back

fehrest

next

أخذ الاجرة على المستحبات


فهو بوصف كونه مستحباً على المكلف لا يجوز أخذ الأُجرة عليه[2].

[2] قد تقدم عدم منافاة أخذ الأجرة على عمل مع قصد التقرب في ذلك العمل، وأنّه لو كان سائر شرائط الاجارة حاصلة لما كان اشتراط قصد التقرب فيه موجباً لبطلانها، حيث إنّ الأجير لو أتى بالعمل ـ بداعى استحقاق الأجرة شرعاً لئلاّ يبقى الدين على عهدته ويبتلي يوم القيمة بحسابه ـ كان هذا بنفسه نحو تقرب إلى اللّه سبحانه، لا أنّه ينافي التقرب في ذلك العمل، وعلى ذلك فلو استأجر من يصلح للإمامة لاعادة صلاته حتى يقتدي به، صح الاستيجار، ولا ينافي قصد التقرب المعتبر في أصل الصلاة واعادتها.
نعم الاستيجار للعبادة للّه سبحانه ـ أصالة واهداء ثوابها للآخر ـ يحتاج إلى دليل على المشروعية. لا مشروعية الاستيجار فقط، بل مشروعية اهداء الثواب ونفوذه وقد قام الدليل عليها في الصلاة والحج والصدقة ونحوها في الجملة وبعد الدليل على المشروعية يجوز المعاملة على الاهداء بنحو الهبة المشروطة، حيث إنّ المعاملة عليه بنحو الاستيجار لا يخلو عن مناقشة، كما أنّ النيابة تحتاج إلى دليل على المشروعية في الأفعال التي لا تنتسب إلى غير الفاعل، ولا تقبل التوكيل كالصيام والاغتسال ونحوهما، لا في مثل الحلق والذبح ونحوهما من الأفعال التي تنتسب إلى غير المباشر بالتوكيل، فانّ النيابة فيها مقتضى الاطلاق في خطاب الأمر بتلك الأفعال.
ثمّ إنّه ليست النيابة منحصرة بتنزيل النفس منزلة الغير كما يظهر من المصنف «ره» بل النيابة في مثل الصلاة والصوم عن الميت كاداء دين الغير. فكما أنّ من تقوم باداء دين غيره لا ينزل نفسه منزلة المدين، بل يقصد الاداء بما في ذمته كذلك المصلي عن الغير يقصد الصلاة التي في ذمة الميت، وتلك الصلاة لم يؤخذ فيها قيد المباشرة، كما أخذ هذا القيد في الصلاة التي في عهدة الحي، كما هو ظاهر خطابات التكاليف. ولذا لا تصح النيابة عن الحي في الصلاة ونحوها.
وفي صحيحة محمد بن مسلم عن احدهما (ع) قال: «سألته عن رجل أدركه رمضان وهو مريض، فتوفى قبل أن يبرأ قال: ليس عليه شيء، ولكن يقضي عن الذي يبرأ ثم يموت قبل أن يقضي»(297) فانّ ظاهرها اشتغال عهدة الميت، وفعل الآخرين قضاء عنه، ولا يكون ذلك إلاّ لعدم اعتبار المباشرة فيما يعتبر في عهدة الميت ويترتب على كون النيابة هي التنزيل أو ما ذكرناه إمكان الاستدلال ـ على عدم منافاة أخذ الأجرة على عمل مع التقرب المعتبر فيه ـ بما ورد في جواز الاستيجار للحج والعمرة، فانّه بناءاً على انكار التنزيل تكون الأجرة بازاء نفس الحج والعمرة وأمّا نباءاً على التنزيل، فقد تقدم عن المصنف «ره» دعوى أنّ الأجرة بازاء التنزيل لا الحج والعمرة. والتنزيل أمر مستحب توصلي، فلاحظ.
(لا يقال) ويترتب أيضاً أنّه إذا ارتكب النائب عن الغير في الحج حال احرامه موجب الكفارة كانت الكفارة على المنوب عنه (فانّه يقال): بل تجب على النائب على التقديرين، فانّ المنزل منزلة فعل المنوب عنه هو نفس الاحرام وسائر أعمال الحج لا ما يرتكبه النائب في أثنائها كما لا يخفى. وفيما إذا لم يكن على المنوب عنه اشتغال أصلاً، كما في الحج أو الصلاة ندباً عن الميت، فيمكن في مثلهما القول بالتنزيل كما لا يخفى.
والحاصل أنّ ورد في النيابة عن الغير في الحج والعمرة بنحو الاستيجار بعض الروايات، وحملها على الاستيجار على المقدمات خلاف ظاهرها، بل مقتضي الحمل المزبور يعني وقوع الاجارة على نفس المقدمات هو استحقاق الأجرة بالإتيان بها، وإن لم يترتب عليها ذوها. وفي موثقة عمار بن موسى الساباطي عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «سألته عن الرجل يأخذ الدراهم ليحج بها عن رجل، هل يجوز أن ينفق منها من غير الحج؟ قال إذا ضمن الحجة، فالدراهم له يصنع بها ما أحب وعليه حجة»(298) حيث إنّ ظاهرها وقوع المعاملة على نفس الحج كما هو معنى ضمانه، وبما أنّه لا يحتمل الفرق بين الحج وسائر العبادات التي قد أحرزت مشروعية النيابة فيها، كقضاء الصلاة والصوم ونحوهما عن الميت، فيكون الاستيجار عليها كالاستيجار للحج.
ثم زنّه كما يستحقّ الغير بالاجارة[1].

[1] ذكر «ره» أنّه كما لا يجوز تمليك العمل الواجب عليه للغير بالأجرة، كذلك لا يجوز صرف ما يملكه الغير عليه لنفسه، بأن يأتي لنفسه بعنوان العبادة ما استحقه الغير عليه، كما إذا استوجر لاطافة صبي أو مغمى عليه، فلا يجوز أن ينوي الاطافة طوافاً لنفسه أيضاً، وكذا فيما إذا استوجر لحمل الغير في طواف ذلك الغير فلا يجوز أن ينوي لنفسه الطواف في تلك الأشواط. وهذا هو المراد من الاستيجار للحمل مطلقاً، وجوز بعضهم الطواف لنفسه فيما إذا استوجر لحمل الغير في طواف نفسه، وهذا هو المراد من الاستيجار للحمل في طوافه، ووجه الجواز في هذه الصورة عدم كون الأشواط للغير، بل ما يملكه الغير عليه هو نفس الحمل فيها، نظير ما إذا استوجر لحمل شيء آخر فيها بخلاف الصورتين الأولتين، فان الأشواط فيهما مستحقة للغير.
(اقول): الصحيح هو عدم الفرق بين الصور الثلاث، فيجوز أن ينوي فيها الطواف لنفسه، وذلك فانّ كون شخص أجيراً في عمل لا يقتضي إلا تمليك ذلك العمل فقط للمستأجر، لا بمقدماته ومقارناته، ولذا يجوز اجارة نفسه لآخر فيهما، وعلى ذلك فالحركة المخصوصة مقدمة لاطافة الغير، أي جعل الغير طائفاً، كما أنّها مقدمة لحمل الآخر في طواف ذلك الآخر، فيجوز صرفها لنفسه بقصده الطواف لنفسه.
نعم لو استوجر للحمل لا في طوافه بأن يكون أجيراً لحمل المستأجر بشرط أن لا يكون الحامل طائفاً حال الحمل. وهذه صورة رابعة، فقصد الحامل فيها الطواف لنفسه مخالفة للشرط، وباعتبارها يكون منهياً عنه فيفسد. ويحتمل أن يكون هذا الاشتراط تقييداً لمتعلق الاجارة، بأن يملك المستأجر الحمل عليه حال عدم طوافه لنفسه وبقصد كل من الحامل والمحمول الطواف ينتفي مورد الاجارة فلا يستحق على المستأجر شيئاً،وترك الحامل مورد الاجارة وإن كان محرماً، إلاّ أن طوافه لنفسه لا يكون منهياً عنه حتى يفسد، ووجه عدم النهي عنه عدم اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص، فلابدّ في الحكم من ملاحظة أنّ العقد على الاشتراط أو على التقييد.
ثمّ إنّه ليس مما تقدم ما إذا حج الأجير لنفسه ندباً في سنة الاجارة، وذلك فان ترك الحج عن المنوب عنه وإن كان من ترك الواجب، لوجوب تسليم العمل المملوك للغير إليه، إلاّ أن الحج لنفسه في تلك السنة ضد خاص لما وجب عليه بالاجارة، والأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده الخاص، بل يمكن شمول الاستحباب لذلك الضد بنحو الترتب.
ثم إنّه لو قيل بأن مقتضى الإجارة على عمل تمليكه بمقدماته، فلا بأس أيضاً بقصد الطواف لنفسه في الصور الثلاث المتقدمة؟ باعتبار أنّ قصد الأجير الطواف لنفسه بحركته الاستقلالية فيها من قبيل الانتفاع بملك الغير، لا التصرف فيه، والانتفاع بملك الغير ما لم يمكن تعدياً وتصرفاً فيه غير ممنوع، كالاستظلال بظل الغير أو استنارة بنوره وهكذا هكذا.

طواف الأجير حال اطافة الغير


قال في المسالك: هذا إذا كان الحامل[1].

[1] أي جواز احتساب حركته المخصوصة وقصده بها الطواف لنفسه يختص بالموارد التي لا يملك المحمول فيها تلك الحركة، كما إذا كان الحامل متبرعاً أو حاملاً بجعالة، حيث لا يملك في الجعالة باذل العوض العمل على الآخر، أو كان أجيراً للحمل في طوافه، بمعنى أنّه آجر نفسه للغير لحمله حال الطواف لنفسه، فانّه يمكن في جميع ذلك أن ينوي كل من الحامل والمحمول الطواف لنفسه. وأمّا إذا استؤجر للحمل مطلقاً، أي أنّه آجر نفسه لحمل الغير، ولم يقيد في الاجارة بكون الحمل حال الطواف لنفسه، فلا يصح أن ينوي الحامل الطواف لنفسه، لأنّ حركته المخصوصة مستحقة للغير في صورة الاطلاق، باعتبار توقف طواف المحمول عليها، فلا يصح صرف تلك الحركة لنفسه.
وأورد الايرواني «ره» على الفرق وذكر أنّه لا يختلف الحكم بين كونه أجيراً لحمل الغير في طواف نفسه، وبين كونه أجيراً لحمل الغير بلا تقييد، بكون الحمل حال طواف نفسه، ووجه عدم الاختلاف أنّه لو كان أجيراً لحمل الغير على نحو الاشتراط والتعليق، بمعنى أنّه على تقدير طوافه لنفسه كان عليه أن يحمل الغير، فهذا من التعليق في الاجارة، وإن كان أجيراً لحمله لا على نحو الاشتراط والتعليق استحق المستأجر عليه الحركة المخصوصة باعتبار توقف الحمل عليه، ولا يجوز للأجير أن ينوي بتلك الحركة الطوف لنفسه.
ولكن الصحيح كما ذكرنا عدم دخول مقدمات الحمل في متعلق الاجارة، فان اطافة الصبي أو المغمي عليه هي جعل الصبي أو المغمي عليه طائفاً فيعتبر فيهما شرايط الطواف من الطهارة وغيرها.
وبعبارة أخرى يكون طواف الصبي أو المغمي عليه هي الحركة التبعية، وحركة الأجير مقدمة لطوافهما، وكذا الحال في اشتراط حمله في طوافه أو مطلقاً وإلزام الأجير ـ بالقدمة على تقدير امتناعه ـ لا يقتضي دخول تلك المقدمة في ملك المستأجر، ليكون صرفها على نفسه من التصرف في ملك الغير، فيكون منهياً عنه.
وممّا ذكرنا يظهر أنّه ليس الجواز لبعض الروايات الواردة في اطافة الصبي أو غيره في طواف نفسه، ووجه الظهور عدم فرض الاستيجار في موردها لتصلح جواباً عن المناقشة بأنّ صرف الأجير الحركة المخصوصة على نفسه من التصرف فيما يستحقه الغير.

أخذ الاجرة على الأذان والاقامة


ثم إنّه قد ظهر مما ذكرناه[1].

[1] قد بنى «ره» على أنّ أخذ الأجرة على عمل لا يجتمع مع قصد التقرب بذلك العمل، سواء كانت عبادة واجبة أو مستحبة، وفرع على ذلك عدم جواز أخذ الأجرة على الاذان، فانّه لانتفاع الغير به كاحراز دخول الوقت، أو الاكتفاء به في الصلاة، يقع مورد الاجارة، ولكن بما أنّه من قبيل العبادة، فلا يصح أخذ الأجرة عليه، حتى فيما إذا كان للاعلام فقط، بناءاً على أنّ أذان الاعلام أيضاً كاذان الصلاة من العبادة، بمعنى أنّ الاعلام بدخول الوقت مستحب كفائي، ولا يحصل هذا الاعلام إلاّ بالأذان الواقع بنحو العبادة.
وبعبارة أخرى لا يصح الاعتماد عليه في دخول الوقت إلاّ فيما وقع على نحو العبادة، ولا يكون طريقاً معتبراً إلى دخولها في غير هذه الصورة، ويذكر في المقام روايات يستظهر منها عدم جواز أخذ الأجرة عليه، كموثقة زيد بن علي عن آبائه عن علي (ع) «أنّه أتاه رجل، فقال له: واللّه إنّي أحبك للّه، فقال له: ولكنّي أبغضك للّه، قال: ولم؟ قال: لأنّك تبغى في الاذان وتأخذ على تعليم القرآن أجراً»(299) وفي سندها عبداللّه بن منبة والظاهر أنّه اشتباه من النساخ. والصحيح منبه بن عبداللّه. وقد ذكر النجاشي أن حديثه صحيح، ووجه الصحة كون الراوي عنه محمد بن الحسن الصفار الذي يروي عن المنبه في سائر الروايات ولكن في دلالتها على عدم الجواز تأمل، فان بغضه (ع) يمكن لاستمراره على الكراهة، ويشهد لها ما في ذيلها (وسمعت رسول اللّه (ص) يقول من أخذ على تعليم القرآن أجراً كان حظه يوم القيمة: فان التعليل يناسب الكراهة كما لا يخفى.
وعن السيد الخوئي طال بقاه أن دلالتها على المنع بضميمة ا ورد من أنّه (ع) لا يبغض الحلال، وفيه أنّه لم أظفر على رواية معتبرة يكون ظاهرها ذلك. نعم ورد في روايات الربا أنّه (ع) كان لا يكره الحلال، وظاهرها خلاف المقطوع، فإنّه (ع) كان يكره المكروهات الشرعية قطعاً، مع كونها محلّلة. وحسنة حمران الواردة في فساد الدنيا وفيها قال (ع): «ورأيت الأذان بالأجر والصلاة بالأجر»(300).
وفيه أنه لا دلالة لها أيضاً على المنع، بل ولا دلالة على الكراهة، فإنّها في مقام بيان علامة فساد الأرض، لا بيان موجبات فسادها، ويمكن كون الحلال المخصوص علامة لفسادها، كقوله (ع) فيها: «ورأيت المؤمن صامتاً لا يقبل قوله» فإنّ صمت المؤمن مع عدم قبول قوله لا يكون حراماً، بل ولا مكروها. وروايتي محمد بن مسلم والعلاء بن سيابة عن أبي جعفر (ع)، قال: «لا تصلّ خلف من يبتغي على الأذان والصلاة أجراً، ولا تقبل شهادته»(301)، ولا بأس بدلالتهما على المنع فإنّ الحكم بفسق آخذ الأجر على الأذان أو الصلاة المراد بها الإمامة لا يكون إلا مع حرمة الفعل أو بطلان المعاملة، إلا أنهما ضعيفتان سنداً. وإن وصف السيد اليزدي «ره» رواية محمد بن مسلم بالصحيحة، والأظهر أنه لا بأس بأخذ الأجرة على الأذان وتعليم القرآن، لعدم المنافاة بين أخذ الأجرة على عمل، وكونها عبادة مع أن تعليم القرآن ليس من العبادة والروايات، كما مرّت ضعيفة سنداً أو دلالة، ولكن الأحوط الترك، والله سبحانه هو العالم.
ومن هنا يظهر وجه ما ذكروه في هذا المقام[1].

