back

fehrest

أخذ الخراج والمقاسمة من الجائر


الثالثة ما يأخذه السلطان[1].

[1] تعرض «ره» في المسألة الثالثة من مسائل الخاتمة لما يؤخذ من السلطان المستحل للخراج والمقاسمة والزكاة وأنّه يجوز أخذ هذه الأموال منه مجاناً أو معاوضة. وذكر أنّ مقتضى القاعدة عدم جواز الأخذ، لأنّ الجائر لا ولاية له على تلك الأموال، فتراضيه ـ مع من عليه الخروج أو الزكاة نظير تراضي الظالم مع مستأجر دار الغير في دفع مال إليه بعنوان الأجرة ـ فاسد، إلاّ أنّه لابدّ من رفع اليد عن هذه القاعدة والإلتزام بجواز الأخذ لما يأتي.
والمراد من الخراج ما عين للأرض أجرة من النقود أو غيرها، ومن المقاسمة المعاملة مع الزارع بحاصل الأرض والبستان بالثلث أو بالربع أو نحوهما، ولا يخفى أنّه لا وجه لتخصيص جواز أخذ الزكاة من الجائر بالانعام، كما هو ظاهر عبارة المصنف «ره» بل يعم جميع أقسامها، كما أنّ ما ذكر «ره» ـ من أن ما يأخذه الجائر باق على ملك المأخوذ منه، ومع ذلك يجوز أخذه من الجائر ـ لا يمكن المساعدة عليه، وذلك فانّ المال بأخذ الجائر يتعين في عنوان الخراج أو المقاسمة أو الزكاة، ولا يتوقف تعينه فيها بأخذ الآخر من الجائر، وإلاّ لوجب على الزارع، الخراج أو المقاسمة أو الزكاة ثانياً مع تلف المال في يد الجائر، بل مع تلفه قبل وصوله إلى يد المشتري أو المستحق. وهذا لا يناسب الروايات الآتية في براءة ذمة الزارع وتعين الزكاة في المأخوذ بمجرد أخذ عامل السلطان.
ثمّ إنّ في المقام جهات: (الأولى) تقبل الزارع أو الفلاح الارض من السلطان الجائر (الثانية) في المال الذي يأخذه الجائر من الزارع أو الفلاح أو غيرهما بعنوان الخراج أو المقاسمة أو الزكاة (الثالثة) أخذ الآخرين تلك الأموال من الجائر مجاناً أو بعنوان الشراء أو غيره من المعاملات. والأظهر بحسب الروايات الحكم بالجواز في الجهات الثلاث، بمعنى أنّه يجوز للزارع والفلاح التصرف في تلك الأراضي ولو مع المعاملة مع السلطان الجائر أو عماله، على ما يأتي، ويكون ما يأخذه الجائر معنوناً بعنوان الخراج أو المقاسمة أو الزكاة، ويدخل ما يأخذه الغير من الجائر من الخراج أو المقاسمة أو الزكاة، مجاناً أو بعنوان الشراء ونحوه في ملكه، وكأنّ الوجه في جميع ذلك امضاء الشارع تلك التصرفات، وليس المراد جعل الولاية للجائر بالإضافة إليها، فانّ الروايات غير ظاهرة في ولايته عليها، بل في مجرد امضائها تسهيلاً للأمر على الآخرين.

تصرفات الجائر في الخراج


والحاصل أنّه لو كانت للجائر ولاية على تلك التصرفات، لما كان عليه زور بالإضافة إليها، وإنّما الوزر في اشغاله ذلك المنصب الذي لا يستحقه، بخلاف الإلتزام بمجرد امضاء الشارع تلك التصرفات تسهيلاً للأمر على الآخرين، فانّه لا يكون في ذلك الامضاء نفي وزر عن الجائر، نظير ما نذكر في تحليل الشارع الخمس للشيعة فيما إذا وقع بيد أحدهم المال الذي تعلق به الخمس عند غيره، كما إذا اشترى متاعاً غير مخمس، فانّه يدخل ذلك المتاع بتمامه في ملك المشتري، كما هو مقتضى أخبار التحليل، ومع ذلك لا يجوز للبايع ذلك البيع تكليفاً، وينتقل الخمس إلى الثمن، ولو كان تمليك ذلك المتاع مجاناً كان على الجائر ضمان إتلافه فلاحظ.
وإن لم يعلم مستنده[1].

[1] المراد بالمستند حكمة الحكم وسره.
والأولى أن يقال[2].

[2] الوجه في كونه أولى عدم كون الخراج والمقاسمة أو الزكاة ملكاً للإمام (ع)، بل له ولاية بالإضافة إليها. ثمّ إنّ الأمور التي استند «ره» إليها في حكمه بالحل أربعة: (الأول) الإجماع المنقول المؤيد بالشهرة المحققة (الثاني) لزوم الحرج بل اختلال النظام في الإجتناب عن الأموال المزبورة (الثالث) الروايات الواردة في جواز جائزة السلطان لآخذها، فانّه لا يحتمل عادة كونها من غير تلك الأموال (الرابع) الروايات الواردة في المعاملة مع السلطان أو عماله على تلك الأموال.
(اقول): امّا الأمر الأول فقد تكرر في كلماتنا حال الإستناد إلى الإجماع في امثال المقام ممّا يعلم أو يحتمل استناد المجمعين إلى ما في أيدينا من الأدله. وأمّا دعوى اختلال النظام، فلم يظهر وجه لزوم الحرج الشديد، فضلاً عن لزوم الإختلال، وذلك فانّ لزوم الإجتناب عن هذه الأموال على تقديره يوجب كونها كسائر الأموال المأخوذة من الرعية ظلماً، وحيث إنّ الآخذ لا طريق له غالباً إلى إحراز الحرام أو تعيين مالكه، يكون من المال المشتبه أو المجهول مالكه، فيمكن للمالك التصرف فيها فيما إذا كان مورداً لصرفه، ولو بالمعاملة مع مستحقيه. نعم عدم فراغ ذمة المكلف ـ من الحق الواجب عليه زكاة أو أجرة للأرض التي يعمل عليها وهي ملك المسلمين ـ يوجب الحرج عليه، ولكن مجرد لزومه لا يوجب الحكم بالبراءة وفراغ ذمته، لأنّ رفع الحرج حكم إمتناني، ولا امتنان في التوسعة لمكلف بتفويت حق أو مال

على الآخرين. وتعين ما يأخذه الجائر زكاة أو خراجاً، يوجب غالباً صرف الزكاة أو الخراج في غير موردهما، من فقراء الشيعة ومصالح المسلمين. وعلى تقدير تسليم شمول رفع الحرج فمقتضاه عدم وجوب الزكاة أو الخراج عليه ثانياً، لا أنّ المأخوذ اولا زكاة أو خراج.
والحاصل أنّ ما يأخذه الجائر زكاة أو خراجاً ليس إلاّ كأخذ العشر في مثل زماننا من التجار والكسبة وغيرهما، وكما أنّ لزوم الإجتناب عن العشور وبقاءها في ملك المأخوذ منهم لا يوجب حرجاً على سائر الناس، لما أشرنا إليه من عدم عرفان مالكها غالباً، فتدخل في عنوان المجهول مالكه، فكذلك المأخوذ من الرعية زكاة أو خراجاً كما لا يخفى.
(الأمر الرابع) وهي العمدة الروايات الواردة في شراء الخراج والمقاسمة والزكاة من السلطان وعماله.
(منها) صحيحة أبي عبيدة، قال: «سألته عن الرجل منا يشتري من السلطان من إبل الصدقة وغنم الصدقة، وهو يعلم أنّهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذي يجب عليهم؟ قال فقال وما الإبل إلاّ مثل الحنطة والشعير وغير ذلك لا بأس به، حتى تعرف الحرام بعينه، قيل له فما ترى في مصدق يجيئنا فيأخذ منا صدقات أغنامنا، فنقول بعناها فيبيعناها، فما تقول في شرائها منه؟ فقال: إن كان قد أخذها وعزلها فلا بأس، قيل له فما ترى في الحنطة والشعير يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظنا ويأخذه حظه، فيعزله بكيل، فما ترى في شراء ذلك الطعام منه؟ فقال: إن كان قبضه بكيل وأنتم حضور ذلك، فلا بأس بشرائه منه من غير كيل»(342).
وذكر المصنف «ره» (أولاً) أنّها دالة على أنّ جواز أخذ الصدقات من السلطان وعماله، كان مفروغاً عنه عند السائل، ولذا وجه سؤاله إلى خصوصيات الشراء من علم المشتري بأخذ العامل زائداً على الزكاة الواجبة على الرعية، وشراء الشخص الصدقة التي أخرجها أو شراء الحنطة والشعير من القاسم بلا كيل، وذكر (ثانياً) أنّ في الرواية سؤالاً وجواباً اشعاراً إلى أنّه كان جواز أصل الشراء مفروغاً عنه عند السائل وإلاّ لكان السؤال عن جواز أصل الشراء أولى، حيث إنّ الشراء بحسب القاعدة الأولية كان محكوماً بالفساد، كما أنّ التصرف في الأموال المزبور باعتبار بقائها في ملك المأخوذ منهم يكون محرماً تفصيلاً. وقوله (ع) ـ في الجواب عن السؤال الأول لا بأس بالشراء حتى تعرف الحرام ـ كاف في الدلالة على جواز أصل الشراء، فانّه لو لم يكن الشراء جائزاً لما صح الجواب المزبور.
(اقول) لم يعلم وجه العدول عن الدلالة التي ذكرها أولاً إلى التعبير بالاشعار ثانياً.
وفي وصفه (ع) للمأخوذ بالحلّية[1].

