 ه‍) وعماد الدين محمد بن علي بن حمزة الطوسي المتوفى بعد سنة 566 ه‍، وقطب الدين الراوندي المتوفى عام 573 ه‍ مؤلف " فقه القرآن "، وقطت الدين محمد بن الحسن الكيدري البيهقي الذي كان حيا إلى سنة 576 ه‍، مؤلف كتاب " الاصباح "، ورشيد الدين محمد بن علي بن شهر آشوب المتوفى عام 588 ه‍.إلى غير ذلك من نوابغ القرن السادس الذي احتفل التاريخ، وكتب التراجم بأسمائهم وأسماء كتبهم وتآليفهم. والمؤلف من مدينة حلب الشهباء أكبر مدينة سورية بعد دمشق التي تبعد عن الحدود التركية قرابة خمسين كيلومترا، وقد فتحها المسلمون سنة 16 ه‍، وقد أنشأ سيف الدين الحمداني الدولة الحمدانية فيها وجعل عاصمتها حلب ودخلت مدينة حلب آنذاك في عهد جديد وهو عهد أمجادها التي لم تشهد لها مثيلا،


_______________________
1 - وهذا القسم من التكملة بعد مخطوط وأما المطبوع فيرجع إلى علماء جبل عامل. 2 - الذريعة إلى تصانيف الشيعة: ج 2 ص 99. (*)

[9]

وأصبحت مركزا ثقافيا وشعريا وعسكريا من أعظم المراكز التي عرفها الاسلام، وقد وفد كبار الشعراء والعلماء على بلاط سيف الدولة فصار ملتقى رجال العلم والفكر الذين وجدوا في العاصمة حاميا لهم. وينسب إلى حلب من رواة الشيعة الاقدمين آل أبي شعبة، في أواسط المائة الثانية، وهذا البيت بيت كبير نبغ فيه محدثون كبار، منهم الحسن بن علي(المعروف بابن شعبة) من علماء القرن الرابع مؤلف " تحف العقول ". وكان في حلب سادات آل زهرة وكانوا نقباء، وخرج منهم جملة من العلماء منهم السيد أبوالمكارم: صاحب " الغنية " وقبره بسفح جبل " جوشن " إلى اليوم، وذرية بني زهرة موجودة إلى الآن في قرية الفوعة من قرى حلب(1). وقد طلع من تلك المدينة في القرنين الرابع والخامس فحول من فقهاء الشيعة نذكر أسماء بعضهم: 1 - علي بن الحسن بن شعبة، من أعلام القرن الرابع، مؤلف " تحف العقول ". 2 - أبوالصلاح تقي الدين، مؤلف كتاب " الكافي "(374 - 447 ه‍). 3 - حمزة بن علي بن زهرة(511 - 585 ه‍) صاحب غنية الزوع. 4 - السيد جمال الدين أبوالقاسم عبدالله بن علي بن حمزة(531 - 580) أخو أبي المكارم حمزة بن علي. إلى غيرهم من الفطاحل الاعلام الذين أنجبتهم تلك التربة الخصبة بالفكر والفضيلة.


_______________________
(1) دائرة المعارف الشيعية: ج 3 ص 17 - 36. (*)

[10]

الماع إلى كتاب إشارة السبق: الكتاب مجموعة من المعارف والاحكام وقد بسط الكلام في الاول واختصر في الثاني، فحرر أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وختم الكلام مشعرا بأنه قد فرغ عما قصده، ويعرب أن الكتاب كان رسالة علمية للمؤلف وقد كتبه بصورة واضحة وإن كانت براهينه في المعارف مشرقة عالية لايتحملها إلا الامثل فالامثل. وقد بذل الشيخ الفاضل المحقق إبراهيم البهادري المراغي(حفظه الله ورعاه) جهودا في تحقيق نص الكتاب وعرضه على النسخ المختلفة وعلق عليه في موارد إما إيضاحا للمطلب، أو إيعازا إلى المصدر. وأما النسخ التي تم عمل التطبيق عليها فإليك بيانها: 1 - النسخة المطبوعة ضمن " الجوامع الفقهية " عام 1276 ه‍ وجعلها الاصل الذي جرت عليها عملية التطبيق يرمز إليها ب‍ " ج ". 2 - صورة فتوغرافية من نسخة المكتبة الرضوية في مشهد يرمز إليها ب‍ " أ ". 3 - نسخة ناقصة من أولها وآخرها توجد في مكتبة مجلس الشورى الاسلامي ضمن مجموعة برقم 1272 يرمز إليها ب‍ " م ". - سلسلة الينابيع الفقهية يرمز إليها ب‍ " س ". 5 - نسخة خامسة توجد في مكتبة جامعة طهران أشار اليها في فهرس المكتبة، الجزء الخامس الصفحة 1776 برقم 920 ولم يتوفق المحقق للاستفادة منها.