[1] الوجه هو ذكر الصلاة في حسنة حمران وقد تقدّم ظهورها في الأجر على الإمامة، ولكن ذكرنا عدم دلالتها على المنع. وأما ما ذكره «ره» من أن الانتفاع بالإمامة موقوف على تحققها بقصد الاخلاص إذ المأموم لا يجوز له الاقتداء إلا بإمام تكون صلاته صحيحة، وقصد الاخلاص لا يجتمع مع أخذ الأجرة، فلا يمكن المساعدة عليه، فإنّ ما يفيد الغير في المقام هي صحة صلاة الإمام، حتّى يقتدى بصلاته. وأما كون إمامته بالقربة، فلا يعتبر في جواز الاقتداء وعلى ذلك فلو كان المكلف بحيث يأتي بالصلاة بداعي الأمر بها ولو منفرداً، ولا يأتي بها حتى مع إعطاء الأجرة عليها لولا أمر الشارع بها، فيكون أخذ أجرته على خصوصية صلاته لا على أصلها، وتلك الخصوصية لم تؤخذ في متعلق الأمر بالطبيعة، فلا بأس بذلك الأخذ، غاية الأمر لا يثاب على إمامته، فتدبّر.

أخذ الاجرة على الشهادة وأدائها


تحمل الشهادة[1].

[1] تعرّض «ره» لأخذ الأجرة على تحمّل الشهادة، وذكر عدم جوازه بناءاً على وجوب التحمل عند الدعوة إليه، كما هو مقتضى الصحيح الوارد في تفسير قوله سبحانه: «ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا»(302)، وكذا لا يجوز أخذ الأجرة على أدائها والوجه في عدم الجواز هو كون كل من الأداء والتحمل حقاً للمشهود له، فيستحقهما على الشاهد، فيكون أخذ الشاهد الأجرة على الأداء أو التحمل من مبادلة حق شخص بمال ذلك الشخص. وهذا أكل المال بالباطل، بل ينطبق عنوان الأكل بالباطل حتّى فيما لو أخذ المال عن آخر يجب عليه أيضاً الأداء أو التحمل كفاية، حيث أن طلب المال لأداء حق الغير إليه، سواء كان المطلوب منه المال، صاحب الحق أو غيره أكل لذلك المال بالباطل.
أقول: في كون الاستجابة للتحمل أو الأداء مجاناً حقاً للمشهود له تأمّل. وذكر السيد الخوئي (طال بقاه) أن الوجه في عدم جواز أخذ الأجرة استفادة المجانية من دليل وجوبهما، فإنّ قوله سبحانه: «ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا» مع الإغماض عن الرواية أيضاً يعمّ الدعوة إلى التحمل والأداء. ومقتضى إطلاق النهي عن عدم جواز الإباء حتّى مع عدم بذل الأجرة.
وفيه أنه يمكن دعوى كون متعلق النهي الدعوة المتعارفة وإذا كانت الدعوة المتعارفة إلى التحمل أو الشهادة بالأجرة كانت الدعوة إليها كالدعوة إلى الخياطة أو البناء في أنّ وجوب استجابتهما لا يقتضي المجّانية. ويشهد لذلك ملاحظة صدر الآية، فإنّ قوله سبحانه «ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله» لا يقتضي وجوب الكتابة على الكاتب مجاناً.
لا يقال: إنّ بينهما فرقاً فإنّ الكتابة في الدين مستحبة، فلا بأس بأخذ الأجرة عليها، بخلاف الاستجابة لأداء الشهادة أو تحملها.
فإنّه يقال: الاستجابة إلى الكتابة مثل الاستجابة للتحمل أو الأداء واجبة، مع أنّ مقتضى الإطلاق عدم جواز المطالبة بالاجرة للتحمل والأداء، لا عدم جواز أخذها مع إعطائها كما هو المطلوب في المقام وفي مثل الاجرة على القضاء، كما لا يخفى.
هذا ويمكن أن يقال بعدم تعارف أخذ الأجرة على تحمل الشهادة أو أدائها، وليس لهما مالية، فيكون أخذها من أكل المال بالباطل. نعم لو توقف التحمل أو الأداء على بذل المال لقطع المسافة ونحوه، لم يجب البذل من كيسه، والوجه في ذلك: أنّ مقتضى قاعدة نفي الضرر عدم وجوب التحمل أو الأداء في الفرض، حتّى فيما إذا قال المشهور له: اصرف المال وعلي تداركه، فإنّ مجرد التزامه بالعوض لا يوجب انتفاء الضرر، حيث أنه ربما لا يصل إليه العوض، لعدم وفاء المشهود له بالتزامه.
بقي الكلام في شيء[1].

[1] ذكر جماعة من الأصحاب في الواجبات والمستحبات التي لا يجوز أخذ الأجرة عليها أنه يجوز ارتزاق مؤدّيهما من بيت المال، وليس المراد أخذ الأجرة والعوض من بيت المال على عملهم، فإنه لا فرق في عدم الجواز بين الأخذ من بيت المال أو من غيره، بل يكون إعطاء العوض من بيت المال، باعتبار عدم كونه ملكاً شخصياً للمعطى، أولى بعدم الجواز، فليكن مرادهم أنه إذا قام المكلف بتلك الأعمال التي لا يمكنه ـ مع القيام بها ـ الكسب المناسب، فيقرر له من بيت المال ما يكفيه من مؤنة نفسه وعياله مع فقره، زاد على أجرة عمله أم نقص بعنوان المساعدة، وأما مع غناه، فإن ذلك كان ذلك العمل واجباً عليه، فلا يجوز لولي المسلمين الإعطاء من بيت المال، فإنّ عدالة القاضي تمنعه عن ترك القضاء الواجب عليه، فيكون إعطاؤه مع غناه من إتلاف بيت المال. وهذا بخلاف البذل لمثل المؤذن والإمام الراتب ممن يقوم بالمستحبات، فإنه يجوز فيما إذا كان تركه موجباً لترك الأذان والإمامة ونحوهما، ولا يكون من إتلاف بيت المال بلا جهة، بل القاضي فيما إذا أراد الارتحال من البلد إلى الآخر للقضاء في ذلك البلد، وكانت الحاجة إليه في البلد أشد، فإنه لا بأس بالبذل له، فإنه من صرف بيت المال في سبيل صلاح المسلمين.

حكم بيع المصحف


صرّح جماعة[1].

[1] ذكر جماعة من القدماء والمتأخرين عدم جواز بيع المصاحب، ومرادهم ـ كما أوضح في الدروس ـ بيع خطه، وكانت حرمة بيعه مشهورة بين الصحابة على ما هو ظاهر نهاية الأحكام، حيث تمسك في إثباتها باشتهارها بين الصحابة، ويدل عليه ظاهر جملة من الروايات.
منها: رواية سماعة عن الشيخ «ره» بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن أبي عبدالله الرازي عن الحسن بن علي بن أبي حمزة عن زرعة عن سماعة بن مهران قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) يقول: لا تبيعوا المصاحب، فإنّ بيعها حرام، قلت: فما تقول في شرائها؟ قال: اشتر منه الدفتين والحديد والغلاف، وإياك أن تشتري منه الورق، وفيه القرآن مكتوب»(303) وهي ضعيفة، وليست بالموثقة، فإنّ أبا عبدالله الرازي هو محمد بن أحمد الجاموراني الزراري، وقد استثناه ابن الوليد عن روايات محمد بن أحمد بن يحيى، وفي استثنائه دلالة على ضعفه، كما أنّ ضعف الحسن بن علي بن أبي حمزة أظهر من أن يذكر، فتوصيف المصنف «ره» الرواية بالموثقة غير تامّ.
ومنها: رواية عبدالرحمن بن سيابة عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «سمعته يقول: إنّ المصاحف لن تشتري، فإذا اشتريت، فقل إنّما اشترى منك الورق، وما فيه من الأديم، وحليته، وما فيه من عمل يدك بكذا وكذا»(304) وفي موثقة سماعة عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «سألته عن بيع المصاحف وشرائها؟ قال: لا تشتر كتاب اللّه، ولكن اشتر الحديد والورق والدفتين، وقل: أشتري منك هذا بكذا وكذا»(305).
ولكن في مقابلها ما يظهر منه الجواز، كصحيحة أبي بصير، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن بيع المصاحف وشرائها؟ فقال: إنّما كان يوضع عند القامة والمنبر، وقال: كان بين الحائط والمنبر قدر ممرشاه أو رجل، وهو منحرف، فكان الرجل يأتي فيكتب البقرة، ويجيء آخر، فيكتب السورة كذلك كانوا، ثمّ إنّهم اشتروا بعد ذلك، فقلت: فما ترى في ذلك؟ قال: اشتريه أحب إلى من أن أبيعه»(306).
ونحوها موثقة روح بن عبدالرحيم، وزاد فيها «قلت: فما ترى أن أعطى على كتابته أجراً؟ قال: لأ بأس، ولكن هكذا كانوا يصعنون»(307).
ومقتضى الجمع بين الطائفتين هو حمل المانعة على الكراهة. ولكن ذكر المصنف «ره» أنّ صحيحة أبي بصير لا تصلح أن تكون قرينة على صرف النهي في سائر الروايات إلى الكراهة، فان مدلولها أنّه لم يكن في الصدر الأول تحصيل المصاحف بالشراء، وانّما حدث ذلك أخيراً. وأمّا كيفية بيعها وشرائعها وهل هو مثل سائر الكتب أم لا؟ فلا دلالة لها على المماثلة إلاّ بالاطلاق أي السكوت في مقام البيان فيرفع اليد عن ذلك بمثل رواية عبدالرحمن المتقدمة الدالة على الكيفية المعتبرة في بيع المصاحف وشرائها، بل هذا الاطلاق أيضاً يمكن منعه بعدم كون الرواية في مقام البيان من جهة الكيفية ليمكن دعوى اطلاقها.
وبهذا يظهر الحال في رواية عنبسة الوراق، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع)، فقلت: إنّي رجل أبيع المصاحف، فان نهيتني لم أبعها، فقال ألست تشتري ورقاً وتكتب فيه، فقلت: بلي وأعالجها، فقال لا بأس بها»(308) فانّ ظهور هذه في جواز بيع المصاحف كسائر الكتب بالاطلاق وبالسكوت في مقام البيان، فيرفع اليد عنه بالبيان الوارد في الروايات المتقدمة.
(اقول): لابدّ من رفع اليد عن الأخبار المانعة بحملها على الكراهة، فانّه قد ورد في موثقة روح بن عبدالرحيم المتقدمة نفي البأس عن الكتابة بالأجر، ولو لم يكن لخط القرآن مالية، باعتبار عظمته لم تكن كتابته من الأعمال التي لها قيمة.
والحاصل أنّه لا يحتمل الفرق بين الأجر على كتابه القرآن وبين بيعه، وجواز الأول كاشف عن جواز الثاني. هذا مع أنّ ظاهر السؤال في مثل صحيحة أبي بصير بقوله (فما ترى في شرائها) هو السؤال عن جواز شراء المصاحف بالنحو المتعارف في سائر الكتب، فيكون جوابه (ع) بالجواز راجعاً إلى ذلك النحو، وهذا من الظهور الوضعي لا الاطلاقي ليتوقف على تمامية مقدماته، وذلك فانّ دلالة اللفظ الموضوع للكتاب عليه بالوضع واضافة البيع إليه ظاهرة بمقتضى وضع الاضافة، في تعلقه بعنوان ذلك الكتاب كما لا يخفى.
بقي الكلام في المراد من حرمة البيع[1].