[1] أي أنّ تعلق نفي البأس ـ بالإبل والغنم وغيرها من الأعيان ـ ظاهره عدم البأس بأخذها عن الجائر مجاناً أو شراءاً أو بمعاملة أخرى، كما في سائر الأموال التي تضاف إليها الحلية، حيث إنّ الحليلة لكونها حكماً تكليفياً أو وضعياً يكون متعلقها الفعل أو المعاملة، وإضافتها في الخطاب إلى العين باعتبار أن تعم جميع الأفعال أو المعاملات المناسبة لتلك العين، فلا وجه لما قيل من اختصاص الحلية في الصحيحة بالشراء.
هو مزارع الأرض[2].

[2] أي أنّ المراد بالقاسم مالك الأرض أو وكيله الذي زارعها من العامل عليها.

شراء الخراج والزكاة من السلطان


وزاد عليه ما سكت[3].

[3] وحاصل ما ذكره الأردبيلي «ره» أنّ الفقرة الأولى من الرواية ظاهرة في جواز شراء الزكاة من عامل السلطان، ولكن لابدّ من طرح هذا الظهور بقرينة حكم العقل والنقل بل الإجماع أيضاً. وأمّا الفقرة الثانية والثالثة، فلا ظهور لها في جواز شراء الزكاة أصلاً، وذلك فانّ المراد من قوله (ع): (وما الإبل والغنم إلاّ مثل الحنطة والشعير) كون جنس الإبل والغنم كجنس الحنطة والشعير وغير ذلك في جواز شرائها من بايعها، مع عدم إحراز أنّها لغيره. وهذا مفاد قضية حقيقة لا تتكفل لاثبات موضوعها أو نفيه، والصدقة المفروضة في السؤال يعلم حكم شرائها جوازاً أو منعاً من الكبرى، بعد إحراز حالها، وأنّها مال مأخوذ من الزارع والرعية بلا ولاية للعامل على أخذها فتكون باعتبار العلم بأنها مال الغير حراماً.
والحاصل أنّ المراد بالإبل في السؤال وإن كان خصوص إبل الصدقة الا أنّ المراد منه في الجواب جنسه، والتفكيك وإن كان خلاف الظاهر، حيث إنّ ظاهر الرواية تعلق نفي البأس في الجواب بالمفروض في السؤال، وأنّ المراد من الحرام هو المقدار الزائد على الحق، إلاّ أنّ هذا الظهور يرفع اليد عنه بالحمل على بيان الكبرى والقضية الحقيقة بقرينة العقل والنقل والإجماع. وبيان الجواب بهذا النحو لرعاية التقية، حيث لا يمكن (ع) المنع عن المعاملة مع سلاطين ذلك الزمان وعمالهم بالتنصيص به.
وأمّا السؤال الثاني فلا ظهور له في رجوعه إلى شراء الزكاة من عامل السلطان بل راجع إلى حكم شراء المكلف مطلق الزكاة التي أخرجها إلى مستحقها، وكذا السؤال الثالث، فانّه لا قرينة فيها على قسمة عامل السلطان مع زارع الأرض الخراجية بل من المحتمل كون المراد بالقاسم مالك الأرض أو وكيله الذي زارعها، وقوله «ره» في آخر كلامه فتأمل، لعله إشارة إلى عدم مخالفة ظهور الفقرة الأولى للإجماع فانّ المسلم عند الكل، حرمة المال المأخوذ بعنوان الزكاة على السلطان وعماله، لا على المشتري منهما والجواز المستفاد من قوله (ع)، لا بأس به، راجع إلى المشتري فقط.
(أقول): ما ذكره من قرينة العقل والنقل لا يمكن المساعدة عليه، فانّه ليس في العقل ما يمنع أن تكون الصحيحة أو غيرها ناظرة إلى إمضاء الشارع تصرفات الجائر للتوسعة على الآخرين، نظير تحليل الخمس للشيعة، كما أنّه ليس في النقل ما يمنع عن ذلك، غير العمومات التي يرفع اليد عنها بالخصوصيات.
وممّا ذكرنا يظهر أنّ ما ذكره السيد الخوئي طال بقاه ـ من صراحة الفقرة الأولى في جواز شراء الصدقة من السلطان وعماله ـ غير تام، وأنّ دلالتها على الجواز لا يتجاوز حدود الظهور ومعه لا حاجة أي اتعاب النفس في الفقرتين الأخيرتين ولو انّ ظهور القاسم في من يكون شغله القسمة تام. وهذا لا ينطبق إلاّ على عامل السلطان كما لا يخفى.
ومنها رواية إسحاق بن عمار[1].

[1] وهي مضمرة قال: «سألته عن الرجل يشتري من العامل، وهو يظلم؟ قال: يشتري منه ما لم يعلم أنّه ظلم فيه أحداً»(343) وظهورها في الشراء من عامل السلطان ما هو عامل فيه غير قابل للخدشة وحملها على السؤال عن معاملة الظلمة والفسقة بعيد غايته.
رواية أبي بكر الحضرمي[2].

[2] وسندها معتبر، فانّ أبا بكر الحضرمي موثق بتوثيق عام باعتبار كونه من مشايخ ابن أبي عمير، وواقع في اسناد تفسير علي بن إبراهيم وكامل الزيارات، قال «دخلت على أبي عبداللّه (ع) وعنده إسماعيل ابنه، فقال: ما يمنع ابن أبي السماك أن يخرج شباب الشيعة“»(344) والمراد إخراجهم للعمل حتى يعملون له ما يعمل له سائر الناس.
وذكر الأردبيلي «ره» عدم دلالة هذه أيضاً على جواز أخذ الخراج ونحوه من السلطان وعامله، فانّه يمكن أنّ المراد من بيت المال في الرواية ما يجوز أخذه بأن يكون منذوراً أو وصية لجماعة، منهم شباب الشيعة وأبو بكر الحضرمي. وكان إنفاذ الوصية أو النذر على ابن أبي السماك بحسب الوصية إليه أو النذر.
ولا يخفى ما فيه لظهور بيت المال فيما كان متعارفاً في ذلك الزمان من الأموال المأخوذة خراجاً أو مقاسمة أو زكاة أو جزية، وحملها على غير ذلك بلا قرينة بلا وجه، وذكر السيد الخوئي طال بقاه أنّ الرواية دالة على جواز أخذ المستحق بمقدار نصيبه، بل مقتضاها عدم جواز الأخذ لغير المتستحق. والمدعى جواز الأخذ مطلقاً.
وفيه أنّ الإستدلال بالرواية في مقابل صاحب الرسالة والأردبيلي، حيث منعاً عن الأخذ حتى فيما إذا كان الآخذ مستحقاً للخراج أو الزكاة اللّهمّ إلاّ أن يقال جواز الأخذ المتسحق لا يحتاج إلى الرواية، لأنّ المال بوصوله إلى يده يصير خراجاً أو زكاة، وإنّما المحتاج إليها جواز الأخذ لغير المتستحق، ولا دلالة في الرواية لا على جوازه ولا على منعه.
(لا يقال): هذه الرواية بفقرتها الأولى ظاهرة في جواز كون الشخص من أعوان الظلمة مع فقره، (فانّه يقال) لم يتوجه في الرواية طلب الدخول في ولايتهم إلى شباب الشيعة حتى يتمسك بإطلاقه، بل الوارد فيها اللوم لابن أبي السماك بعدم استعماله شباب الشيعة، ولازم ذلك جواز عملهم له ولو في الجملة، فلا إطلاق لها من هذه الجهة، ولعل الجائز هو الدخول للعمل المباح مع نفع المؤمنين أو مع الإضطرار إليه لتأمين معاشه على ما تقدم.
منها الأخبار الواردة في أحكام تقبل الرجل الأرض[1].