[11]

وختاما، نرجو من الله سبحانه أن يتغمد المؤلف الفقيه برحمته الواسعة ويوفق المحقق للاعمال الصالحة الاخرى. كما نرجو منه سبحانه أن يوفق المسلمين للعودة إلى أحضان الفقه الاسلامي، والاخذ بأحكام الشريعة في جميع المجالات، ونبذ القوانين الوضعية الكافرة المستوردة. وقد تم تحقيق الكتاب في مؤسسة الامام الصادق - عليه السلام - وقامت بنشره مؤسسة النشر الاسلامي المعروفة بكثرة الانتاج العلمي والخدمات الفكرية. حيا الله رجال العلم والفقه، وأبطال الاجتهاد في أمتنا الاسلامية المجيدة. قم - مؤسسة الامام الصادق - عليه السلام - جعفر السبحاني تحريرا في 8 جمادى الاولى من شهور عام 1414

[13]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على ما عم من نعمه، وخص من عوارف جوده وكرمه، وصلاته على سيدنا محمد نبيه صلى الله عليه وآله وسلم المؤيد بإعجاز وحيه(1) وكلمه، النافذ أمره في عروب الوجود وعجمه، وعلى أهل بيته خزان علمه وحكمه، وحفاظ عهده وذممه. وبعد، فقد أشرت إلى تحرير مايجب اعتقاده عقلا، والعمل به شرعا ; إشارة تعم باشتمالها(2) على أركان كل واحد من التكليفين(3) نفعا، وتفيد من وعاها وآثرها ضبطا وجمعا.ومن الله أستمد المعونة على ما يرضيه، والمثوبة على ما أعبده من الحق وأيد به(4). إن الذي يجب اعتقاده من الاركان الاربعة التي هي: التوحيد والعدل والنبوة والامامة، هو مايعم تكليفه ولا يسع جهله، مما جملته كافية أهل الجمل


_______________________
1 - كذا في " أ " ولكن في " ج " " وصيه ". 2 - في " أ ": تعم لها باشتمالها. 3 - في " أ ": من المتكلفين. 4 - كذا في " أ " ولكن في " ج ": على ما أعده وأيد به. (*)

[14]

دون النظار وأهل التفاصيل. وذلك مما(1) لايتم ثبوت كل واحد من هذه الاركان إلا بثبوته ومازاد على ذلك مما يتنوع من المباحث العقلية، ويتفرع من الدقائق الكلامية لا يلزم أصحاب علم الجملة، ولا هو من تكليفهم، بل هو من تكاليف النظار المفصلين ولوازمهم، وربما أن فيه ماليس بلازم لهم، بل هو مما قد تلزموا به، إما ديانة وتحقيقا، وإما فضيلة وتدقيقا. ولما كانت جملة هذا التكليف التي لابد منها ولاغنى عنها، يقل(2) رسمها، لسهولتها وتفاصيلها التي تكلفها النظار يكثر رقمها، ويطول شرحها لصعوبتها، كانت الاشارة إلى ذلك، بحيث لاتفريط في إيراد مايفيد علمه، ويعود نفعه وفهمه، ولا إفراط فيما يتسع نظمه، ويكشف حجمه أجود ما عول عليه المستفيد، وأجرى(3) مانحاه واستزاد به المستزيد، فخير الامور أوسطها، وهو ماسلكته في هذه الاشارة.


_______________________
1 - في " أ ": وذلك ما. 2 - في " أ ": " بعد " بدل " يقل ". 3 - في " ج ": أجدى.