[1] لا يخفى أنّ المصحف كسائر الكتب تكون خطوطه وصفاً مقوماً له، ولا يمكن كون الوصف مطلقاً مقوماً كان أم غيره ملكاً لشخص، وموصوفه ملكاً للآخر. بل لو كان الوصف في الشيء حاصلاً بعمل الآخر، وكان بأمر من مالك ذلك الشيء أو باستيجاره فيستحق العامل الأجرة عليه، وإلاّ فلا احترام لفعله، ولا يكون له على مالكه أجرة أصلاً، وعلى ذلك فلو كان النهي عن بيع المصاحف لزومياً كان المراد بمتعلق النهي، ملاحظة خطوطها في أخذ العوض عليها، على ما تقدم سابقاً في النهي عن بيع الجارية المغنية، وفي النهي عن بيع آلات اللهو.
والحاصل أنّ المراد بالنهي عن بيع المصاحف هو المنع عن بيع الأوراق بملاحظة كونها موصوفة بالكتابة القرآنية. وبهذا يظهر أن ما ذكره المصنف «ره» من أي النقوش ان لم تعد من الأعيان المملوكة عرفاً، بل من صفات المنقوش الذي تتفاوت قيمته بوجودها وعدمها، فلا حاجة إلى النهي عن بيع الخط، فانّه لا يقع بازائه جزء من الثمن ليقع في حيز النهي ـ لا يمكن المساعدة عليه، لما ذكرنا من كون الخطوط وصفاً مقوماً، نظير بيع آلات اللهو، وانّ النهي مقتضى عدم جواز لحاظ هذا الوصف في مقام المبادلة، على ما تقدم في بيع الآلات.
نعم ذكرنا أنّه لابدّ من حمل النهي على الكراهة أي على كراهة ايقاع المعاملة على المصحف بما هو مصحف، وأنّ اللازم في التخلص من هذه الكراهة جعل الثمن بازاء الأوراق بما هي أوراق، والثمن المأخوذ وإن كان زائداً على ثمن الأوراق، والزيادة بداعي اتصاف تلك الأوراق بالكتابة القرآنية، الا أنّه لا يذكر هذه الجهة في العقد، بل يذكر فيه عنوان الأوراق والحديد، وبعد انتقال الأوراق إلى المشتري يكون مالكاً لها بما هي مصحف، حيث تقدم تبعية الخطوط، وانّه لا يمكن كونها ملكاً لشخص، والأوراق ملكاً لآخر.
(لا يقال) لا فرق بين النهي في المقام وبين النهي عن بيع آلات اللهو، غاية الأمر عدم المالية في تلك الآلات باعتبار خستها، وفي المصحف باعتبار عظمته، كما يرشد إلى ذلك، قوله في مضمرة عثمان بن عيسى: «لا تشتر كلام اللّه» وعلى ذلك يكون النهي عن بيع المصحف نظير النهي عن بيع تلك الآلات حقيقياً، لا راجعاً إلى صورة العقد كما تقدم، نعم يجوز بيع الأوراق والحديد من المصحف نظير بيع المواد من الآلات.
(فانّه يقال) إنّ تجويز بيع المصحف في صحيحة أبي بصير المتقدمة وتجويز أخذ الأجرة على كتابته في موثقة روح بن عبدالرحيم قرينة على اختلاف الحكم في المقام، وأنّ ايقاع المعاملة على المصحف كإيقاعها على سائر الكتب مكروه، ولابدّ من التخلص عن الكراهة من إيقاعها على الاوراق والحديد، فيكون هذا حكماً راجعاً إلى صورة العقد، ولا يتعين بيع المصحف بقيمة الأوراق والحديد، كما كان يتعين ذلك في بيع الآلات، على تأمّل كما لا يخفى.
وأمّا ما ذكره المصنف «ره» من فرض كون خطوط المصحف من الأعيان في مقابل أوراقه ـ فغير صحيح، وعلى تقديره فيرد عليه ما أورده «ره» من أنّه لو قيل ببقاء تلك الخطوط على ملك البايع بعد بيعه الأوراق، لزم شركة البايع والمشتري في المصحف بالقيمة، ولا يمكن الالتزام بها. وإن انتقلت إلى المشتري، فإن كان انتقالها بجزء من الثمن فهو عين بيع المصحف، ولا يكون للنهي عنه معنى إلاّ الحمل على الكراهة، وإن كان انتقالها قهراً تبعاً للأوراق، فهو خلاف مقصود المتبايعين، فان قصدهما اعطاء العوض وأخذه في مقابل المصحف المركب من الأوراق، والخطوط، فلابدّ من ارجاع النهي إلى التكليف الصوري أي التكليف الراجع إلى صورة المعاملة، بأن يجعل الخطوط فيها بعنوان الشرط في البيع، لا الجزء من المبيع.

بيع المصحف من الكافر


ثمّ انّ المشهور بين العلاّمة[1].

[1] المشهور بين العلامة والمتأخرين عنه ـ على ما قيل ـ عدم جواز زبيع المصحف من الكافر، حتى بالوجه الذي يجوز بيعه من المسلم بذلك الوجه، واحتمل المصنف «ره» أن يكون مستندهم في عدم الجواز أمرين (الأول) فحوي ما دلّ على عدم جواز تملك الكافر المسلم.
(أقول) الفحوى ممنوعة، فانّه لو كان أصل الحكم ثابتاً بأن لا يصح تملك الكافر العبد المسلم، فهو باعتبار أن ـ ملك الكافر المسلم وعدم تمكن المسلم على تصرفاته وأفعاله إلاّ برخصة منه ـ ولاية للكافر على المسلم، ولا يجري ذلك في ملك الكافر المصحف، وبعبارة أخرى لو لم يكن هذا هو الملاك جزماً فلا أقل من احتمال كونه الملاك، ومعه لا يمكن دعوى الفحوى. وأمّا أصل الحكم فانّه روي الشيخ «ره» في نهايته عن حماد بن عيسى عن أبي عبداللّه (ع) أنّ أميرالمؤمنين (ع) أتى بعبد ذمي قد أسلم، فقال: إذهبوا فبيعوه من المسلمين وادفعوا ثمنه إلى صاحبه، ولا تقروه عنده(309) فيقال ظاهر هذه الرواية عدم سلطان للكافر على اقرار المسلم في ملكه.
وفيه أنّه لابدّ في المسألة من الاعتماد على وجه آخر، فانّ هذه الرواية لضعف سندها بالرفع لا يمكن الاعتماد عليها (لا يقال): سند الشيخ إلى حماد مذكور في المشيخة، وليس فيه ضعف (فانّه يقال) لم يحرز أنّ الشيخ رواها في النهاية عن كتاب حماد، وملاحظة المشيخة تنفع فيما إذا أحرز أنّ روايته عن كتابه، والإحراز بالإضافة إلى روايات التهذيب والاستبصار فقط، لذكره في أول التهذيب ببدء الرواية باسم صاحب الكتاب الذي يروي عنه، وبدؤه ـ «ره» في التهذيب بمحمد بن يحيى مرفوعاً عن حماد ـ قرينة على عدم أخذه الرواية من كتاب حماد وإلاّ لكان المناسب بدء السند به لا بمحمد بن يحيى ولعل قوله سبحانه «لن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلاً»(310) كاف في ذلك الحكم، فتأمّل.
(الأمر الثاني) قوله (ع): (الإسلام يعلى ولا يعلو عليه) أقول هذا نبوي مرسل، ولا يمكن الاعتماد عليه، ومدلوله إن كان اثبات العلو للإسلام بحسب مقام الإثبات والبرهان، فهذا صحيح، ولكن لا يرتبط بالمقام، وإن كان علوه بحسب تشريع الأحكام، فهذا لا يقتضي عدم جواز بيع المصحف للكافر، فانّ مجرد تملكه لا يكون علواً للكفر على الاسلام، كما أنّ مجرد تملك مسلم الإنجيل لا يكون علواً للإسلام على الكافر. نعم لا يجوز اعطاء المصحف بيد الكافر، فيما إذا كان الإعطاء تعريضاً للمصحف الشريف للنجاسة الموجبة لهتكه، وهذا غير بحث الملكية الحاصلة بالبيع ونحوه.
المحترم لأسمائه[1].

[1] بصيغة الفاعل أي الكافر الذي يرى الحرمة لأسمائه تعالى.
الدراهم المضروبة[2].

[2] بناءً على تسرية الحكم، فلا يجوز بيع الدراهم من الكافر، حتى فيما إذا لم تكن مالية للسكة الموجودة عليها، كالدراهم المأخوذة للتبرك والمكتوب عليها اسم النبي (ص) أو غيره من المعصومين (ع)، فإنّ بيعها باعتبار موادها أي الذهب والفضة وإن كان نظير بعض الحلويات أو الصابون المصنوع بصورة الحيوان، فيباع في السوق باعتبار موادها، إلاّ أنّ المفروض في المصحف عدم جواز بيعه من الكافر، حتى باعتبار أوراقه وحديده، ولازم التعدي إلى الدراهم المفروض التبرك بسكتها عدم جواز بيعها حتى باعتبار مادتها.

جوائز الجائر وعماله


جوائز السلطان وعمّاله[3].

[3] للمال المأخوذ من الجائر أو عماله مجاناً أو معاوضة صور أربع: (الأولى) عدم العلم تفصيلاً ولا إجمالاً بوجود الحرام في أمواله (الثانية) عدم العلم لا تفصيلاً ولا إجمالاً بالحرام في المأخوذ منه مع العلم الإجمالى بالحرام في أمواله (الثالثة) العلم تفصيلاً بحرمة المأخوذ منه، وأنه ليس للجائر (الرابعة) العلم إجمالاً بوجود الحرام في المأخوذ منه، وأنه مشتمل على مال الغير.
أمّا الصورة الأولى فقد ذكر المصنف «ره» فيها جواز الأخذ والتصرف، للأصل والاجماع والاخبار الآتية، وينبغي أن يراد بالأصل قاعدة اليد، فانّ مقتضاها كون الجائر مالكاً لما في يده، فيكون تصرفاته فيه نافذة. وأمّا أصالة الصحة فلا يمكن إجراؤها مع الإغماض عن قاعدة اليد، فإنّها لا تجري فيما إذا لم تحرز سلطنة الشخص شرعاً على التصرف، كما في المقام، فانّه لا دليل على اعتبارها غير السيرة الجارية على حمل المعاملات الصادرة عن الغير على الصحة، والمقدار المحرز من السيرة موارد إحراز السلطنة، وعلى ذلك فمن المحتمل أن لا يكون الجائر سلطاناً على تمليك المال المفروض باعتبار عدم كونه مالكاً له. وأمّا الإستصحاب، فمقتضاه عدم جواز الأخذ، وعدم كون المال ملك الجائز والاجماع لا يصلح للإعتماد عليه، فانّه لا يكون إجماعاً تعبدياً، بل من المحتمل ـ لو لم يكن من المقطوع به ـ أنّ المدرك لافتائهم بالجواز قاعدة اليد أو غيرها، كما لا حاجة في هذه الصورة إلى الأخبار، فانّ الجواز على القاعدة، إلاّ أن يراد أنّ في الأموال المأخوذة من السلطان الجائر أو عما له شبهة حرمة تكليفاً، حتى فيما إذا أحرز باليقين بأنّ المأخوذ ملكه شخصاً، وهذه الشبهة مدفوعة بأصالة الحل والأخبار الآتية.
ثمّ ذكر المصنف «ره» أنّه ربّما يوهم بعض الأخبار أنّ حل المال في هذه الصورة مشروط بثبوت مال حلال للجائر، كرواية الاحتجاج عن الحميري أنّه «كتب إلى صاحب الزمان عجل اللّه فرجه يسأله عن الرجل يكون من وكلاء الوقف، مستحل لما في يده، ولا يتورع عن أخذ ماله، ربما نزلت في قرية هو فيها أو أدخل منزله، وقد حضر طعامه، فيدعوني إليه، فإن لم آكل عاداني عليه، فهل يجوز لي أن آكل طعامه واتصدق بصدقة، وكم مقدار الصدقة؟ وإن أهدي هذا الوكيل هدية إلى رجل آخر، فيدعوني إلى أن أنال منها، وأنا أعلم أنّ الوكيل لا يتورع عن أخذ ما في يده، فهل على فيه شيء إن أنانلت منه؟ الجواب إن كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده، فأقبل بره وإلاّ فلا(311).
ولا يخفى أنّ ظاهر الخبر صورة العلم بحرمة مال الجائر، وفرض مال حلال له فيها، باعتبار أن لا يكون حرمة المأخوذة محرزة تفصيلاً، لا أنّ وجود مال حلال له شرط تعبدي في جواز المأخوذ منه.
أمّا الثانية[1].

[1] (الصورة الثانية) وهي ما يعلم ثبوت الحرام في الأموال التي بيد الجائر ويحتمل كون الجائزة من ذلك الحرام، فيجوز في هذه أيضاً أخذ الجائزة تكليفاً ووضعاً، لجريان قاعدة اليد في الجائزة، ولا تكون معاوضة باليد على سائر أمواله، سواء احتمل الآخذ الابتلاء بها بعد ذلك، أم لا، وذلك فانّ عدم جواز التصرف بالاضافة إلى سائر الأموال محرز تفصيلاً، فانّها إمّا ملك الجائر واقعاً، وباعتبار عدم إذنه في التصرف فيها تكون حراماً. وأمّا ملك لغيره، فلا يجوز التصرف فيها بدون إذن ذلك الغير، وأمّا بالإضافة إلى الجائزة، فلا علم بحرمتها، فتكون مورداً لقاعدة اليد بلا معارض. نعم في مثل ما إذا خيره الجائر في أخذ أحد أثوابه المعلومة حرمة بعضها إجمالاً، يدخل الفرض في الصورة الرابعة.
(لا يقال): إنّ العلم الإجمالي في هذه الصورة منجز، وذلك فانّ العلم التفصيلي بحرمة سائر أموال الجائ، لكونها ملك الغير أو انّها ملكه، وباعتبار عدم إذنه يحرم التصرف فيها، لا يوجب جريان قاعدة اليد في المأخوذ، لسقوطها بالعلم الإجمالي بحرمة المأخوذ أو عدم جواز الأخبار والشهادة على كون سائر أمواله ملكاً له. والحاصل أنّ ليده على سائر أمواله أثراً فعلياً، وهو جواز الأخبار والشهادة على كونه مالكاً له (فانّه يقال) إذا علم وجود الحرام في سائر أمواله، واحتمل كون المأخوذ أيضاً حراماً، فلا بأس باجراء قاعدة اليد في المأخوذ. نعم إذا علم حرمة بعض أمواله وتردد ذلك البعض بين كونه جائزة أو ما هو عند الجائر، فلما ذكر من دعوى العلم الاجمالي بحرمة المأخوذ أو عدم جواز الأخبار بمليكة ساير ما في يده وجه، فانّه يكون أيضاً ليده على سائر أمواله أثر، وهو جواز الأخبار بكونها ملكاً له.
ثمّ إنّ هذا الوجه كما ترى يجري حتى في الشبهة غير المحصورة، والتي لا يمكن عقلاً فيها ابتلاء المكلف بتمام أطرافها، فلا يحل المأخوذ فيها، لسقوط قاعدة اليد، ويكون عدم الجواز مقتضى استصحاب الفاسد.
ثمّ إنّه قد صرح جماعة بكراهة أخذ الجائزة من الجائر، وعن العلامة الاستدلال عليها باحتمال كونها حراماً في الواقع، وللنهي عن ارتكاب المشتبه في مثل قولهم: (دع ما يريبك) وللترغيب في تركها في مثل قولهم: (من ترك الشبهات نجى من المحرمات) وبعضهم زاد على هذا الاستدلال وجوهاً.
(منها) أنّ أخذ المال من الجائر وعماله سبب لمحبتهم، فانّ القلوب مجبولة على حبّ من أحسن إليها.
و(منها) أنّه تترتب على أخذ المال من الجائر أو عماله مفاسد لا تخفى، كما يفصح عن ذلك ما في صحيحة أبي بصير من قوله (ع): «إنّ أحدكم لا يصيب من دنياهم شيئاً إلاّ أصابوا من دينه مثله»(312).
و(منها) رواية عبداللّه بن الفضل عن أبيه عن الكاظم موسى بن جعفر سلام اللّه عليه: «واللّه لولا أنّي أرى من ازوجه بها من عزاب بني أبي طالب لئلاّ ينقطع نسله ما قبلتها أبداً»(313) فانّها ظاهرة في مرجوحية أخذ المال لولا الجهة المذكورة.
ولكن لا يصلح شيء من ذلك لاثبات الكراهة، وذلك فانّ ظاهر أخبار الاحتياط والتوقف في الشبهات هو الإرشاد إلى موافقة التكاليف الواقعية، والترغيب في إدراك ثواب طاعتها، والتحرز عن محذور مخالفتها. وهذا لا يختص بخصوص الجائزة، بل يعم كل الشبهات حتى المال المأخوذ من العدول. وأمّا أنّ أخذ المال من الجائر يوجب حبه فليس كذلك، فانّ بين المحبة لهم وأخذ المال منهم العموم من وجه، فقد يأخذه عوضاً عن متاعه في معاملة اضطر إليها. وأمّا ترتب المفسدة فلا شهادة له في صحيحة أبي بصير، فانّها ناظرة إلى اعانة الظالم، وكون الشخص من أعوان الظلمة على ما تقدم سابقاً.
ورواية قبول الإمام (ع) هدية هرون، لا يمكن الاعتماد عليها، لضعفها سنداً ودلالة، فانّها واردة في مورد خاص، فلعل المال المفروض كان من المجهول مالكه، ومورده التصدق به عن مالكه، ولو لم يكن صرف ذلك المال في تزويج عزاب بني أبي طالب بعنوان الصدقة عن مالكه، لم يكن يأخذه الإمام (ع)، ومثل هذا لا يرتبط بالمقام.
والوجوه التي زادوها على استدلال العلامة مقتضاها ـ على تقدير تماميتها ـ كراهة الأخذ حتى مع إحراز كون المال ملك الجائر واقعاً، كما أنّ ما ذكره العلامة مقتضاه كراهة الأخذ حتى مع إحراز كون المال ملك الجائر واقعاً، وكراهة الأخذ والتصرف في مطلق المال المشتبه من دون خصوصية للمأخوذ من الجائر.