[1] ذكر السيد الخوئي طال بقاه أنّ ما دل ـ على جواز تقيل الأراضي الخارجية من السلطان ـ لا يكون دليلاً على جواز أخذ الخراج أو الزكاة منه مجاناً أو معاملة، فانّ الأراضي الخراجية الموجودة في أيدي الشيعة يدور أمرها بين أن تترك بحالها بلا انتفاع منها، حتى يكثر الغلاء والفقر والجوع فيهم، أو أن يعطي الشيعي خراجين خراجاً للسلطان وخراجاً للمستحق، وهذا إجحاف، أو يكتفي بالخراج الواحد للسلطان بإجازة معاملته، وهذا الأخير هو المتعين.
وفيه أنّه يمكن أمر رابع وهو تحليل تلك الأراضي بمعنى إسقاط خراجها عن الشيعة، لئلاّ يكون إجحاف بهم. وإذا فرض إجازة معاملة السلطان على تلك الأراضي فيتعدى إلى معاملته على خراجها، باعتبار عدم إحتمال الفرق، مع أنّ الأراضي قد عطف عليها أهلها، كما في صحيحة الحلبي، حيث قال (ع) فيها: «لا بأس أن يتقبل الرجل الأرض وأهلها من السلطان»(345) وتقبل أهل أراضي الخراج، هي المعاملة على جزية رؤوسهم أو ما يكون عليهم من الخراج.
ومنها الصحيح عن اسماعيل بن الفضل[1].

[1] ودلالتها ـ على جواز شراء جزية الرؤوس والخراج من السلطان ـ واضحة ولا يضربها اشتمالها على خراج الطير والسمك ونحوهما ممّا لا خراج عليه، بل لعل المراد به أجرة الأرض التي قد تزيد، بلحاظ كون الأرض صالحة لصيد الطير والسمك وغيرهما.
لا يخلو عن قصور في الدلالة[2].

[2] حيث إنّه لم يعلم أنّ المراد بتمر عين ابن أبي زياد في رواية جميل بن صالح التمر المأخوذ من تلك العين بعنوان الخراج أو الزكاة، مع أنّ الرواية في سندها ضعف، حيث إنّ الراوي عن الإمام (ع) وهو مصادف ضعيف فتدبر. ولم يعلم أنّ المراد بالطعام في صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج الطعام المأخوذ بعنوان الخراج أو الزكاة، ولعله من عائد الوقف المجهول اربابه أو نحوه كما لا يخفى.

أخذ الخراج والمقاسمة من الجائر


انّ ظاهر عبارات الأكثر[3].

[3] هل يختص جواز أخذ الخراج من السلطان الجائر بما يكون في يده أو يد عماله، بأن تجري المعاملة عليه بعد وقوع الخراج بيدهما، أو أنّ الجواز يعم المعاملة، وهو على عهدة مستعمل الأرض؟
ذكر المصنف «ره» أنّ ظاهر أخبار جواز قبالة الأرض وجزية الرؤوس هو الثاني، ولكن لا يخفى أنّ ما دلّ على جواز تقبل الأرض من السلطان لا يرتبط بجواز تملك ما على ذمة مستعملى الأرض بالشراء أو الحوالة، بمعنى جواز شراء ما عليهم من السلطان أو حوالة السلطان متقبل الارض إلى مستعمليها، بأن يستوفي من هؤلاء المستعملين ما اعطاه للسلطان قرضاً، بل يكون مدلولها جواز تملك منفعة الأرض بعنوان الإجارة أو غيرها. وإذا كانت منفعتها للمتقبل يكون ما يأخذه من مستعمل الأرض عوضاً لتلك المنفعة المملوكة له، نظير الأرض التي يستأخر من مالكها الخاص، ثم يوجرها لثالث.
والحاصل أنّ جواز ما على ذمة مستعمل الأرض من الخراج لمتقبل الأرض بذلك لا يكون ملازماً لجواز معاملة السلطان على الخراج قبل أخذه. نعم ما ورد في جواز تقبل جزية الرؤوس وتقبل خراج الأرض كاف في الدلالة على العموم.
(لا يقال): يعارضه ما في صحيحة أبي عبيدة المتقدمة، فانّ فيها ما ظاهر اعتباره القبض والعزل، قال «فما ترى في مصدق بجيئنا فيأخذ منا صدقات أغنامنا فنقول بعناها فيبيعناها، فما تقول في شرائها منه؟ فقال: إن كان قد أخذها وعزلها فلا بأس، قيل له فما ترى في الحنطة والشعير يجيئنا القاسم، فيقسم لنا حظنا ويأخذ حظه بكيل، فما ترى في شراء ذلك الطعام منه؟ فقال: إن كان قد قبضه بكيل، وأنتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه بغير كيل» والفرق ـ بين الزكاة والخراج بأنّ الزكاة مجعول إلهي ولا تتعين في شيء إلاّ بالأخذ والعزل، بخلاف الخراج، فانّه يكون على الذمة ويتعين بالجعل والقرار مع السلطان أو ولاته، فيمكن أن يعتبر الأخذ في المعاملة على الزكاة، ولا يعتبر في المعاملة على الخراج ـ لا يخفى ما فيه، فانّ الزكاة تثبت في النصاب بنحو الاشاعة في المالية أو بنحو الكلي في المعين، ويجوز لولي الزكاة بيعها قبل أخذها أو عزلها من مالك النصاب أو غيره، ولو كانت معاملة الجائر عليها كمعاملة السلطان العادل نافذة، فلا يحتاج إلى القبض أو العزل واعتبار الأخذ والقبض في امضاء معاملة الجائر عليها، وعدم اعتباره في معاملته على الخراج بعيد غايته.
وذكر السيد الخوئي طال بقاه في الجواب عن المعارضة: أنّ المفروض في الصحيحة كون البايع عاملاً للسلطان، والعامل بمنزلة الوكيل، ولم تحرز وكالته إلاّ في جمع الزكاة، لا في بيعها أيضاً، ومع عدم الإحراز لا يحكم بصحة بيعه لعدم جريان أصالة الصحة في موارد عدم إحراز سلطنة الشخص على المعاملة. وإذا وصل المال إلى يده فبقاعدة اليد يحكم بسلطانه على البيع أيضاً، بناءاً على ما هو الصحيح من عدم اختصاص القاعدة بمورد احتمال ملك العين، بل يعم احتمال ملك التصرف أيضاً.
والحاصل أنّ التفصيل في الرواية بين أخذ الزكاة أو عزلها وبين عدمهما على القاعدة.
(أقول) هذا أيضاً غير تام، لأنّ السلطان الجائر ليس له ولاية المعاملة على الزكاة أو الخراج، حتى يعتبر في نفوذ معاملة عماله إحراز وكالتهم عنه بقاعدة اليد أو غيرها، ولا يختص إمضاء المعاملة تسهيلاً للأمر على الآخرين بمعاملة السلطان ليلزم إحراز انتساب معاملة عماله إليه، بل الموضوع للجواز في الروايات معاملة السلطان وعماله، احرزت وكالتهم عنه في معاملتهم أم لا.
وإن شئت قلت صحيحة الحذاء تشمل في اعتبار القبض، صورة العلم من الخارج بأنّ العامل مفوض إليه أمر الزكاة في بيعها ونقل عينها. ولا يبعد أن يقال فرض الأخذ في الصحيحة باعتبار تعيين مقدار الزكاة ورفع الغرر عن بيعها، وكذا في دلالتها على أخذ الحنطة بالكيل، وحضور المشتري عنده، ولو لم تكن الرواية ظاهرة في ذلك فتحمل عليه جمعاً، باعتبار عدم احتمال الفرق بين المعاملة على الخراج والمعاملة على الزكاة كما مرّ.
الظاهر من الأصحاب في باب المساقاة[1].

[1] إذا كان خراج الأرض على الساقي دون مالك الأشجار، كان دفع مالكها ـ الخراج إلى الجائر وسقوطه بذلك عن الساقي ـ من قبيل المعاملة مع السلطان على الخراج قبل وصوله إلى يده، ولكن الأظهر كون الخراج على مالك الأشجار ابتداءاً، فانّه يستعمل الأرض ويستوفي منفعتها بأشجاره، فدفعه الخراج إلى السلطان دفع لما عليه، لا عوض عما على الغير، حتى يقال: هذا الدفع شاهد لجواز المعاملة مع السلطان على ما بعهدة الغير من الخراج قبل أخذه. ومن هذا القبيل المزارعة، وأنّه يكون الخراج يعني أجرة الأرض على من تملك منفعتها بتقبلها من السلطان، وقوله «ره» وظاهر الاصحاب مبتدأ وخبره إجراه ما يأخذه الجائر أي أنّ ظاهر الاصحاب تنزيل ما يأخذه الجائر من مالك الأشجار منزلة ما يأخذه السلطان العادل في كونه عوضاً عما على مستعمل الأرض أي الساقي. وهذا في معنى جواز معاملة السلطان على ما بذمة مستعمل الارض قبل أخذه.
وأمّا المأخوذ فعلاً[1].

[1] أي أنّ الوجه في ذكر العلماء المأخوذ فعلاً باعتبار أنّ هذه المسألة في كلماتهم ذكرت بعنوان الإستثناء عن مسألة حرمة الجائزة، مع العلم باربابها، وبما أن الجائزة لا تتحق إلاّ بالقبض فرضوا الأخذ في هذه المسألة أيضاً.
الثاني يختصّ حكم الخراج[2].

[2] ذكر «ره» في هذا الأمر أنّه ليس للجائر ولاية أخذ الخراج أو المقاسمة أو الزكاة، بحيث يجب على من عليه الحقوق دفعها إليه تعييناً أو تخييراً بينه وبين الدفع إلى الحاكم الشرعي، بل الثابت من الروايات أنّ أخذ الجائر تلك الحقوق ممن عليه يوجب فراغ ذمته منها وأنّ المعاملة عليها مع الجائر محكومة بالصحة، ولا يستفاد منها أزيد من ذك. نعم يظهر من جماعة منهم بعض الأساطين (كاشف الغطاء) خلاف ذلك، حيث قال: (ويقوى حرمة سرقة الحصة وخيانتها والإمتناع عن تسليمها، أو تسليم ثمنها بعد شرائها إلى الجائر، وإن حرمت عليه، ودخل تسليمها في الاعانة على الإثم بالبداية أو الغاية لنص الاصحاب على ذلك.
ولعل مراده بقوله ودخل تسليمها الخ أنّ الأصل حرمة تسليم الحصة إلى الجائر، فانّ تسليمها إليه إن كان دخيلاً في تسلطه على رقاب المسلمين، فالدفع إليه إعانة على الإثم بحسب الحدوث، وإن لم يكن دخيلاً فيه، كما إذا كان تسلطه عليهم من قبل بفعل الآخرين يكون الدفع إليه اعانة على الإثم بحسب الغاية، لأنّ الجائر يصرفها في غير مواردها، وقوله لنص الاصحاب تعليل للحكم في قوله: ويقوى حرمة سرقة الحصة.

المعاملة على الزكاة والخراج مع الجائر قبل وصولها بيده


مع أنّ في بعض الأخبار ظهوراً في جواز الامتناع[3].

[3] الرواية بحسب السند معتبرة، ودلالتها، باعتبار أنّ الثمن بعد فرض صحة المعاملة المفروضة فيها يكون معنوناً بعنوان المقاسمة، وتجويز الإمام (ع) الإمتناع عن تسليمها إلى الجائر يكون قرينة على عدم ولايته على الخراج، فلا يكون حاله كحال السلطان العادل، ولكن لم يعلم أنّ الارز المفروض كان من المقاسمة، فانها في واقعة خارجية لم تعلم خصوصياتها، فلعله كان من مال الناصب، كما ذكره في الحدائق، ولم يظهر من اصحابنا التسالم على عدم اجراء حكم مال الكافر على أموال الناصب، بل الناصب على ظاهرهم محكوم بالكفر، فلا حرمة لنفسه ولا لماله. وإرخراج الخمس من المال المأخوذ منه يكون بالإضافة إلى الزائد عليه مؤنة السنة، كما مرّ سابقاً.
مخالف لظاهر العام[1].

[1] ولعل مراده بالعام مدلول لفظ الشيعة، والمال المضاف إليهم هو المأخوذ من كل واحد منهم. وهذا المال هو الخراج والمقاسمة، فان ما يؤخذ من جميع الشيعة فقيرهم وغنيهم وكبيرهم وصغيرهم هي أجرة الأرض التي كانوا يسكنون بها من الأراضي الخراجية، بخلاف المجعول عليهم ظلماً، فانّه لا يعم جميع الشيعة حتى الزكوات، فانّها لا تؤخذ إلاّ ممّن له نصاب المال الزكوى. وعلى ذلك فمقتضى العام حمل الأموال الواردة في الرواية على الخراج والمقاسمة. وهذا الحمل هو الاحتمال الثاني في كلام المحقق الكركي «ره».
نعم الزكوات وإن ادرجها المحقق المزبور في الاحتمال الثاني، إلاّ أنّها داخلة في الإحتمال الأول، فانّها مأخوذة من بعض الشيعة ظلماً، وذلك فانّه لو قيل بأجزاء المدفوع إلى الجائر عن الزكوة الواجبة كان الظلم على مستحقيها من فقراء أهل الولاية، حيث إنّ الجائر لا يخصهم بالزكاة، وإن لم نقل باجزائه عنها كانت الظلامة على مالك النصاب، لأنّه يجب عليه دفعها ثانياً. وهذا الظلم أظهر من الأول، لاحتمال أن يقال في فرض الأجزاء بأنّ الزكاة لا تكون ملكاً للفقراء من أهل الولاية، حتى تكون الظلامة عليهم، بل هم أحد الموارد الثمانية التي يصرف عليها الزكاة، ولذا ذكر «ره» خصوصاً بناءاً على عدم الاجتزاء بها عن الزكاة.
وكيف كان فليست الزكاة مالاً مأخوذاً من جميع الشيعة، بل أخذها ظلامة من الجائر على بعضهم (أقول): ينبغي أن يقال بالاجتزاء بالإضافة إلى الزكاة أيضاً، كما يظهر ذلك ممّا دل على تجويز شراء الصدقة من السلطان وعماله وفي صحيحة عيص بن قاسم عن أبي عبداللّه (ع) في الزكاة، قال: «ما أخذ منكم بنوامية، فاحتسبوا به ولا تعطوهم شيئاً ما استطعتم، فانّ المال لا يبقى على هذا ان يزكيه مرتين»(346) فانّ قوله ـ فانّ المال لا يبقى تعليل للاجزاء وجواز الاحتساب لا لعدمه، كما يظهر من المصنف «ره»، وبها وبمثلها يرفع اليد عن الدلالة على عدم الاجزاء بحملها على استحباب الإعادة.

شراء الخراج والزكاة من السلطان


وفيما ذكر المحقق من الوجه الثاني[1].

[1] أي أنّ ما ذكره المحقق ـ في بيان المراد من أموال الشيعة الواردة في رواية علي بن يقطين من احتمال كونه الخراج والمقاسمة والزكوات ـ فيه دلالة على أنّه «ره» لا يرى وجوب دفع الخراج أو المقاسمة إلى السلطان، ولا يكون له ولاية كولاية السلطان العادل. ووجه الدلالة أنّه لو كانت له هذه الولاية بحيث وجب دفع تلك الأموال إليه، لما أمكن أمر الإمام (ع) علي بن يقطين بالإجتناب عن أخذها ولا أخذها علانية واستردادها سراً. وربّما يستظهر هذه الولاية من كلام مشايخه، ولكن لا يبعد كون مرادهم الامتناع عن أداء الخراج وجحوده رأساً حتى عن الحاكم العادل. ووجه عدم البعد تعليلهم حرمة الإمتناع، بأنّ ذلك حق واجب عليه، فانّه ليس مقتضى هذا التعليل وجوب الدفع إلى الجائر، ولعل هذا الإحتمال بعينه ما فهمه المحقق من الكلام المنقول عن مشايخه. ويؤيد ذلك أنّه بعد ما ذكر الإحتمالين في المراد من أموال الشيعة الواردة في الرواية نقل كلام مشايخه، ولم يشر إلى أنّ ما ذكره ـ من الإحتمال الثاني في الرواية ـ مخالف لظاهر كلامهم ويؤيد أيضاً أنّ هذا المحقق تعرض بعد نقل كلامهم لتولي الفقيه أمر الخراج في زمان الغيبة وذكر أنّه ليس عنده من الاصحاب تصريح في ذلك، ووجه التأييد أنّه لو كان قد علم من كلامهم عدم جواز منع الخراج عن الجائر وثبوت الولاية له، لذكر أنّه لا يجوز عند مشايخه للفقيه المتصدي لأمر الخراج، وأنّ أمره عندهم راجع إلى الجائر. وحمل كلامه «ره» على صورة فقد السلطان الجائر، حتى لا ينافي ذلك ثبوت الولاية للجائر ـ حمل على فرض بعيد.
ومن تأمّل“ إلخ، فهو استشهاد[1].