حكم الجائزة المأخوذة من الجائر وعماله


ثم انّهم ذكروا ارتفاع الكراهة بأُمور[1].

[1] (الأول) إخبار الجائر بأنّ المال ملكه واقعاً، ولكن قد ظهر ممّا تقدم أنّ الكراهة ـ على تقديرها ـ لا ترتفع بذلك، فانّ الموجب لها إمّا إشتباه المال، ولا يرتفع الاشتباه باخبار العدل، فضلاً عن الجائر، وما ذكره المصنف «ره» ـ من أنّ الموجب للكراهة هو كون المال مظنة الحرمة ـ لا يمكن المساعدة عليه، فانّ أخبار الاحتياط والتوقف عند الشبهات لا تختص بصورة كون المال مظنة الحرام، بل تعم مطلق ما يحتمل حرمته واقعاً. وامّا الوجوه المذكورة فقد ذكرنا أنّ مقتضاها ثبوت الكراهة حتى مع العلم بحلية الجائرة.
ومنها إخراج الخمس[2].

[2] (الثاني) إخراج الخمس عن المال المأخوذ من الجائر ولا يخفى أنّ إخراج الخمس في المال المختلط حكم الزامي لا حكم استحبابي حتى يتعدي إلى المقام.
وثانياً أنّ الخمس في المال المختلط ثابت بعنوان التصدق بالمال المجهول مالكه، فيما إذا لم يعلم قدر المال وصاحبه، وليس من الخمس المعروف كما عليه المشهور. وعلى كل تقدير، فالحكم، باستحباب اخراج النفس ـ في المقام المفروض فيه احتمال كون جميع المال حراماً واقعياً، نظراً إلى ثبوته في المال المختلط ـ قياس مع الفارق، فانّ التصدق بمقدار الخمس في المال المختلط باعتبار أنّ عين ذلك إن كان مال الغير فيكون الواجب إيصاله إلى صاحبه بالتصدق عنه، وإن كان مال الغير غيره، فيجوز لمن في يده، المال المجهول مالكه، تبديل ذلك المال، والتصدق بالبدل، فالتصدق بالخمس إيصال المال الغير إليه على كل تقدير، بخلاف المقام المحتمل فيه كون المأخوذ بتمامه مال الغير كما لا يخفى.
وامّا الموثقة المسئول فيها عن عمل السلطان ـ «يخرج فيه الرجل، قال (ع): لا إلاّ أن لا يقدر على شيء يأكل ويشرب، ولا يقدر على حيلة فان فعل فصار في يده شيء فليبعث بخمسة إلى أهل البيت (ع)»(314) ـ فلا يمكن الاستدلال بها على استحباب الخمس. والوجه في ذلك أنّه يدور الأمر فيها بين رفع اليد عن اطلاقها وحملها على لزوم بعث الخمس في المقدار الزائد على المؤونة، بقرينة مثل صحيحة علي بن مهزيار الدالة على كون الخمس بعد مؤونة الرجل وعياله، وبين ابقاء الاطلاق على حاله، وحمل الأمر بالبعث على الاستحباب والمتعين هو التقييد كما هو المقرر في بحث الاطلاق والتقييد.
وبهذا يظهر الحال فيما دلّ على وجوب الخمس في الجائزة، وأنّه بقرينة أنّ المال الواحد لا يخمس مرتين، يحمل على كونه بالإضافة إلى الزائد على المؤونة.
وإن كانت الشبهة محصورة[1].

[1] قد ذكرنا أنّ العلم الإجمالي يكون في الصورة الثانية منجزاً للحرام الواقعي (تارة) وغير منجز له (أخرى) والجائزة فيها مع عدم منجزيته محكومة لقاعدة اليد، بأنّها كانت ملك الجائر، وقد انتقلت إلى الآخذ، بخلاف ما إذا كان العلم الإجمالي منجزاً، كما إذا أراد أخذ شيء من تلك الأموال مقاصة، أو أذن الجائر في أخذ شيء منها بنحو التخيير، فإنّه لا يجوز مع ذلك العلم الإجمالي.
قال في الشرايع: (جوائز السلطان الجائر إن علمت حراماً بعينها فهي حرام وذكر في المسالك في شرح العبارة: (انّ التقييد بالعين إشارة إلى جواز آخذها، وإن علم أنّ في أمواله مظالم، كما هو مقتضى حال الظالم، ولا يكون حكمه حكم المال المختلط بالحرام في وجوب اجتناب الجميع، للنص على ذلك) فيقع الكلام في مراده من النص، فإن أراد الروايات الدالة على الترخيص والبرائة في الشبهات نظير قوله (ع): (كل شيء حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه) فقد ذكر المصنف «ره» أنّ المقرر في محله حكومة قاعدة الاحتياط عليها.
وفيه ما لا يخفى، فانّ دليل البرائة بشموله لمورد يكون وارداً على قاعدة الاحتياط دون العكس، فانّ الموضوع في قاعدة الاحتياط احتمال العقاب، ومع ثبوت الترخيص في ارتكاب مشتبه لا يكون احتمال عقاب أصلاً. والصحيح عدم جريان الروايات الدالة على الترخيص في موارد العلم الإجمالى بالتكليف، لاستقلال العقل بكافية العلم الإجمالي في وصول ذلك التكليف، ولا يمكن الترخيص القطعي في مخالفة التكليف الواصل، فتكون تلك الروايات مقيدة عقلاً، وعلى من جوز أخذ الجائزة في صورة العلم الإجمالي المنجز الالتزام بأنّ الشبهة المحصورة كالشبهة البدوية في عدم تنجز التكليف أصلاً، كما عليه شر ذمة من متأخري المتأخرين، إلاّ أن لا يكون كلامه ناظراً إلى صورة العلم الإجمالي المنجز، وشيء من هذين لا يناسب تفسير المسالك، فانّ ظاهره

أنّ لجائزة السلطان خصوصة مستفادة من النص، وباعتبارها تفترق عن سائر موارد العلم الإجمالي بالحرام. ولا يجري فيها وجوب الإحتياط الثابت في المال المختلط.
وإن أراد من النص صحيحة أبي ولاد، فقد ذكر المصنف «ره» فيها ثلاثة احتمالات، وليس عليها خصوصية لجوائز السلطان، قال أبو ولاد: «قلت لأبي عبداللّه (ع)، ما ترى في رجل يلي أعمال السلطان، وليس له مكسب إلاّ من أعمالهم وانا أمر به وأنزل عليه، فيضيفني ويحسن إلي وربّما أمر لي بالدراهموالكسوة، وقد ضاق صدري من ذلك؟ فقال: خذ منها فلك المهنأ وعليه الوزر»(315).
والاحتمالات (أولها) كون الواصل إلى الشخص من العامل مالاً مشتبهاً بالشبهة البدوية، فان العامل المفروض باعتبار حرمة عمله، يكون كسبه محرماً، وحلية طعامه أو هديته للغير، باعتبار احتمال كونهما من أمواله الشخصية. بالإفتراض أو الشراء في الذمة، لا من أجرة عمله.
و(ثانيها) أن يعلم الآخذ بكون المأخوذ من أجرة عمل العامل. وبما أنّ الأجرة تكون من الخراج أو المقاسمة المباحة للشيعة، فيجوز للأخذ تملكها والتصرف فيها، فله المهنأ، بخلاف العامل، فانّه لا يحل له، فيكون عليه وزرها، إذ لو فرض أنّ المال من غير الخراج والمقاسمة، يكون محرماً على الآخذ أيضاً، باعتبار كونه إمّا ملكاً شخصياً للسلطان وقد أعطاه للعامل أجرة على عمله الحرام، أو ملكاً لسائر الناس وقع بيد العامل جوراً، فلا يكون الإطعام به أو هديته من المالك الشرعي، حتى يحل للاخذ.
و(ثالثها) كون الواصل من الأموال الموجودة عند العامل المعلوم إجمالاً حرمة بعضها، وحلية المأخوذة باعتبار أصالة الصحة الجارية في إطعام العامل وإحسانه، ولا تعارض بأصالة الصحة في سائر الأموال التي عنده، لأنّ أصالة الصحة فيها لا تكون ذات أثر بالإضافة إلى السائل.
(أقول) قد مرّ أنّه لا مجرى لأصالة الصحة في أمثال المقام من موارد الشك في السلطنة على التصرف، فانّ العمدة في وجه اعتبارها هي السيرة التي لم يحرز جريانها في مارد الشك في سلطنة الفاعل. نعم لا بأس بالأخذ بقاعدة اليد بالإضافة إلى المأخوذ من مثل العامل المفروض، ولا تعارض باليد على سائر الأموال التي عنده على ما مر، كما يمكن أن يكون وجه حل المأخوذ للسائل كونه من المال المجهول مالكه، وقد أجاز (ع) تصرف السائل فيه بالتملك أو غيره صدقة عن مالكه، فيكون المال وزراً على العامل لجوره في أخذه، ومهنا للاخذ كما لا يخفى.
وممّا ذكرناه يظهر الحال في رواية أبي المغراء أو غيرها قال: «أمر بالعامل فيجيزني بالدراهم آخذها؟ قال: نعم، وقلت أحج بها؟ قال: وحج بها»(316) فإنّ المفروض كون المأخوذ مجرى لقاعدة اليد، ومقتضاها جواز تملك ذلك المال وصحة التصرفات الجارية عليه.
(لا يقال): لابدّ من حمل الجواز في هذه الأخبار على الحلية الواقعية. و(بعبارة أخرى) تكون مثل صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم جميعاً عن أبي جعف (ع)، قال: «جوائز السلطان لا بأس بها»(317) خاصة يرفع بها اليد عن عموم ما دلّ على حرمة أكل مال الغير بلا رضاه، ويكون المورد نظير ما ورد في لقطة الحيوان: من جواز تملكها مطلقاً، وفي لقطة غيره، من جواز تملكها بعد تعريف سنة، وما ورد في جواز أكل المار من الثمار من طريقه، حتى مع إحراز عدم رضا صاحبه.
(فانّه يقال) المراد بالحلية في الروايات المشار إليها هي الظاهرية، بشهادة مثل صحيحة أبي عبيدة الحذاء، قال (ع) فيها في جواب السؤال عن الشراء من السلطان: «وما الابل إلاّ مثل الحنطة والشعير وغير ذلك لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه»(318) فانّها شاملة للجائزة. وعدم البأس فيها مقيد بعدم عرفان الحرام، نظير سائر الخطابات المتضمنة للأحكام الظاهرية. ويلزم على

القائل بالحلية الواقعية الإلتزام بها حتى في صورة العلم تفصيلاً بحرمة الجائزة، أخذاً باطلاق نفي البأس عن الجائزة.
وربّما يظهر الإلتزام بذلك من المحقق الإيرواني، ولكن مع عدم عرفان مالكه، نعم يمكن دعوى الحلية الواقعية في موردين: (أحدهما) ما إذا أخذ الربا مع جهله بحرمته، بلا فرق بين كون ذلك الربا مخلوطاً بغيره أو متميزاً و(ثانيهما) إذا وصل مال إلى يد الوارث، مع علمه بأنّ فيه ربا، فانّ جميع المال يكون حلالاً للوارث، مع اختلاطه، وفي صحيحة أبي المغراء عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «كل رباً أكله الناس بجهالة، ثمّ تابوا، فانّه يقبل منهم إذا عرف منهم التوبة، وقال: لو أنّ رجلاً ورث من أبيه مالاً، وقد عرف أنّ في ذلك المال رباً، ولكن اختلط في التجارة بغير حلال كان حلالاً طيباً، فليأكله، وإن عرف منه شيئاً أنّه رباً فليأخذ رأس ماله، وليرد الرباء وأيما رجل أفاد ما لا كثيراً قد أكثر فيه الربا، فجهل ذلك ثم عرفه، فأراد أن ينزعه فما مضى له، ويدعه فيما يستأنف»(319).
ومثلها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «أتي رجل أبا عبداللّه (ع)، فقال إنّي ورثت مالاً، وقد علمت أنّ صاحبه الذي ورثته منه قد كان يربي، وقد عرف أنّ فيه رباً، واستيقن ذلك، وليس يطيب لي حلاله لحال علمي فيه، وقد سألت فقهاء العراق وأهل الحجاز، فقالوا لا يحل أكله؟ فقال أبو جعفر (ع): إن كنت تعلم بأن فيه مالاً معروفاً رباً، وتعرف أهله فخذ رأس مالك ورد ماسوى ذلك، وإن كان مختلطاً فكله هنيئاً، فانّ المال مالك واجتنب ما كان يصنع صاحبه“»(320).
وقريب منها غيرها، ولكن الحكم في الوارث خلاف المشهور، بل لم يحضرني الآن قول به من الأصحاب، غيرما ربّما يستظهر من كلام ابن الجنيد، حيث قال في جملة كلام له: (أو ورث ما لا يعلم ان صاحبه يربى، ولا يعلم الربا بعينه فيعزله، جاز له أكله والتصرف فيه إذا لم يعلم فيه الربا) فتأمّل وكيف كان فلا يجري ذلك في سائر المال المختلط بالحرام.
وبهذا يظهر أنّ ما عن السيد اليزدي «ره» من استشهاد على عدم وجوب الاجتناب عن المال المختلط بالحرام بهذه الروايات ـ لا يمكن المساعدة عليه.
وواضح ما في الباب[1].