[1] هذا رفع لما يتوهم من التنافي في كلام المحقق، وذلك فانّه «ره» أجاب عن السؤال (أولاً) بقوله لا اعرف للاصحاب في ذلك تصريحاً، ثم ذكر (ومن تأمل في أحوال كبرائنا وهذا الأخير نوع تصريح من الاصحاب. ووجه الدفع أنّ قوله ـ ومن تأمل في أحوال كبرائنا ـ استشهاد على أصل الحكم في المسألة، وهو جواز المعاملة مع السلطان على الأراضي وخراجها، وغير مرتبط بالسؤال والجواب أصلاً.
فلو أحاله بها وقبل الثلاثة[2].

[2] المراد بالثلاثة المحال والمحيل والمحال عليه، وهذا مبني على اعتبار رضا المحال عليه في صحة الحوالة، والالكفي رضا المحيل والمحال.
يحرم على المالك المنع[3].

[3] أي أنّه يحرم على من عليه الحقوق المزبورة الامتناع عن دفعها إلى من تملكها بالمعاملة مع السلطان.
وقد عرف أنّ هذا مسلم نصّاً وفتويً[4].

[4] (أقول): لم يعلم التسالم على ما ذكر، ومقتضى بعض الروايات المعتبرة تجويز للتصرف في الأراضي الخراجية للشيعة مجاناً، وفي صحيحة مسمع بن عبدالملك عن أبي عبداللّه (ع): «يا اباسيار الأرض كلها لنا، ممّا أخرج اللّه منها من شيء فهو لنا ـ إلى أن قال ـ كل ما في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون ومحلل لهم، ذلك إلى أن يقوم قائمنا فيجيبهم طسق ما كان في أيديهم، وترك الأرض في أيديهم. وأماما كان في أيدي غيرهم، فان كسبهم من الأرض حرام“»(347) فانّ هذه لو لم تكن ظاهرة في خصوص أرض الخراج، بقرينة فرض الخراج المعبر عنه بالطسق فلا ينبغي الريب في شمولها لها، حتى لو فرض وقوع المعارضة بينها وبين ما دلّ على ثبوت الخراج على مستعمل أرض الخراج بالعموم من وجه، لكان المرجع بعد تساقطهما في مورد إجتماعها وهو استعمال الشيعي أرض الخراج أصالة عدم اشتغال الذمة بالبدل. وقد نقل ذلك القول في المستند، واختاره فراجع.
ثمّ إنّ الظاهر من قوله (ع): (الأرض كلّها وما أخرج اللّه منها لنا) هو ثبوت الولاية لهم لا الملك، بقرينة مالكية غيرهم بعض الأرض، وما يخرج منها كما لا يخفى.
ما ذكره من الوقف لا يناسب[1].

[1] لا يخفى أنه يجوز وقف بعض المأخوذ من الجائر، كإبل الصدقة، وليس في كلام الشهيد «ره» عموم بالإضافة إلى وقف الأرض التي يتقبلها من السلطان، حتى يستشكل بأنّه لا يصح وقفها باعتبار أنّها لا تدخل في ملك الآخذ، بل لا يصح هذا الوقف من الجائر أيضاً، فانّه لم يظهر من الأخبار المتقدمة امضاء الشارع تصرفه في الأرض بوقفها أو تمليك قطعة منها لشخص معين فلاحظ.
وأما مع عدم استيلائه[2].

[2] قد ورد النهي في صحيحة عيص بن القاسم المتقدمة عن اعطاء الزكاة للجائر وظاهره عدم الاجتزاء به عن الزكاة الواجبة فيما إذا كان الإعطاء إختيارياً، لقصور يد الجائر أو غيره. وبما أنّه لا يحتمل الفرق بينها وبين الخراج، فلا يجوز إعطاء الخراج له أيضاً إختيارياً، بل يدخل الخراج بناءاً على عدم سقوطه عن الشيعي في الأموال التي يتصرف فيها حسبة. والقدر المتيقن من الجواز تصرف الحاكم مباشرة، أو الصرف في موارده بالاستيذان منه فتدبر.
وهو الذي يقتضيه نفي الحرج[3].

[3] قد تقدم سابقاً أنّ دليل نفي الحرج لا يصحح المعاملة، ولذا لو لم تكن في البين الأخبار الظاهرة في إمضاء معاملات الجائر على الأراضي وخراجها، لم يمكن تصحيحها بدليل نفيه، كما لا يمكن تصحيح معاملات سائر الغاصبين به.
وهذا الدليل وإن كان فيه ما لا يخفى[1].

[1] (أولاً) بأنّ الخراج أجرة الأرض، فيثبت على الذمة، وما يحصل بالزرع ملك في المزارعة لمالك الأرض والزارع معاً، وفي مورد الإجارة ملك للزارع. و(ثانياً) أنّ الخراج حق للمسلمين، فانّه بدل منفعة الأرض التي يملكونها. و(ثالثاً) أنّ دفع حق اللّه إلى غير مستحقه لا يوجب فراغ الذمة، فيكون الدفع إلى الجائر كدفع الزكاة إلى غير مستحقها. والكلام المزبور من العلامة ـ وإن كان فيه الخلل ـ إلاّ أنّ ظاهره اختصاص الحكم بصحة المعاملة بالأراضي الخراجية عندنا. وأمّا الأنفال فالثمرة والزرع فيها للزارع ومالك الأشجار، وتملك الأرض بالاحياء على ما يأتي.
نعم بعض الأخبار[2].

[2] فإنّه لا يبعد شمول مثل قوله (ع): «لا بأس بأن يتقبل الارض وأهلها من السلطان“» للأراضي التي تكون من الأنفال والمجهول مالكها ممّا يتصرف فيها السلطان، بخلاف الأراضي المملوكة للأشخاص، كما في الأراضي التي أسلم أهلها طوعاً، فانّها ملك لأربابها الذين أسلموا طوعاً حتى عند المخالفين.
والحاصل أنّ تصرفه فيها ـ كتصرفه في ملك شخصي لمسلم في كونه جوراً وعدواناً ـ خارج عن موضوع الأخبار الواردة في قبالة الأرض والمعاملة على خراجها.
مسوقة لبيان حكم آخر[3].

[3] أي أنّ الروايات المشار إليها ليست في مقام بيان إمضاء الشارع معاملة السلطان على الأرض أو خراجها، حتى يتمسك باطلاق السلطان فيها في الحكم بعموم الجواز، وانّه لا فرق في الإمضاء بين السلطان المخالف الذي يدعى لنفسه الزعامة الشرعية على عامة المسلمين، وبين المخالف أو الموافق الذين لا يدعون تلك الزعامة والخلافة، فانّ صحيحة الحلبي ناظرة ـ بعد الفراغ عن جواز قبالة الأرض من السلطان ـ إلى جواز ادخال تقبل جزية الرؤوس في تقبل الأراضي التي يسكنها أهل الذمة، وأنّه لا بأس بهذا الإدخال، فيرفع اليد بها عن ظاهر ما دلّ على عدم جواز ذلك.
وأمّا رواية الفيض بن مختار فهي ناظرة إلى بيان أنّه بعد تقبل الارض من السلطان لا بأس باعطائها لساكنيها بأكثر ممّا تقبل به. وبعبارة أخرى ليس فيها بيان جواز تقبل الأرض من السلطان، بل بيان حكم آخر بعد الفراغ عن الأول.
وأمّا صحيحة محمد بن مسلم وأبي بصير معاً عن أبي جعفر (ع)، فهي ناظرة إلى عدم ثبوت الزكاة على الزارع فيما يأخذه السلطان منه بعنوان الخراج. وأمّا أن أخذه بذلك العنوان أو معاملته عليه بعد أخذه ممضاة أم لا، فلا دلالة لها على ذلك أصلاً، قال (ع) فيها: «كل أرض دفعها إليك السلطان، فما حرثته فيها فعليك ممّا أخرج اللّه منها الذي قاطعك عليه، وليس على جميع ما أخرج اللّه منها العشر، إنّما عليك العشر فيما يحصل في يدك بعد مقاسمته لك»(348).
لأنّ المراد بشبهتهما[1].