[1] أي أنّ الأوضح ـ من جهة الدلالة على أنّ جوائز السلطان ليست بخارجة عن قاعدة الشبهة المحصورة لأجل النص ـ عبارة السرائر، حيث قال: (إذا كان يعلم أنّ فيه شيئاً مغصوباً، إلاّ أنّه غير متميز العين، بل هو محفوظ في غيره من أمواله أو غلاته التي يأخذها على جهة الخراج، فلا بأس بشرائه منه، وقبول صلته، لأنّها صارت بمنزلة المستهلك، لأنّه غير قادر على ردّها بعينها) انتهى.
ووجه كونها أوضح عدم استناد ابن ادريس في تجويز الجائزة إلى النص، بل اعتمد فيه على قاعدة الاستهلاك وعدم امكان رد المال بعينه.
فلا إشكال في حرمته حينئذ على الآخذ[2].

[2] أي أنّه لا إشكال في أنّ وقوع المال بيد الجائر لا يكون موجباً لحله على الآخذ ويقع الكلام في فروض.
(الأول) ما إذا علم بحرمة المال قبل أخذه وذكر المصنف «ره» عدم جواز الأخذ في ذلك بغير نية الرد إلى المالك، بلا فرق بين أخذه اختياراً أو تقية. والوجه في عدم الجواز أنّ الأخذ بغير تلك النية تصرف لم يعلم رضاه صاحبه، كما أنّ الشارع لم يأذن فيه، بل قد منع عن التصرف في مال الغير، ورفع الإضطرار أو مشروعية التقية لا يوجب جواز ارتكاب محرم لم يطرأ الإضطرار على خصوصه، بل على الجامع بينه وبين ما هو محلل، كما إذا اضطرإلى شرب أحد ماءين لرفع عطشه المهلك أحدهما طاهر والآخر متنجس، فانّه لا يجوز له شرب المتنجس بعنوان الاضطرار إليه، حيث إنّه لم يطرأ على شربه، ولذا يجب على المصلي مع المخالفين تقية السجود على الارض مع تمكنه عليه، بلا محذور، كما إذا كان المكان مفروشاً بما يصح السجود عليه.
وذكر المحقق الإيرواني «ره» عدم جواز الأخذ حتى بنية الرد إلى المالك، فيما إذا أحرز عدم رضاه بأخذه مطلقاً، بل لا يجوز مع الشك في رضا المالك بأخذه بنية الرد إليه، حيث إنّه يحرز بالاستصحاب عدم رضاه بالأخذ، ولا يكون وضع اليد على المال بنية الرد إلى المالك مع عدم رضاه، إحساناً إليه ليقال بحكومة قوله سبحانه: «وما على المحسنين من سبيل»(321) على أدلة عدم حل التصرف في مال الغير بلا رضاه، ولذا لو باع الأجنبي مال أحد بثمن أغلى ممّا يريد المالك بيعه به، لا يحكم بصحته أخذاً بقوله (وما على المحسنين من سبيل) وكذا لو أراد تزويج بنته من أحد، وزوجها الأجنبي من آخر، مع كون تزويجها منه أصلح بمراتب، فانّه نكاح فضولي.
(أقول) لو أحرز رضا المالك بالبيع المزبور أو رضا الأب بذلك النكاح حكم أيضاً بكونهما من العقد فضولاً، فيحتاج في نفوذه إلى الإجازة، وذلك فانّ قوله سبحانه ـ «وما على المحسنين من سبيل» ـ لا يصحح استناد البيع إلى المالك أو استناد النكاح إلى الزوجة أو وليها لتعمها أدلة الامضاء.

صورة العلم بحرمة الجائزة


وعن السيد الخوئي طال بقاه التفرقة بين صورة إحراز عدم رضا المالك بالأخذ ولو مع نية الرد إليه، وبين الشك في رضاه، وأنّه لا يجوز الأخذ في الاول ويجوز في الثاني، بدعوى أنّه مع إحراز عدم الرضا يكون مقتضى (الناس مسلطون على أموالهم) عدم الجواز، حيث إنّ الأخذ معه معارضة لسلطنة المالك وعدوان على ملكه، ولذا لا يجوز دق باب الغير مع منعه عن دقه. وهذا بخلاف صورة عدم منعه، فانّه لا بأس به، ولا يكون فيه اي معارضه لسلطنة المالك وعدوان على ماله.
(اقول): الصحيح ما يظهر من المصنف «ره» من جواز الأخذ بنية الرد إلى المالك حتى في صورة إحراز عدم رضا المالك بالأخذ، فإنّ الأخذ مع تلك النية إحسان إلى المالك، وإنقاذ لماله، فلا ينافي إحترام المال، الا ترى أنّه لا يكون إنقاذ المال الغريق عدواناً على مالكه، حتى فيما إذا لم يرض بإنقاذه من التلف، ولا يكون عدم رضاه به بداع غير عقلائي مانعاً عن صدق الإحسان على أخذه، والتحفظ عليه من التلف، كذا الحال في فرض دق الباب الغير فيما إذا كان ذلك لانقاذ مالهم من الهلاك، وإخماد النار الواقعة على بيتهم، وهكذا وهكذا.
والحاصل أنّ ما دلّ على حرمة مال الغير وعدم جواز التصرف فيه بلا رضا مالكه منصرف عن مثل هذه التصرفات التي تكون إنقاذاً لمال الغير، فيكون مثل قوله سبحانه: «وما على المحسنين من سبيل» حاكماً بلا معارض. وبهذا يظهر أنّ الجواز في الفرض باعتبار إذن الشارع في ذلك التصرف، وبما أنّ أخذ المال إحسان إلى المالك، فيكون في يد الآخذ أمانة شرعية يترتب عليه أحكامها الآتية.
هذا كله فيما إذا علم بكون المال ملك الغير قبل أخذه وأمّا إذا علم ذلك بعد أخذه بنية التملك، فإن كان هذا العلم بعد تلفه، فلا إشكال أيضاً في ضمانه، كالصورة التي أخذه بنية التملك مع علمه بالحال، وانّما الفرق بينهما في استحقاق العقاب على الأخذ فيها، بخلاف صورة علمه بالحال بعد تلفه، فانّه لا استحقاق مع الحلية الظاهرية. وأمّا إذا علم بالحال وقصد الرد إلى المالك ثم تلف المال في يده، فقد ذكر المصنف «ره» أنّ مقتضى حدوث الضمان عند الأخذ أن يكون المورد من موارد استصحاب الضمان، عكس ما ذكره في المسالك من أنّ المستصحب هو عدم الضمان، بل الحكم بعدم الضمان مناف لما ذكره ـ في مسألة تعاقب الأيدي على مال الغير ـ من عدم الفرق في إيجاب اليد الضمان بين وضعها على مال الغير، مع العلم بالحال أو مع الجهل، فإنّ هذا الكلام كما تري يقتضي كون اليد في المقام، حين حدوثها موجبه للضمان، فيستصحب.

وجوب رد المال الى مالكه


وذكر السيد اليزدي «ره» في تعليقته على المقام: (أنّه بعد علمه بالحال وقصده ردّ المال إلى مالكه، يرتفع عنوان العدوان عن اليد، وينطبق عليها عنوان الإحسان المنافي للضمان) ورد عليه الإيرواني والسيد الخوئي بأنّ طرؤ عنوان الأمانة الشرعية على اليد فيما بعد لا يوجب ارتفاع الضمان كما إذا تاب الغاصب وندم عن عدوانه، وأراد رد المال إلى مالكه، فتلف في طريق رده، فإنّ المشهور أنّ عليه ضمان المال. وكذا فيما إذا وضع اليد على مال بقصد تملكه، جهلاً بالحال. وأخذاً بالحكم الظاهري، كما إذا اشترى متاعاً، ثمّ انكشف كونه غصباً وأراد ارجاعه إلى مالكه فتلف، فإن وضع يده على المال لكونه تصرفاً في مال الغير بلا رضاه حرام واقعاً، وإرادة رده بعد كشف الحال لا تزيد على إرادة الرد في الغاصب النادم، كما هو المقرر في بحث تعاقب الأيدي على مال الغير. والسرّ في ذلك أنّ الأمانة الشرعية لا تثبت على المكلف الضمان.
و(بعبارة أخرى) تلك الأمانة لا تقتضي الضمان، فلا ينافي ثبوته بوجه آخر، والوجه الآخر كون اليد حين حدوثها على المال موجبة للضمان. وهذا الضمان يبقى إلى ردّ المال إلى مالكه، كما هو ظاهر حديث (على اليد) نعم لو أخبر المالك بأنّ عنده ماله، فإذن المالك في الإمساك به يكون هذا ردّ المال إلى مالكه أي تخلية بيته وبين المال، فيرتفع الضمان.
(أقول) الظاهر الفرق بين المثالين وبين المقام، وأنّه لابدّ من الإلتزام بارتفاع الضمان في المقام دونهما، فإن وضع اليد فيهما على مال الغير حرام بحسب الواقع فعلاً أو ملاكاً، كما هو المقرر في مسألة التوسط في الأرض المغضوبة والندم بعده، فانّه بالندم وإرادة الخروج، لا يكون التوسط فيها بالخروج حلالاً، بل هو حرام ملاكاً ولو بحسب الواقع، بخلاف المقام فإن أخذ المال من الجائر بقصد الردّ إلى مالكه باعتبار كونه إنقاذاً لذلك المال حلال واقعاً، فإن كان قصد الردّ من الأول يكون المال في يد الآخذ أمانة شرعية من الأول، ولا ضمان فيها لقوله سبحانه: «وما على المحسنين من سبيل» وإن كان قصد الرد بعد العلم بالحال كان الإمساك بذلك المال إلى رده إلى مالكه حلالاً واقعاً، من حين القصد كما تكون يده عليه أمانة شرعية وبما أنّ عموم على اليد مخصص في موارد الأمانة المالكية أو الشرعية، سواء كان المال أمانة من الأول أو في الأثناء، فلا مجال للاخذ به، ولذا لا أظن أن يلتزم أحد بالضمان، فيما إذا أعلن المالك بأنّ من كان ماله بيده فليمسك به إلى ردّه إليه، وإذا كان هذا حال إذن المالك كان إذن الشارع واقعاً كذلك. وقوله سبحانه: «وما على المحسنين من سبيل» ينفي الضمان لا أنّه لا يثبته حتى لا يكون منافياً لاثبات الضمان باليد حين حدوثها.
وممّا ذكرنا ظهر الفرق بين المقام وبين ما وضع يده على مال الغير عدواناً، ثم خرج من يده بعد وان شخص آخر، وتلف في يد ذلك الآخر، فانّ للمالك الرجوع إلى كل منهما، ووجه الظهور أنّ اليد الحادثة توجب الضمان، وخروج المال عن يده بعد ذلك لا يمنع الضمان، بخلاف المقام، حيث إنّ طرؤ الأمانة على اليد يقتضي عدم ضمانه، كما لا يخفى أيضاً الفرق بين المقام وبين فرض اشتراء المتاع، ثم ظهور كونه غصباً في مسألة تعاقب الأيدي، حيث إنّه لم يفرض فيها كون أخذ ذلك المال من البايع الفضولي إنقاذاً لذلك المال عن التلف، ولذا يكون أخذه أو إمساكه محرماً واقعاً، وكانت الحلية ظاهرية، بخلاف المقام، فان إمساكه مع قصد الرد حلال واقعاً، كما مرّ.
ثمّ إنّه على تقدير تسليم عموم على اليد للمقام ومعارضته بقوله سبحانه: «وما على المحسنين من سبيل» تصل النوبة بعد سقوط الاطلاق من الجانبين إلى أصالة البراءة عن الضمان، لعدم المجال للاستصحاب في الشبهات الحكمية. هذا مع الإغماض عن أنّ حديث على اليد ضعيف سنداً، فلا يصلح للاعتماد عليه، والعمدة في ضمان التلف في اليد، هي السيرة العقلائية التي لم تحرز ثبوتها في مثل المقام.
وعلى أيّ حال فيجب على المجاز ردّ الجائزة[1].

[1] ذكر «ره» الأحكام المترتبة على المأخوذ في الصورة الثالثة، منها وجوب رده إلى مالكه فوراً، وذلك فانّ المقدار الزائد على المتعارف في الإمساك تصرف لم يعلم رضا مالكه به، والشارع قد أذن في إمساكه بعنوان الإحسان إلى مالكه بإنقاذه كما تقدم. والزائد على المتعارف لا يكون إحساناً إليه ولا دخيلاً في إنقاذ ماله.
و(منها) أنّ الواجب في الرد وجوب الاقباض، ويحتمل كفاية التخلية بين المال ومالكه.
(أقول) اللازم في موارد الأمانة هي التخلية بين المال ومالكه، ولو باعلامه بكون المال عنده، وأنّه لا مانع من قبله في أخذه. وأمّا إيصال المال إلى مالكه بحمله إليه، فلا دليل عليه. والمحرم حبس المال عن مالكه والحيلولة بينهما، ولا يكون قوله سبحانه: «إنّ اللّه يأمر أن تؤدّوا الأمانات»، الآية(322) وكذا الروايات الاظاهرة في هذه التخلية. نعم في مورد الاستيلاء على الأموال المنقولة عدواناً يجب إيصالها إلى مالكها، فان إمساكها ولو مع التخلية تصرف لا يرضى به صاحبها ولا الشارع، وكذا الحال في موارد أخذ المال من مالكه لا للإحسان إليه، بل لمصلحة نفسه، كما في موارد العارية أو العين المستأجرة، فإن إبقاء العين فيهما تصرف لا يرضى به صاحبه.
والمتحصل أنّ وجوب إيصال المال إلى مالكه بالاقباض في هذه الموارد باعتبار أنّ الإمساك بالمال يعد تصرفاً في مال الغير ومنافياً لاحترامه. وهذا بخلاف الإمساك في مثل الوديعة أو المجهول مالكه، فإنّ الإمساك بالمال فيهما مع التخلية لا يعدّ تصرفاً منافياً لاحترام المال. ولا يبعد أن تكون السيرة العقلائية أيضاً على هذا القرار فلاحظ.