[1] أي أنّ مرادهم بالشبهة في قولهم: (ما يأخذه الجائر لشبهة المقاسمة والزكاة) هي شبهة استحقاق أخذها الحاصلة من رعاية مذهب العامة، نظير شبهة استحقاقه سائر الأموال التي يأخذه من الرعية بعنوان كونه ولي الأمر، وهذه الشبهة لا تتصور في حق الموافق، لأن مذهبه أنّ ما يأخذه من الرعية باسم الخراج أو الزكاة كسائر الأموال التي يؤخذ منهم ظلماً، ولو كانت له شبهة فهي اعتقاده الشخصي: بأنّ له الأخذ من أموال الناس للتحفظ على نظام الحكومة وأمن البلاد، ولو كان هذا الإعتقاد بسبب صحيح كالإجتهاد والتقليد، فيجوز له الأخذ والتحفظ على ذلك النظام. والأمن، وإلاّ لكان باطلاً لا يصحّ لأحد ترتيب الأثر على تصرفاته.
(أقول) لا يعتبر في السلطان أو عماله شبهة الإستحقاق بحسب المذهب، بل الروايات ظاهرة في إمضاء تصرفات السلطان وعماله في الأراضي الخراجية، وخراجها ومقاسمتها والزكوات وجزية الرؤوس، وليس لنا سبيل إلى إحراز أنّ الزعماء في ذلك الزمان كانوا معتقدين باستحقاقهم شرعاً لتلك التصرفات. ولعل كان بعضهم ـ كما قيل ـ في هرون ومأمون على اعتقاد بأنّهم ليسوا اهلاً لها، وانّما لم يتركوها لأهلها، لأنّ حلاوة الزعامة كانت تمنعهم عن ذلك.
والحاصل أنّ المتيقن من تلك الأخبار أنّ من كان له دعوى الزعامة الشرعية على عامة المسلمين، فتصرفاته وتصرفات عماله في الأموال المزبورة ممضاة، سواء كانت التصرفات لشبهة الاستحقاق أم لمجرد دعوى الولاية عليها. نعم قد تقدم عدم ورود الروايات لبيان هذا الإمضاء حتى يتمسك بإطلاقها بالإضافة إلى غير هذا السلطان وعماله، كما لا يخفى.
فسّر صاحب إيضاح النافع[1].

[1] يعني أنّه فسّر الجائر في كلام النافع بمن تقدم على أميرالمؤمنين (ع)، ومن تبع أثر أولئك الثلاثة. ومن الظاهر أنّهم كانوا يدعون الولاية الشرعية على المسلمين.
لا يعتبر في حلّ الخراج المأخوذ أن يكون[2].

[2] هذا الأمر لبيان عدم الفرق ـ في الزارع المأخوذ منه الخراج أو نحوه ـ بين كونه مخالفاً يعتقد ولاية السلطان على الرعية، أو كونه موافقاً لا يرى للجور ولاية عليه أو على سائر المسلمين، فانّه يجوز في الصورتين أخذ الخراج منه أو عماله معاوضة أو مجاناً، كما تبرأ ذمة الزارع من الحقوق الواجبة بأخذه أو أخذ عماله. ويشهد لعدم الفرق إطلاق بعض الأخبار الواردة في شراء الخراج أو الزكاة من السلطان أو عامله، فانّه لم يرد فيها اعتبار كون الزارع أو مالك النصاب مخالفاً، بأن يقال: لا بأس بشراء الخراج فيها إذا لم يؤخذ من أصحابكم، بل المفروض في صحيحة الحذاء المتقدمة كون الزكاة مأخوذة من الشيعة، حيث إنّه ممّا ورد فيها «قيل له فما ترى في مصدق يجيئنا فيأخذ منا صدقات أغنامنا، فنقول بعناها فيبيعناها، فما تقول في شرائها منه؟ فقال: إن كان أخذها وعزلها فلا بأس» ومثلها ما ورد في جواز احتساب الزكاة بما يأخذه السلطان وعماله، كما في صحيحة عيص بن القاسم المتقدمة.
وامّا ما ذكره المصنف «ره» من اختصاص رواية اسحاق بن عمار المتقدمة أيضاً بالأخذ من الموافق، فلم يعلم وجهه، كذا بعض أخبار قبالة الأرض فراجع.
وأدرج البعض، المقام في قاعدة الإلزام، وذكر أنّ حل الخراج ـ أو غيره بالأخذ من السلطان أو عماله مجاناً أو معاوضة ـ مختص بما إذا كان المأخوذ منه مخالفاً، وأنّ مقتضى الزام المخالف بمقتضى مذهبه من ولاية السلطان عليه هو جواز المأخوذ منه لمن تلقاه من السلطان أو عماله معاملة أو مجاناً.
ولا يخفى أنّه على ذلك وإن اختص الحكم بما إذا كان المأخوذ منه مخالفاً، إلاّ أنّ المال المأخوذ يعم غير الخراج والمقاسمة والزكاة، كالمأخوذ من الرعية بعنوان الضريبة والعشور أو غيرهما، فانّ اعتقاد المخالف بولايتهم على رعاياهم في هذا الأخذ أيضاً للحفظ على النظام والأمن يكون مجوزاً لالزامه بمعتقده، وكذا يعم الحكم ما إذا لم يكن السلطان مدعياً للخلافة والزعامة على عامة المسلمين.
ولكن الكلام في اعتبار المزبورة باطلاقها، فنقول: إذا رأى المخالف على مذهبه كونه ملزماً بحكم ينتفع من ذلك الحكم، الموافق، كما إذا انحصر الوارث من الطبقة الأولى بالبنت الواحدة التي ترى بمقتضى مذهبها أنّ النصف الباقي من تركة أبيها للعصبة، فيجوز لأخيها المؤمن أخذ ذلك النصف وإلزامها بمذهبها. وهذا في الإرث منصوص، والتعدي ـ إلى سائر الموارد التي يحتمل الفرق في الحكم بينها وبين الإرث ـ لا يخلو عن مناقشة، لضعف سند بعض ما ورد في ذلك الباب، ممّا يظهر منه الإطلاق، وكذا يلزم المخالف بالنكاح أو الطلاق الواقع على مذهبه، وإن كانا باطلين عندنا. وهذا أيضاً مستفاد من النصوص. بل يلزم الكفار أيضاً بالنكاح والطلاق الواقعين على رسومهم، وأيضاً ورد النص في جواز أخذ ثمن الخمر أو الخنزير من الكافر، فيما إذا باع الخمر أو الخنزير لمثله، ويتعدى إلى سائر المعاملات الفاسدة من البيع والإجارة ونحوهما. وأمّا القاعدة الكلية ـ التي يؤخذ بها في كل مورد ولو مع احتمال الفرق في الحكم الواقعي فاقامة الدليل عليها مشكلة، فتدبر.

في الخراج ومقداره


السادس ليس للخراج قدر معيّن[1].

[1] هذا الأمر لبيان عدم التحديد لمقدار الخراج، بل بما أنّه في الحقيقة أجرة الأرض التي تملكها المسلمون، فيكون كسائر الموارد تابعاً لتراضي المتعاملين قل أو كثر. نعم إذا استعمل الأرض قبل المعاملة عليها كان على مستعملها أجرة المثل وأمّا تعيين الأجرة قبل استعمالها فيكون بالمعاملة فقط.
وذكر «ره» أنّ هذا منسوب إلى ظاهر الاصحاب. ويدلّ عليه قول أبي الحسن (ع) في مرسلة حماد بن عيسى: «والأرض التي أخذت عنوة خيل وركاب فهي موقوفة متروكة في يد من يعمرها ويحييها على صلح ما يصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الخراج النصف والثلث والثلثان، وعلى قدر ما يكون لهم صلاحاً ولا يضر بهم“»(349) وأنّه يستفاد من هذه المرسلة تحديد الخراج أو المقاسمة في ناحية الكثرة بعدم إضرارهما بالزارع، بحيث يترك الفلاح الزارعة ولا يختارها إلاّ اجباراً. وعلى ذلك، فلو قبل الأرض بما يضره فيحتمل حرمة جميع ما يؤخذه من مستعمل الأرض، بأن يكون أصل المعاملة باطلة، ويحتمل حرمة المقدار الزائد أي فساد المعامله بالإضافة إلى ذلك المقدار.
ولكن الصحيح هو التفصيل، بأنّ مستعمل الارض لو كان مختاراً في استعمالها بلا حرج عليه في تركها كان مقدار الخراج ما تراضيا عليه، حتى فيما إذا كان زائداً على المتعارف وغير صلاح للزارع. وأمّا إذا كان مضطراً إلى استعمالها، بأن كان تركها حرجاً عليه، كما إذا كانت تلك الأرض مزرعة له مدة، بحيث يكون ارتحاله عنها شاقاً عليه ففي مثل ذلك يحكم بفساد المعاملة أو فساد الزائد.
(أقول): الأظهر بطلان المعاملة في الصورتين، فانّ السلطان وعماله ليست لهم ولاية التصرف في تلك الأراضي بما يكون فيه إضرار بالمسلمين، ولم يمض من تصرفاتهم فيها ما يكون موجباً لترك الناس الأراضي التي كانوا يستعملونها والإلتجاء إلى مكاسب أخرى بدلاً عن الزراعة وتوفير الغذاء للناس، وفي ذلك فساد للبلاد وفقر لأهلها. وهذا نظير ما وكله الغير في بيع ماله أو اجارته بعوض محدود في ناحية كثرته، وكان التحديد لغرض عقلائي، فباعه الوكيل أو آجره بأزيد من ذلك العوض، فانّه يكون البيع أو الإجارة باعتبار عدم وكالته فيهما المعاملة. وأمّا احتمال بطلانها بالإضافة إلى المقدار الزائد فضعيف، فانّ التبعيض في المعاملة بحسب صحتها يختص بموارد انحلالها، كما إذا باع شيئين بصفقة واحدة، أو آجر العين مدة، فانّ انحلال البيع بالإضافة إلى كل منهما، وانحلال الإجارة بحسب ابعاض المدة صحيح.
وأمّا انحلالهما بالإضافة إلى بعض الثمن أو بعض الأجرة، بأن تتم المعاملة ويقع تمام المبيع بازاء بعض الثمن أو تمام المدة بإزاء بعض الأجرة، فهذا ليس من انحلال المعاملة. وعلى ذلك يبتني الحكم ببطلان البيع الربوي وعدم اختصاص البطلان بالمقدار الزائد، كما إذا باع خمسة كيلوات من الحنطة بعشرة كيلوات من حنطة أخرى، فانّه لا يمكن الحكم بصحة البيع بالاضافة إلى مبادلة خمسة كيلوات بخمسة، وبالبطلان بالاضافة إلى الخمسة الزائدة، فانّ مبادلة الخمسة بالخمسة لم تنشأ حتى يعمها مثل قوله سبحانه: «أحلّ اللّه البيع» بل المنشأ مبادلة الخمسة بالعشرة، وهذه المبادلة أنّما تنحل بالاضافة إلى مبادلة نصف الخمسة بنصف العشرة، وربع الخمسة بربع العشرة وهكذا، بخلاف الربا في باب القرض، فانّه لا يوجب بطلان عقد القرض، فانّ القرض والإقتراض في حقيقتهما تمليك المال وتملكه بالضمان، ومعنى الضمان اشتغال الذمة بمثل ذلك المال في المثليات، وبقيمته في القيميات، فالزيادة تكون شرطاً فيهما. وبما أنّ بطلان الشرط لا يوجب بطلان أصل العقد يصح القرض والإقتراض ويبطل الشرط.
ويترتب على ما ذكرنا أنّه لو ترك المستعمل، الأرض التي تقبلها من السلطان بما يضره، لم يكن عليه شيء لا الأجرة المسمّاة لفساد القبالة، ولا أجرة المثل، فانّ تلك الأجرة لا تثبت في صورة ترك استعمال الأرض ورفع اليد عنها.

من يجوز له أخذ الزكاة والخراج من الجائر


السابع ظاهر اطلاق الأصحاب[1].

[1] نسب «ره» في هذا الأمر إلى ظاهر كلمات الاصحاب عدم اعتبار الاستحقاق في من يأخذ الزكاة أو الخراج من السلطان أو عماله مجاناً، ونقل عن المحقق الكركي نسبة ذلك إلى إطلاق الأخبار، وناقش فيه بأنّ الأخبار واردة في شراء الخراج أو الزكاة أو تقبل الأرض من السلطان، ولا يعتبر في المشتري أو المتقبل أمر زائد على ما في اشتراء سائر الأموال من سائر الأشخاص. ولعله أراد اطلاق ما دلّ على حل جوائز السلطان، ولكن الأخبار الواردة في حلها واردة في أشخاص خاصة، فيحتمل كونهم مستحقين لبيت المال.
والحاصل أنّ الحكم بنفوذ تصرف الجائر في الخراج على الإطلاق بمعنى امضاء تمليكه لغير مستحقيه أو امضاء تفريقه على غير صلاحه المسلمين مشكل، كما أنّ الحكم بنفوذ أخذه بأن يكون المأخوذ خراجاً مطلقاً ولو فيما إذا دفعه إليه مستعمل الأرض اختياراً أو تقبل الارض منه كذلك، مع إمكان المراجعة إلى حاكم الشرع كان مشكلاً (أقول): ورود أخبار حل الجوائز في أشخاص خاصة ممنوع، فانّ فيها ما يكون من قبيل سائر الإطلاقات، كما في صحيحة محمد بن مسلم وزرارة جميعاً، قالا: «سمعناه يقول جوائز العمال ليس بها بأس»(350) نعم لا شهادة لها على ما ذكره المحقق الكركي «ره» وذلك لما ذكرنا سابقاً من أنّ الجائزة بمقتضى قاعدة اليد محكومة بكونها ملك الجائر، وأنّ الجواز في مثل الصحيحة حكم ظاهري تكون غايته العلم بحرمتها، فلا يعم ما إذا أحرز كونها مغصوبة من شخص يعرفه الآخذ، أو أنّها زكاة لا تحل لغير الفقير وهكذا.
وكأنّ المحقق الكركي مع ذكره اطلاق بعض الأخبار وظاهر الاصحاب في عدم اعتبار الاستحقاق في الآخذ اعتبر الإستحقاق فيه ورفع اليد عن اطلاق ذلك البعض، واستظهره من كلام العلامة، وذكر في وجه اعتباره قوله (ع) في رواية الحضرمي: «ما يمنع ابن أبي السماك أن يبعث إليك بعطائك، أمّا علم أنّ لك في بيت المال نصيباً» فانّ مقتضى ذلك أنّ حل بيت المال لأبي بكر باعتبار كونه ذا نصيب فيها.
وفيه أنّ قوله (ع) (أمّا علم) علة لتوبيخ ابن أبي السماك على تركه ارسال المال إلى السائل، فيستفاد منه حل بيت المال لمن يكون له فيها نصيباً وأمّا عدم الحل لمن لا نصيب له باعطاء الجائر وتمليكه، فهذا خارج عن مدلوله.
وأمّا استظهاره الاعتبار من كلام العلامة، فلأنّ المأخوذ من الزارع ومستعمل الأرض بعنوان الخراج أو الزكاة خراج أو زكاة حقيقة، كما هو مقتضى كونهما حق اللّه وبراءة ذمة المأخوذ منه من ذلك الحق، وإذا كان المأخوذ خراجاً أو زكاةً فيترتب عليه حكمها من عدم جوازهما لغير مستحقهما.
وفيه أنّه لا منافاة بين كون المأخوذ خراجاً أو زكاةً وجوازهما لغير مستحقهما بهبة السلطان أو عماله باعتبار امضاء هذه التصرفات كما مرّ.

في الأراضي الخراجية


الأول كونها مفتوحة عنوة[1].