وجوب الفحص عن المالك


و(منها) لزوم الفحص عن مالك المال في صورة احتمال الظفر به، فإن لزومه باعتبار كون الفحص مقدمة للرد الواجب في مثل قوله سبحانه: «إنّ اللّه يأمر أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها» مع ورود الأمر بالفحص في بعض روايات الدين، والعين المجهول مالكها، بحيث يظهر منها أنّ لزومه حكم المال المجهول مالكه، كمعتبرة يونس ابن عبدالرحمن، قال: «سأل أبو الحسن الرضا (ع) وأنا حاضر ـ إلى أن قال ـ رفيق كان بمكة فرحل منها إلى منزله، ورحلنا إلى منزلنا، فلما أن سرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا، فأي شيء نصنع به؟ قال: تحملونه إلى الكوفة، قال لسنا نعرفه ولا نعرف بلده ولا نعرفت كيف نصنع؟ قال: إذا كان كذا فبعه وتصدق بثمنه، قال: على من جعلت فداك؟ قال: على أهل الولاية»(323) فإنّ مقتضى مفهوم الشرطية في قوله: (إذا كان كذا) عدم جواز التصدق بالمال مع احتمال الظفر بمالكه ولو بالفحص.

حكم المال المجهول مالكه


وقريب منها صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه (ع) «في رجل كان له على رجل حق، ففقده ولا يدري أين يطلبه، ولا يدري أحي أو ميت، ولا يعرف له وارثاً ولا نسباً ولا ولداً، قال: أطلب، قال: إنّ ذلك قد طال فاتصدق به؟ قال: أطلبه»(324) فانّ دعوى أنّ المستفاد منهما ومن غيرهما حكم المال المجهول مالكه بحيث يعم الجائزة المأخوذة من الجائر قريبة جداً. وعلى ذلك فلا محال لما ذكره المصنف «ره» من أنّه يحتمل غير بعيد عدم وجوب الفحص عن مالك المال المأخوذ من الجائر، بأن يجوز التصدق به، أخذاً بإطلاق بعض الأخبار الواردة في التصدق مع عدم معرفة صاحبه، كرواية أبي حمرة عن أبي عبداللّه (ع)، وفيها: «فأخرجت من جميع ما كسبت في ديوانهم، فمن عرفت رددت عليه ماله، ومن لم تعرف تصدقت به»(325).
(أقول): قد ذكرنا ظهور الروايات في لزوم الفحص، وعليه فلابدّ من رفع اليد عن إطلاق مثل هذه بحملها على صورة عدم الظفر على مالك المال بعد الفحص مع أنّ هذه لضعف سندها غير صالحة للاعتماد عليها.
وذكر السيد الخوئي طال بقاه أنّ رواية علي بن أبي حمزة يعارضها قول سبحانه: «إنّ اللّه يأمركم أن تردوا الأمانات إلى أهلها» والمعارضة بالعموم من وجه، لشمول الآية للأمانات المالكية والشرعية، ولكنّها مختصة بصورة التمكن على الرد إلى المالك، كما هو مقتضى الأمر بالرد إليه، ورواية أبي حمزة مختصة بالأمانات الشرعية، ولكنّها مطلقة من جهة التمكن من الرد إلى المالك وعدمه، فإنّ مدلولها وجوب التصدق بالمال، سواء كان متمكناً من رده إلى صاحبه بالفحص أم لا، ففي صورة التمكن من الرد بالفحص عنه تقع المعارضة بينهما، وبعد تساقطهما يرجع إلى ما دلّ على عدم جواز التصرف في مال الغير بلا رضاه، وأنّ حرمة ماله كحرمة دمه.
وفيه أنّه لا تجتمع الآية ورواية أبي حمزة بحسب المورد أصلاً، حتى يقال بتساقط إطلاقي وجوب اداء المال إلى مالكه، ووجوب التصدق به ولو مع احتمال التمكن من الردّ إليه بالفحص، حيث إنّ المال ـ المحكوم عليه في الرواية بوجوب التصدق به مع عدم عرفان مالكه ـ لا يكون من قسم الأمانات لا المالكية ولا الشرعية لتعمه الآية، فالصحيح في الجواب ما تقدم.
و(منها) أنّه لو ادعى المال شخص، ففي سماع دعواه سواء كانت مع توصيفه المال أولا، حيث أنّه تقبل دعوى المالكية فيما إذا كانت بلا معارض، أو مع توصيفه المال، تنزيلاً للمقام باللقطة، أو يعتبر إحراز المالكية بطريق معتبر كالبينة أو الإطمئنان؟ وجوه الأظهر هو الأخير، كما هو مقتضى قوله سبحانه: «إنّ اللّه يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها» وقوله (ع) في موثقة أبي بصير: «حرمة مال المؤمن كحرمة دمه»(326) فإنّ مقتضاها أيضاً لزوم ردّ المال إلى مالكه، ولا دليل على أنّ مجرد دعوى المالكية طريق شرعي إلى إحراز المالك، حتى مع توصيف المال، وحتى في باب اللقطة. وأصالة الصحة في دعواه لا تثبت أنّ المال ملكه، بل مدلولها عدم نسبة الكذب إليه بتلك الدعوى، كما هو مقتضي حمل فعل المسلم على الصحيح، بمعنى عدم صدور الحرام منه. نعم إذا لم يكن الشخص واضعاً يده على المال حتى يجب عليه رده إلى مالكه، فلا يبعد أن يجوز له المعاملة مع مدعيه معاملة المالك، وفي رواية منصور بن حازم عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «قلت عشرة كانوا جلوساً في وسطهم كيس فيه ألف درهم، فسأل بعضهم بعضاً ألكم هذا الكيس؟ فقال كلهم: لا، وقال واحد منهم هو لي، فلمن هو؟ قال: للذي ادعاه»(327) وظاهرها سماع دعوى الملكية، ولكنّها ضعيفة سنداً، فإنّ محمد بن الوليد الواقع في سندها هو الخراز المعتبر أو الصير في الضعيف، كل محتمل، إلاّ أنّها تصلح لتأئيد ما ذكرنا، لأنّ سماع الدعوى في الفرض مقتضى السيرة العقلائية كما لا يخفى.
ثمّ إنّه إذا لم يكن الشخص مستولياً على مال الغير كما في الحيوان إذا دخل داره أو الثوب جائت به العاصفة، فلا يبعد القول بعدم لزوم الفحص عن مالكه، بل يجب الرد إليه إذا عرفه ولو بعد حين، كما يشهد لذلك ذيل صحيحة أبي نصر، قال: «سألت أبا الحسن الرضا (ع) عن الرجل يصيد الطير الذ يسوي دراهم كثيرة، وهو مستوي الجناحين، وهو يعرف صاحبه أيحل له إمساكه؟ فقال: إذا عرف صاحبه رده عليه، وإن لم يكن يعرفه وملك جناحه فهو له، وإن جائك طالب لا تتهمه رده عليه»(328) وظاهر عدم اتهامه الوثوق بقوله، ولكن في دلالتها على ما ذكرنا تأمل كما لا يخفى.
و(منها) أنّه لو احتاج الفحص عن المالك إلى بذل المال، فهل يجب الفحص والبذل على الآخذ أ لا؟ لا ينبغي التأمل في وجوب الفحص على الآخذ، سواء كان الفحص موقوفاً على صرف المال أو عدمه، ويقتضيه إطلاق الأمر بالطلب في مثل صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة، وإطلاق وجوب الرد في الآية المباركة، وصرف المال من كيس المالك المجهول بالاستدانة عليه أو بيع بعض المال، ويكون المتصدي للبيع والاستدانة الحاكم الشرعي أو وكيله ولكن لا دليل على شيء من ذلك في موارد كون الأخذ بعنوان العدوان أو للجهل، بحيث لا يكون الآخذ معه محسناً إلى المالك. وحديث نفي الضرر لا ينفي وجوب الرد في تلك الموارد، لأنّ صرف المال من كيس المالك أو عدم وجوب الرد إلى المالك ضرر على المالك. ويختص جريان نفي الضرر بموارد كون النفي للامتنان.
نعم لو كان الأخذ إحساناً إلى المالك كما في موارد إنقاذ المال من التلف، يكون مقتضى آية نفي السبيل عدم وجوب صرف المال من كيس الآخذ، فتعين الاستدانة أو بيع بعض المال، ويباشر بذلك الحاكم أو وكيله من باب الحسبة، وبهذا يظهر الحال في اللقطة أيضاً، فإن أخذها في موضع التلف يوجب كونه محسناً، فلا يجب عليه تحمل مؤنة إيصالها إلى مالكها أو أجرة تعريفها، بخلاف ما التقطها في موضع يؤمن عليها من التلف كما لا يخفى.
و(منها) أنّ الفحص عن المالك في المقام لا يقيد بالسنة، بل الجاري عليه حكم مطلق المال المجهول مالكه وهو وجوب الفحص، حتى يحصل الاطمينان بعدم إمكان الظفر بالمالك المعبر عنه في بعض الكلمات باليأس. ومادام لم يحصل هذا اليأس، لا يجوز التصرف في المال بالتصديق، سواء كان ذلك قبل تمام السنة أو بعدها بخلاف اللقطة، فانّه يجوز التصرف فيها بالتصدق أو بالتملك بعد تمام سنة الفحص، ولو مع عدم اليأس عن الظفر بمالكها.
وبعبارة أخرى الإطمئنان بعدم الظفر بالمالك طريق معتبر إلى عدم التمكن من رد المال إلى صاحبه، فيسقط معه وجوب رده إليه بطلبه. ولا دليل على تنزيل المقام باللقطة. نعم ربّما يذكر على ذلك رواية حفص بن غياث عن أبي عبداللّه (ع) «عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم ومتاعاً، واللص مسلم هل يرد عليه؟ فقال: لا يرده، فإن أمكنه ان يرده على اصحابه فعل، وإلاّ كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها، فيعرفها حولاً، فإن أصاب صاحبها ردها عليه، وإلاّ تصدق بها، فإن جاء طالبها بعد ذلك خيره بين الأجرة والعزم“»(329).
ولكنّها باعتبار الخدشة في سندها غير صالحة للاعتماد عليها، ولعله لذلك الحقا في النهاية والتحرير الوديعة بمطلق المجهول مالكه، خلافاً لما عن المصنف وغيره من التعدي من اللص إلى مطلق الغاصب والظالم، وعدم التعدي من الوديعة إلى غيرها.
نعم في السرائر فيما نحن فيه يعني في جوائز السلطان روي أنّها بمنزلة اللقطة ولعل هذا مبني على التعدي من موارد الرواية، لا أنّ في البين رواية أخرى واردة في جوائز السلطان، ودالة على أنّها مع العلم بحرمتها بمنزلة اللقطة كما لا يخفى.
و(منها) أنّ الحكم المال فيما نحن فيه بعد اليأس عن الظفر بمالكه قبل الفحص أو بعده هو التصدق به عن مالكه، كما في سائر المال المجهول مالكه، والحكم بالتصدق هو المشهور، وفي السرائر (أنّ الجائزة مع العلم بحرمتها ترد إلى أربابها فإن لم يعرفهم واجتهد في طلبهم فقد روي أصحابنا أنّه يتصدق بها) وذكر المصنف «ره» أنّ هذه المرسلة يجبر ضعف سندها بالشهرة المحققة، ويؤيد مضمونها أنّ التصدق أقرب طريق للإيصال إلى المالك. ولا يبعد دعوى كون التصدق بالمال عن مالكه ممّا يعلم رضا المالك به بشهادة الحال. وما في السرائر ـ بعد نقل المرسلة من أنّ الأحوط حفظ المال والوصية به ـ فهو إيقاع المال في معرض التلف.
(أقول): من المحتمل قريباً أن يكون قول ابن إدريس أنّه قد روى أصابنا (الخ) من جهة استفادته من رواية علي بن أبي حمزة المتقدمة، فلا مجال للقول بأنّها مرسلة مؤيدة بأخبار اللقطة وبالخبر الوارد في كسب المال في ديوان بني أمية وغيره، بل لابدّ من ملاحظة تلك الأخبار والإغماض عن دعوى وجود المرسلة كما لا يخفى.
ومن العمدة في الباب معتبرة يونس المتقدمة المؤيدة ببعض الأخبار الوارد فيها الأمر بالتصدق كرواية علي بن أبي حمزة المتقدمة، وبها يرفع اليد عن إطلاق الأمر بالطلب في صحيحة معاوية بن وهب الآمر بطلب المالك، بأن يحمل وجوب الطلب على صورة عدم اليأس عن المالك، فلا تنافي وجوب التصدق بعد ذلك.
وذكر المصنف «ره» تأييد الحكم بالأمر بالتصدق بما يجتمع عند الصياغين وقد ورد ذلك الأمر في روايتين لعلي بن ميمون الصائغ، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عما يكنس من التراب فأبيعه فما أصنع به؟ قال: تصدق به، فامّا لك وامّا لأهله، قلت: فإن فيه ذهباً وفضة وحديداً، فبأيّ شيء أبيعه؟ قال بعه بطعام، قلت: فإن كان لي قرابة محتاج أعطيه منه؟ قال: نعم»(330) وفي الأخرى، قال: «سألته عن تراب الصواغين وأنا نبيعه قال: أمّا تستطيع أن تستحله من صاحبه؟ قال: قلت لا، إذا أخبرته اتهمني، قال: بعه، قلت بأي شيء نبيعه، قال بطعام، قلت: فأي شيء أصنع به؟ قال تصدق به، أمّا لك وإمّا لأهله، قلت: إن كان ذا قرابة محتاجاً أصله، قال: نعم»(331).
ولكنّهما ضعيفتان سنداً: ودلالة أمّا سنداً، لعدم ثبوت وثاقة علي بن ميمون الصائغ، نعم ذكر الكشي رواية في مدحه، الا أنّ راويها نفس علي بن ميمون، ولا يصح اثبات وثاقة شخص أو مدحه برواية نفسه، وأمّا دلالة، فلأنّ التصدق في الروايتين استحبابي فكيف تصلحان للتأييد، والوجه في كونه استحبابياً انّ المفروض فيها ملك للصائغ كلا أو بعضاً، فلا يجب عليه التصدق بماله. واحتمال كون التصدق واجباً بالإضافة إلى حصة الآخرين فقط خروج عن ظاهرهما، فإنّ ظاهرهما كون جميع المال محكوماً بالتصدق به.
ثمّ إنّ في الرواية الثانية شبهة أخرى، وهي سقوط احترام مال الغير وجواز التصدق به بمجرد كون إيصاله إليه أو الاستحلال منه مورد التهمة. وهذا لا يمكن الإلتزام به. وبرواية أبي علي ابن راشد، قال: «سألت أبا الحسن (ع)، قلت: جعلت فداك اشتريت أرضاً إلى جنب ضيعتي بالفي درهم، فلما وفرت المال خبرت أنّ الأرض وقف، فقال: لا يجوز شراء الوقف ولا تدخل الغلة في ملكك، إدفعها إلى من أوقفت عليه، قلت: لا أعرف لها رباً، قال: تصدق بغلتها»(332).
والمراد بالغلة إمّا ثمرة البستان أو أجرة الأرض. وأمّا الزرع فانّه لمالك البذر لا لمالك الأرض حتى يتصدق به عنه. والرواية لا بأس بها من حيث السند، لأنّ اباعلى من الممدوحين على ما ذكر الشيخ «ره» ومحمد بن جعفر روي عنه علي بن إبراهيم في تفسيره، ولا تقصر في الدلالة على لزوم التصدق بمجهول المالك عن معتبرة يونس المتقدمة. وفي مقابل ذلك كله ما يستظهر منه عدم وجوب التصدق بالمال المجهول مالكه، كصحيحة علي بن مهزيار، حيث ذكر فيها من الغنيمة التي يجب فيها الخمس مال يؤخذ ولا يعرف ولا يعرف له صاحب(333) واستظهر منه المحقق الهمداني جواز تملك مجهول المالك وكونه ملكاً لمن يقع بيده، وأصر عليه الإيرواني «ره».
ولكن الصحيح أنّ الرواية في مقام بيان ما يجب فيه الخمس بعد فرض تملكه أو صيرورته ملكاً، وانّه ممّا يجب فيه الخمس هو المال المجهول مالكه، لا في مقام بيان صيرورة المال ملكاً لمن يقع بيده، وعلى ذلك فيمكن أن يختص جواز تملك المال المجهول مالكه بمورد خاص، كاللقطة بعد تعريفها سنة، أو كون الآخذ فقيراً ونحو ذلك. ولذا لا يمكن الأخذ بالإطلاق في سائر ما ذكر فيها، كقوله (ع): «ومثل عدو يصطلم، فيؤخذ ماله» حيث لا يجوز الحكم بجواز تملك مال العدو مطلقاً، حتى فيما إذا كان مسلماً، وموثقة هشام بن سالم، قال: «سأل حفص الأعور أبا عبداللّه (ع) وأنا عنده جالس، قال: إنّه كان لأبي أجير كان يقوم في رحاه. وله عندنا دراهم، وليس له وارث؟ قال، أبو عبداللّه (ع): تدفع إلى المساكين، ثم قال رأيك فيها ثم أعاد عليه المسألة، فقال له مثل ذلك، فأعاد عليه المسألة ثالثة، فقال أبو عبداللّه (ع) تطلب وارثاً، فإن وجدت وارثاً وإلاّ فهو كسبيل مالك»(334) وظاهر هذه عدم وجوب التصدق بالمال المتعذر الوصول إلى مالكه أو المجهول مالكه، بل يجوز إبقاؤه إلى أن يجيء له طالب. ولذا جمع السيد اليزدي «ره» بينهما وبين ما تقدم بحمل الأمر بالتصدق على الواجب التخييري.
والحاصل أنّ المكلف بعد الفحص عن المالك وعدم الظفر به يكون مخيراً بين التصدق بالمال وبين إبقائه والوصية بأنّ المال المزبور من المجهول مالكه. وهذا مع احتماله الظفر به بعد ذلك ـ ولو باحتمال ضعيف ـ كما هو مقتضى الأمر بإبقاء المال لطالبه.
أقول لا يبعد أن يكون المال المسئول عن حكمه فيها من الكلي على الذمة، والحكم فيه بالتصدق لا يكون لزومياً، بل يجوز تركه والوصية به، ولا يكون على المكلف شيء مع عدم مجيء طالبه، غاية الأمر يتقيد ذلك بما بعد الفحص والطلب واليأس، جمعاً بينهما وبين مثل صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة.
(لا يقال) قول السائل وله عندنا دراهم يحتمل الدين والعين، فإنّه فرق بين قول القائل له علينا دراهم وقوله له عندنا دراهم، فالأول يختص بالدين والثاني يعم العين والدين والمذكور في الرواية هو الثاني (فإنّه يقال): نعم ولكن هذه الرواية رواها الكليني بطريق آخر، وظاهرها اختصاص الواقعة بالدين.
والحاصل أنّ ظاهر ما تقدم وجوب التصدق بالعين المجهول مالكها بعد الفحص واليأس عن الظفر به، ولا تصلح هذه الصحيحة لرفع اليد عنه، لعدم إحراز ظهورها في غير موارد الدين كما لا يخفى. ورواية نصر بن حبيب صاحب الخان، قال: «كتبت إلى عبد صالح (ع) لقد وقعت عندي مأتا درهم وأربعة دراهم، وأنا صاحب فندق، وقد مات صاحبها ولم أعرف له ورثة، فرأيك في اعلامي حالها، وما أصنع بها فقد ضقت بها ذرعاً، فكتب أعمل فيها وأخرجها صدقة قليلاً قليلاً، حتى يخرج»(335) وظاهرها تجويز للتصرف في المال المفروض فيها، والتصدق بمقداره قليلاً قليلاً من منافعه، ولكن الرواية ضعيفة سنداً، ولا أعلم الإفتاء بمضمونها من أحد، ولعل المال كان لمن لا وارث له وانتقل إلى الإمام (ع) بالإرث، فإذن لمن بيده في التصرف فيه بالنحو المزبور، ورواية الهيثم بن أبي روح صاحب الخان، قال: «كتبت إلى عبد صالح أنّي أتقبل الفنادق، فينزل عندي الرجل فيموت فجأة ولا أعرفه ولا أعرف بلاده ولا ورثته، فيبقى المال عندي كيف أصنع به؟ ولمن ذلك المال؟ قال: أتركه على حاله»(336) وهذه أيضاً ضعيفة سنداً، ومع الإغماض عن سندها فيقيد إطلاق وجوب إبقاء المال بما لم يحصل اليأس عن صاحبه، وإلاّ يتصدق به كما هو مقتضى الجمع بين هذه وما تقدم. ويظهر من بعض الأخبار أنّ المال المجهول مالكه ملك للإمام (ع) فيجري عليه ما يجري على سائر ماله (ع). وفي رواية داود بن أبي يزيد عن أبي عبداللّه (ع) قال: «قال رجل: إنّي قد أصبت مالاً وأنّي قد خفت فيه على نفسي، ولو أصبت صاحبه دفعته إليه وتخلصت منه؟ قال: فقال أبو عبداللّه (ع): واللّه لو أن أصبته كنت تدفعه إليه؟ قال: أي واللّه، قال: فانا واللّه ما له صاحب غيري، قال: فاستحلفه أن يدفعه إلى من يأمره، قال: فحلف، فقال: اذهب فاقسمه بين إخوانك ولك الأمن ممّا خفت منه، فقال فقسمته بين إخواني»(337).

في تعيين من يجب عليه التصدق بالمال المجهول مالكه


وذكر المصنف «ره» أنّه مع الإغماض عن الأخبار الواردة في حكم المال المجهول مالكه أو المعتذر الوصول إليه، يتعين على من يقع المال بيده دفعه إلى الحاكم، لأنّ له على المالك الغائب أو المجهول ولاية، وإذا دفعه إليه ينظر الحاكم إلى شهادة الحال، فلو أحرز رضاه بالتصدق أو الإمساك له فعل ذلك، وإذا لم يحرز رضاه بأحدهما جاز له كل منهما، كما هو الحال في جميع موارد دوران الفعل بين الوجوب والحرمة، ولا يكون عليه ضمان، سواء أمسك المال أو تصدق به كما هو مقتضى تصرف الولي في المال لمصلحة المولى عليه، ولكن يختص التخيير في موارد دوران أمر الفعل بين الوجوب والحرمة بما إذا لم يكن في البين أصل معين لأحد التكليفين. وفي المقام أصالة الفساد في التصدق أو أصالة عدم رضا المالك بغير الإيصال له، تعين وجوب الإمساك. وأمّا بملاحظة تلك الأخبار فظاهرها عدم جواز الإمساك ووجوب التصدق، فيكون الإمساك تصرفاً لا يعلم رضا صاحبه به ولا رضا الشارع.
ثمّ إنّه بملاحظة الأخبار يجب التصدق على من يكون المال بيده، غاية الأمر لا تعتبر المباشرة في التصدق، بل يجوز له إيكاله إلى الحاكم، لأنّه أعرف بموارد التصدق، وله على الفقراء ولاية، بأن يأخذ ما يجب دفعه إليهم من الصدقات الواجبة وغيرها. ويحتمل أن لا يجوز له التصدق، بل يجب دفع المال إلى الحاكم أو الاستئذان منه، لأنّ التصدق وظيفة الحاكم، ومنشأ ذلك أنّ المذكور في الأخبار ـ وهو وجوب التصدق بالمال ـ هل هو من قبيل بيان وظيفة من يكون المال بيده، أو أنّ الأمر بالتصدق فيها باعتبار كون أمره (ع) توكيلاً في التصدق، أو تكون الأخبار ناظرة إلى مصرف ذلك المال. ويؤيده كونها لبيان المصرف، أنّ جملة من الأفعال التي يكون القيام بها موقوفاً على إذن الحاكم، مذكورة في الأخبار بطريق الحكم العام، أي لم يذكر أنّها مختصة بما إذا كان بإذن الحاكم، ككون إقامة البينة وظيفة المدعي، والحلف وظيفة المنكر، والمقاصة من الممتنع للحق جائز وغير ذلك.
والحاصل أنّه لم يتم ظهور الأخبار في بيان وظيفة من يكون المال بيده، بل يحتمل كون الوارد فيها توكيلاً من الإمام (ع) أو بياناً لمصرف المال. وعليه فالأحوط الاقتصار على المتيقن بالرجوع إلى الحاكم الشرعي بالدفع إليه، أو الاستئذان منه، خصوصاً بملاحظة رواية داود بن أبي يزيد الدالة على أنّ المجهول مالكه ملك الإمام المحمولة على ولايته (ع). ويتأكد هذا الإحتياط فيما كان المجهول مالكه من قبيل الكلي في الذمة، فانّه لا يتعين في العين الخارجية، إلاّ بقبض المستحق أو وكيله أو وليه.
(أقول) نظير المقام ما ورد في التصديق باللقطة، ولو صح حمل الأخبار في المقام على التوكيل أو بيان المصرف لجرى ذلك في أخبار اللقطة أيضاً، مع أنّه لا أظنّ أن يلتزم بذلك المصنف «ره» أو غيره. وأمّا رواية داود بن أبي يزيد الظاهرة في كون مجهول المالك ملك الإمام (ع)، فلضعف سندها لا يمكن الإعتماد عليها أو حملها على الولاية.
والحاصل أنّه مع ظهور الأخبار في أنّ وظيفة من بيده المال، التصدق به ليست للحاكم ولاية بالإضافة إلى ذلك المال، فإنّ ولاية الحاكم على الغائب مستفادة من الحسبة، ومع ولاية غيره ـ على الإمساك بذلك المال والتحفظ به مادام يحتمل الظفر بمالكه وبالتصدق بعده ـ لا مجال لاثبات الولاية له ومجرد كونه أعرف لا يصلح لاثبات الولاية، وإلاّ لزم ولاية الاعرف على الفقراء وإن لم يكن حاكماً.
ثم إنّ مستحقّ هذه الصدقة[1].

[1] وحاصله أنّه يعتبر في مستحق هذه الصدقة أيضاً الفقر، لأنّ الأمر بالتصدق بمال ظاهره الأمر بإعطائه للفقير (أقول): يمكن أيضاً استظهار اعتباره من قوله سبحانه: «إنّما الصدقات للفقراء» بدعوى عدم إنصرافها إلى الزكاة الواجبة فتأمل. وذكر «ره» في وجه جواز إعطائه للهاشمي أنّ التصدق بالمال المجهول مالكه صدقة مندوبة من مالكه، ومن يكون المال بيده، نظير الوكيل والوصي مباشر لتلك الصدقة المندوبة، فلا بأس بتمليكه للهاشمي.
وفي وجه عدم جواز إعطائه له أنّه فرق بين المباشر في المقام والوكيل والوصي، حيث إنّ الوكيل والوصي يقومان بالعمل بأمر الموكل والموصي، فيستند عملها إليهما، بخلاف المقام فانّ قيام من بيده المال بالتصدي بحكم الشارع، فلا ينتسب هذا التصدق إلى مالك المال، بل لا يحرز وقوعه عنه، فانّه ربّما لا يرضى به بعد ظهوره، فيقع التصدق عن المباشر.
وفيه أنّ الممنوع إعطائه للهاشمي هي الزكاةالمفروضة على الناس فقط، ولا يكون منها الصدقة الواجبة في المقام، سواء قلنا بانتسابها إلى المالك المال أو إلى من بيده المال. وفي معتبرة إسماعيل بن الفضل الهاشمي، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن الصدقة التي حرمت على بني هاشم ما هي؟ فقال: هي الزكاة، قلت فتحل صدقة بعضهم على بعض؟ قال: نعم»(338) وفي صحيحة جعفر بن إبراهيم الهاشمي عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «قلت له: أتحل الصدقة لبني هاشم؟ فقال: إنّما الصدقة الواجبة على الناس لا تحل لنا، وأمّا غير ذلك فليس به بأس»(339) فإن تقييد الواجبة بالظرف أي على الناس، ظاهره الإشارة إلى الواجبة في مثل قوله عزّ من قائل: «أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة“».
ثمّ إنّه يعتبر في استحقاق هذه الصدقة أيضاً الايمان، كما هو ظاهر صحيحة يونس المتقدمة.

في ضمان المتصدق


ثم إنّ في الضمان لو ظهر المالك ولم يرض بالتصدّق[1].

[1] لو ظهر المالك وأظهر عدم رضاه بالتصدق، ففي ضمان المال وجوه: (الأول) الضمان مطلقاً (الثاني) عدمه مطلقاً (الثالث) عدم الضمان فيما لم يترتب على المال يد ضمان من الأول، كما إذا أخذ المتصدق المال من الجائر بعنوان انقاه وإيصاله إلى مالكه المعبر عن ذلك بالأخذ حسبة، والضمان في غيره، ووجه عدم الضمان مطلقاً استصحاب براءة عهدة المتصدق، حيث لم يكن له ضمان قبل ظهور المالك وعدم رضاه بالتصدق.
وذكر «ره» في الإيراد على ذلك «أولاً» أنّ استصحاب البراءة يختص بما إذا لم يسبق يد ضمان إلى المال، وإلاّ فيستصحب الضمان لا عدمه و(ثانياً) أنّ الأوجه الضمان مطلقاً، لاستصحاب الضمان فيما إذا كان حاصلاً قبل التصدق، ويقدم هذا الاستصحاب على أصالة البراءة عن الضمان في سائر الموارد، باعتبار عدم القول بالفصل بين الموارد في الضمان، وكان جميع موارد التصدق بالمال المجهول مالكه كالمورد الواحد الذي يجري فيه استصحاب الضمان.
(أقول): غاية الأمر أن يكون في البين إجماع على عدم الفصل بين موارد التصدق بالمال المجهول مالكه بحسب حكمها الواقعي من الضمان وعدمه. وأمّا الحكم الظاهري، فيلاحظ تحقق الموضوع لأي أصل في كل مورد من موارد الشك، من استصحاب البراءة أو استصحاب الضمان أو غيرهما من الأصول هذا (أولاً).
و(ثانياً) يمكن العكس بأن يحكم بعدم الضمان في جميع الموارد الحاقاً لموارد استصحاب الضمان بموارد استصحاب عدم ثبوت المال على العهدة بعدم القول بالفصل.
و(ثالثاً) أنّ المراد بالضمان في المقام ـ ثبوت المال في العهدة باظهار المالك عدم رضاه بالتصدق على قرار الضمان في اللقطة، وليس لهذا الضمان حالة سابقة، فالضمان السابق قد انقطع بالتصدق، وحدوث غيره بعد ذلك مشكوك فيه.
والمتحصل أنّه لو وصلت النوبة إلى الأصل العملي في المقام فمقتضاه عدم الضمان مطلقاً. نعم قد يقال بالضمان مطلقاً أخذاً بقاعدة اتلاف مال الغير.
(لا يقال): الإتلاف في المقام يكون بإذن الشارع وأمره، والإتلاف بإذنه كالإتلاف بإذن المالك لا يوجب الضمان، كالإذن في أكل المار من الثمرة في طريقة: (فانّه يقال) يحتمل أن يكون إذنه في المقام في الاتلاف نظير إذنه في التصرف في اللقطة، وفي ايداع الغاصب مال الغير عنده، فأنّه لا يجوز له رده إلى الغاصب، بل يجب عليه ـ بعد تعريف المال سنة كاملة ـ التصدق به مع الضمان، كما دلت عليه الرواية، بل ليس في المقام رواية دالة على التصدق بالمال ساكتة عن ذكر الضمان، مع ظهور المالك حتى يستظهر عدم الضمان من السكوت في مقام البيان.
(أقول): قد ذكرنا أنّ الضمان المطلوب في المقام ـ نظير الضمان المطلوب في مورد التصدق باللقطة ـ لا يثبت بقاعدة الإتلاف، فإنّ مقتضى تلك القاعدة ثبوت المال بالتصدق، على عهدة المتلف وقد عبر المصنف «ره» عن ذلك بكون الإتلاف علة تامة للضمان. والمطلوب في المقام ثبوت المال على العهدة بإظهار المالك عدم رضاه بالتصدق، وقد عبر «ره» عن ذلك بالضمان المراعي بعدم إجازة المالك، وهذا الضمان يحتاج إلى دليل آخر غير قاعدة الإتلاف، نظير ما قام عليه في اللقطة. والإلتزام ـ في المقام أيضاً بالضمان بمجرد التصدق وارتفاعه بإجازة المالك لقاعدة الإتلاف ـ غير ممكن، لاستلزامه ثبوت المال على العهدة وعدم انتقال جميع التركة إلى الورثة، حتى فيما إذا لم يظهر المالك بعد التصدق ليظهر رضاه أو عدمه. وما تقدم من عدم ثبوت رواية في المقام ساكتة عن الضمان عجيب، فإنّه لم يكن من الضمان في الروايات المتقدمة، ذكر ولو كان في البين ضمان لورد ذكره في تلك الروايات، نظير وروده في أخبار باب اللقطة.
والحاصل أنّه لو لم يكن عدم الضمان مقتضى الإطلاق في الروايات المتقدمة فلا ينبغي الريب في أنّه مقتضى الأصل. بل ذكر السيد الخوئي طال بقاه أنّ ثبوت الضمان في المقام بقاعدة الإتلاف غير ممكن، فانّ القول به يستلزم التسلسل، فانّه إذا تصدق بالمال المجهول مالكه يثبت بدله في ذمته. وبما أنّ البدل أيضاً مالكه مجهول، يجب التصدق به أيضاً. ويجري الكلام في بدل هذا البدل، وهكذا. ولا يقاس المقام باللقطة، فانّ الثابت على الذمة لا تكون لقطة حتى يجب التصدق به أيضاً.
ولا يخفى ما فيه، فانّ وجوب التصدق لا يكون حكماً لأي مال مجهول مالكه نظير الأحكام العقلية حتى يوجب الإلتزام به ذلك المحذور أو غيره بل حكم ورد في بعض الموارد، وتعدينا منها إلى موارد أخرى من الأموال الخارجية، وإلى الديون التي تثبت على الذمة من غير ناحية التصدق. والصحيح أنّ الضمان بقاعدة الإتلاف مختص بموارد الإتلاف على المالك، كمن يأكل طعام الغير للإضطرار وإنقاذ حياته، ولا تعم القاعدة موارد الإتلاف إحساناً إلى المالك، كما في المقام، والضمان بنحو آخر نظير الثابت في موارد اللقطة لم يقم عليه دليل. والأصل عدمه واللّه العالم.
وأمّا الصورة الرابعة[1].

[1] وهي ما إذا علم إجمالاً باشتمال المأخوذ من الجائر على الحرام، وذكر المصنف «ره» فيها فروضاً: (الأول) حصول الشركة بنحو الإشاعة بإمتزاج الحلال والحرام بنحو لا يمكن التمييز بينهما، كما في مزج أحد المايعين بالآخر مع العلم بقدر الحرام ومالكه (الثانى) حصول الشركة كما ذكر ولكن مع الجهل بقدر الحرام ومالكه (الثالث) حصول الشركة مع العلم بقدر الحرام وجهل مالكه (الرابع) حصولها مع عرفان المالك، وجهالة مقدار الحرام (الخامس) عدم إيجاب الإشتباه في الفرض الشركة، كما إذا كان المالان قيميين، والحكم في الفرض الأول هو كون المأخوذ فيه ملكاً للاخذ، وذلك الغير، بنحو الإشاعة بالنسبة المعلومة، فلا يجوز لأحدهما التصرف فيه بدون رضا الآخر، ولكل منهما مطالبة الآخر بالقسمة. والحكم في الفرض الثاني، إخراج خمس المال على ما ذكر في كتاب الخمس، وفي الفرض الثالث ما مرّ في الصورة الثالثة من صور الجائزة، فإنّ الفرض داخل فيها حقيقة، وفي الفرض الرابع يجب التخلص من الحرام بالمصالحة مع مالكه، وفي الفرض الخامس يكون تعيين المال الحرام بالقرعة، أو بيع جميع المال، فتحصل الشركة في ثمنه.
(أقول): ما ذكره ـ في الفرض الرابع من لزوم المصالحة مع مالك المال الحرام ـ غير صحيح، بل يحكم بأنّ السهم المشاع في ذلك المال هو الأقل، أخذاً بمقتضى يد الجائر الجارية على جميع المال، فانّه لم يعلم عدم مالكيته للمال، إلاّ بالإضافة إلى السهم الأقل، وكذا لا يمكن المساعدة على ما ذكره في الفرض الخامس، لأنّه إذا كان الحرام ومالكه مجهولين يجري فيه ما ذكروه في إخراج الخمس من المال من المختلط، حيث إنّ المذكور يعم ما إذا لم يكن الاختلاط موجباً للشركة بنحو الإشاعة، وإذا كان مالكه معلوماً وقدر الحرام مجهولاً، كما إذا أخذ من الجائر ثلاث شياة، وعلم بأنّ بعضها مال زيد، وذلك البعض مردد بين كونه شاة أو شاتين، ففي مثل ذلك لا علم بمخالفة مقتضى يد الجائر الجارية عليها، إلاّ بالإضافة إلى الواحدة، فيكون تعيين تلك بالقرعة. وبهذا يظهر الحال فيما إذا كان القدر والمالك معلومين، فانّه باعتبار الاشتباه وعدم حصول الإشاعة يكون التعيين بالقرعة.

جريان الأحكام الخمسة على أخذ المال من الجائر


اعلم أنّ أخذ المال[1].

[1] إنّ أخذ ما بيد الظالم من المال يجري عليه الأحكام الخمسة، وباعتبار نفس المال يكون فيه الكراهة والوجوب والحرمة. والظاهر أنّ مراده تعلق الأحكام الخمسة بأخذ المال من الجائر باعتبار انطباق العناوين المختلفة على نفس ذلك الأخذ، ككونه مقدمة للانفاق الواجب أو التوسعة لعياله، أو كونه ترويجاً للباطل والجور. وهكذا فيكون الأخذ متعلقاً للأحكام الخمسة، حتى في فرض إحراز كون المال ملك الجائر واقعاً. ومراده من نفس المال تعلق الحرمة أو الوجوب أو الكراهة بالأخذ من جهة المال، ككونه من المال المشتبه أو مال الغير مع عدم رضاه بالأخذ، أو كون أخذه إنقاذاً للمال المحترم من التلف، حيث يجب الأخذ مع حسبه، وإلاّ فلا يتعلق حقيقة، الأحكام التكليفية التي منها الحرمه والوجوب والكراهة بغير الفعل.

وأمّا ما ذكره «ره» من أنّ استنقاذ حقوق السادة والفقراء ولو بعنوان المقاصة من موارد وجوب الأخذ من جهة المال، ويجوز هذا التقاص لآحاد الناس عند تعذر الاستيذان من الحاكم، (فقيه) بأنّ جواز التقاص لآحادهم يتوقف على ولايتهم على تلك الأموال، ولو عند تعذر الحاكم، وفي ثبوت الولاية لهم تأمل، ولا يكفى في جوازه مجرد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلاّ لجاز التقاص ولو عند التمكن من الاستيذان، لعدم اشتراط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالاستيذان، ولجاز لزيد أيضاً التقاص من مال عمرو لشخص آخر من باب النهي عن المنكر. ولا أظنّ أنّ المصنف «ره» أو غيره يلتزم بذلك.
من جملة ديونه[1].

[1] حاصله أنّه لا فرق في الدين الثابت في ذمة الجائر، بين ثبوته بالاقتراض أو شراء شيء بذمته، أو تلف ما وضع عليه يده من أموال الناس عدواناً، أو اتلافها، فإنّ جميع ذلك دين يترتب عليه أحكامه.
وذكر بعض الأساطين ـ وهو كاشف الغطاء على ما قيل ـ أن بدل متلفاته غصباً من المثل والقيمة وإن كان ديناً حقيقة، نظير سائر ما عليه من الديون، إلاّ أنّه لا يجري بعد موت الجائر على ذلك البدل حكم الدين، بأن يكون خارجاً عن التركة قبل الوصايا والميراث، وذلك لأمرين: (أحدهما) انصراف الدين عنه في مثل قوله عزّ من قائل: «من بعد وصية يوصى بها أو دين»(340) و(ثانيهما) السيرة الجارية إلى يومنا هذا من عدم المعاملة مع ذلك البدل معاملة الدين، وعلى ذلك فلو أوصى الجائر بإخراجه كان كسائر وصاياه محسوباً من الثلث.
وفيه أنّه لا وجه لدعوى الإنصراف، فإنّا لم نجد فرقاً بين الثابت على ذمته بدلاً عما اتلفه نسياناً أو غفلة من مال الغير، وبين ما اتلفه عدواناً، بأن يعم الأول، الدين في مثل قوله سبحانه، ولا يعم الثاني، وكذا لا نجد فرقاً بين ما يتلفه الجائر عدواناً وما يتلفه شخص آخر، ولو كان الدين منصرفاً عنه لما جرى على البدل حكم الدين، حتى حال حياة الجائر، فانّ انصراف الدين، لا يختص بآية الإرث، مع أنّه لا ينبغي الريب في جريان أحكام الدين عليه حال حياته، كجواز التقاص عن البدل، كما يدل على ذلك موثقة داود بن زربي (رزين)، قال: «قلت لأبي الحسن موسى (ع) أنّي أخالط السلطان، فتكون عندي الجارية والدابة الفارهة، فيبعثون فيأخذونها، ثمّ يقع لهم عندي المال، فلي أن آخذه؟ قال: خذ مثل ذلك ولا تزد عليه»(341) فانّ الحكم فيها بالأخذ من غير استفصال عن بقاء العين التي

أخذها الجائر أو أتلفها مقتضاه شمول الحكم لكلتا الحالتين، وكعدم تعلق الخمس بمازاد عن مؤنة سنته، فيما إذا كان البدل بمقدار الزائد عليها، وعدم حصول الاستطاعة للحج، فيما إذا كان البدل مساوياً لما عنده من المال الكافي لمصارف حجه، إلى غير ذلك.
وأمّا ما ذكره من السيرة، فلم يحرز أنّها من المتشرعة المبالين للشرع الملتزمين به، والسيرة من غير المبالين لا قيمة لها. ويشهد لكونها من غير المبالين أنّا لم نجد فرقاً عندهم بين البدل المزبور وبين الثابت على ذمته بسائر موجبات الضمان، كما أنّهم لا يفرقون في المظالم الثابتة عليه بين عرفان المظلومين تفصيلاً أو إجمالاً. ومن تتبع أحوال الظلمة وتوريث أموالهم التي قد لا تكفي لأداء تلك المظالم المجتمعة عليهم طيلة حياتهم يعرف ذلك.

back

fehrest

next