[1] أراضي الكفار ـ التي استولى عليها المسلمون بالقهر والقتال المعبر عنها بالمفتوحة عنوة ـ ملك للمسلمين على المشهور، لا لاشخاصهم على نحو التوزيع، ولا لعنوانهم على نحو ملك الزكاة لعنوان الفقراء، بحيث يكون المأخوذ منها ملكاً شخصياً للآخذ، بل تلك الأراضي تكون باقية على حالها حتى بعد أخذها واستعمالها ومقتضى تبعية المنفعة للعين دخول منافعها من الخراج والمقاسمة أو أجرة المثل في بيت مال المسلمين المحكوم عليها بلزوم صرفها في مصالحهم، والمتصدي لذلك من له الولاية عليهم على ما مرّ في ضمن الأمور المتقدمة.
وفي صحيحة الحلبي قال: «سئل أبو عبداللّه (ع) عن السواد ما منزلته؟ فقال: هو لجميع المسلمين، لمن هو اليوم، ولمن لم يخلق بعد فقلت الشراء من الدهاقين؟ قال: لا يصلح إلاّ أن تشتري منهم على أن يصيرها للمسلمين، فإذا شاء ولي الأمر أن يأخذها أخذها، قلت فإن أخذها منه قال يرد عليه رأس ماله، وله ما أكل من غلتها بما عمل»(351).
ودلالة هذه على ما ذكر لا تحتاج إلى مؤنة، فان أرض السواد إمّا مفتوحة عنوة كما عليه المشهور، أو من أرض الصلح بشرط كونها للمسلمين، كما احتمله المصنف «ره» نعم البناء والآثار لمستعمل تلك الأراضي، ولا تتبع رقبة الأرض، ولذلك يثبت للمستعمل حق بها، كما ربّما يظهر ذلك من ذيل الصحيحة أيضاً، ونحوها رواية أبي الربيع الشامي عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «لا تشتر من أرض السواد شيئاً إلاّ من كانت له ذمة، فإنّما هو في للمسلمين»(352) والمراد بمن له ذمة هو مستعمل الأرض أو الذي تقبلها بالمعاملة مع الوالي.
وبمثل هاتين الروايتين يرفع اليد عن الإطلاق والعموم في بعض الروايات الدالة على كون الأراضي ملكاً للإمام (ع)، كما في صحيحة عبدالملك من قوله (ع) «يا اباسيار الأرض كلها لنا»(353) وما في رواية أبي خالد الكابلي عن أبي جعفر (ع)، قال «وجدنا في كتاب علي (ع) أنّ الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، أنا وأهل بيتي الذين أورثنا اللّه الأرض ونحن المتقون، والأرض كلها لنا، فمن أحيى أرضاً من المسلمين فليعمرها، وليؤد خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها(354).
هذا مع أنّ المراد من اللام في (الأرض كلها لنا) الأعم من ملك العين وملك التصرف، بشهادة قوله (ع): (فما أخرج اللّه منها في شيء فهو لنا) فانّه من الضروري أنّ ما يخرج من الأرض من الثمار والزرع يكون ملكاً لزراعها وغراسها، ورواية أبي خالد لا تخلو عن المناقشة في سندها.
(لا يقال) إنّها معارضة بما دلّ على ملك الأرض بالاحياء كصحيحة محمد بن حمران، قال: «سمعت أبا جعفر (ع) يقول أيّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض وعمروها فهم أحق بها وهي لهم»(355) (فانّه يقال) معارضة ذيل رواية الكابلي مع مثل الصحيحة لا تضر باعتبار صدرها الظاهر في كون كل الأراضي ملك الإمام (ع).
والحاصل أنّه لو فرض تمامية الروايتين بحسب السند والدلالة، فلابدّ من رفع اليد عن عمومهما بالتقييد الوارد في روايات الأنفال، وأنّ ملك الإمام هي الأراضي التي لم يجر عليها القتال كموثقة اسحاق ابن عمار، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن الأنفال؟ فقال: هي القرى التي قد خرجت وانجلى أهلها فهي للّه للرسول، وما كان للملوك فهو للإمام، وما كان من الأرض يخربه لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، وكل أرض لا رب لها، والمعادن منها، ومن مات وليس له مولى، فماله من الأنفال»(356).
في صحيحة حفص بن البختري، قال: «الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب أو قوم صالحوا أو قوم أعطوا بأيديهم، وكل أرض خربة وبطون الأودية، فهو لرسول اللّه، وهو للإمام من بعده يضعه حيث يشاء»(357) وقريب منها، غيرهما.
فقد تحصل ممّا ذكرناه أنّ ما عن المحقق الإيرواني «ره» من أن الأراضي المفتوحة عنوة كسائر الأراضي ملك للإمام (ع)، وانّما يكون للمسلمين الإنتفاع بها ـ لا يمكن المساعدة عليه. نعم الأراضي ـ التي استولى عليها المسلمون بغير قتال، أو صالح أهل تلك الأراضي على كونها للإمام ـ تختص به (ع)، كما تدلّ عليه صحيحة حفص، وقريب منها غيرها، كرواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال: «سمعته يقول: الفيء والأنفال ما كان من أرض لم يكن فيه إراقة الدماء، وقوم صالحوا وأعطوا بأيديهم، وما كان من أرض خربة أو بطون أودية، فهو كله من الفي، فهذا للّه لرسوله، فما كان للّه فهو لرسوله يضعه حيث يشاء وهو للإمام بعده»(358) رواها الشيخ بسنده إلى علي بن الحسن بن فضال، وفي سنده إليه ضعف، لوقوع علي بن محمد بن الزبير فيه. وقد ذكرنا سابقاً أنّ تجويز الإمام (ع) العمل بكتب بني فضال ـ على تقديره ـ لا يقتضي اعتبار كل خبر ثبت نقله عنها، ولو لم يثبت أو لم يكن رواتها بثقات، وإنّما يقتضي أنّ فساد اعتقادهم لا يضر بجواز العمل برواياتهم فيما إذا حصل سائر شروط العمل بالخبر الواحد.
والحاصل أنّ الرواية صالحة للتأييد فقط، ويلحق بالأراضي المفتوحة عنوة الأراضي التي صولح عليها، على أن تكون للمسلمين، كما هو مقتضى صحة الصلح ونفوذه، ولو صالحوا الكفار على بقاء اراضيهم في ملكهم جاز، وتكون ـ كالأراضي التي أسلم أهلها طوعاً ورغبة ـ باقية في ملك أربابها، كما يدلّ على ذلك ـ مضافاً إلى كونه مقتضى نفوذ الصلح ـ صحيحة البزنطي، قال: «ذكرت لأبي الحسن (ع) الخراج وما ساربه أهل بيته، فقال العشر فيما عمر منها. وما لم يعمر منها، أخذه الوالي فقبله ممّن يعمره، وكان للمسلمين، وليس فيما كان أقل من خمسة أو ساق شيء. وأمّا ما أخذ بالسيف فذلك لي الإمام يقبله بالذي يرى، كما صنع رسول اللّه (ع) بخيبر، قبل أرضها ونخلها“»(359).
ظاهر قوله (ع) فذلك إلى الإمام أنّ له الولاية في التصرف فيها، لا أنّه ملكه، فانّه فرق بين التعبير بأنّه إلى الإمام أو أنّه للإمام (ع)، والأول لا ينافي ما تقدم من أنّ المأخوذ عنوة ملك المسلمين، فانّه يكون ملكهم مع ثبوت الولاية للإمام (ع). نعم ما ذكر في الصحيحة ـ من أنّ الميتة من الأراضي التي أسلم أهلها طوعاً ملك المسلمين ـ ينافي ما تقدم من كون الأراضي الميتة من الأنفال، فلابدّ من حمل المذكور فيها على التقية كما قيل، أو حمل اللام على غير افادة الملك من سائر الإنتفاعات. هذه أقسام الأرضين في كونها ملكاً لأربابها أو للإمام (ع) أو للمسلمين.
يثبت الفتح عنوة بالشياع[1].

[1] يثبت الفتح عنوة وكذا الصلح على كون الارض للمسلمين بالشياع المفيد للعلم، وبشهادة العدليلن، ولو كانت من قبيل الشهادة على الشهادة، وبالشياع المفيد للظنّ المتأخم للعلم المعبر عنه بالإطمئنان. وذكر المصنف «ره» أنّ الإكتفاء بالشياع كذلك مبني على اعتباره في كل مورد تكون اقامة البينة فيه عسرة، كنسب شخص أو كون مال وقفاً أو ملكاً مطلقاً لا يتعلق به حق للآخرين، ككونه رهناً أو وقفاً.
الصحيح أنّه لو كان المراد بالظنّ المتاخم للعلم هو الإطمئنان فلا يختص اعتباره بصورة خاصة (ثم) إنّ العسر في أقامة البينة على اطلاق الملك مبني على عدم كفاية اليد في الشهادة بالملكية المطلقة وإلاّ فلا عسر في إقامتها كما لا يخفى. ولا اعتبار لغير ما ذكر من الامارات الظنية حتى قول أهل التاريخ إلاّ إذا كان من قبيل خبر العدل أو الثقة، حيث أنّه لا يمكن الاعتماد على تلك الظنون في مقابل أصالة عدم الفتح عنوة أو عدم الصلح على كون الأرض للمسلمين.
(لا يقال): الرجوع إلى أهل التاريخ في إحراز كون الأرض مفتوحة عنوة أو أرض صلح من قبيل الرجوع إلى أهل الخبرة ولا يعتبر في الرجوع إليهم التعدد والعدالة بل يكفي كون أهل الخبرة ثقة (فانّه يقال): لم يحرز كون الحوادث في أطراف الأرض وأكنافها من الأمور التي يحتاج إدراكها إلى نظر واجتهاد ليندرج المخبر بها في عنوان أهل الخبرة، بل الظاهر أنّ نقل تلك الحوادث لا يزيد على نقل سائر الأمور ممّا يكون نقلتها مجرد رواة لها.
(لا يقال): لا يمكن الرجوع إلى أصالة عدم كون الأرض مفتوحة أو أرض صلح على أنّها للمسلمين، فانّه يعارضها أصالة عدم كونها ملكاً لسائر الناس (فانّه يقال) إذا دار أمر الأرض بين كونها ملكاً لسائر الناس فعلاً أو المفتوحة عنوة أو صلحاً، فالمعارضة صحيحة ويتساقط الأصلان، وتكون الأرض من المجهول مالكها. وأمّا فيما إذا احتمل أن لا يكون لها مالك فعلاً، كما في أرض خربة لا يحتمل بقاء مالكها الأول عادة، ولا يعلم له وارث، فيجري أصلان ويحكم عليها بالأنفال. حيث إنّه مع أصالة عدم كونها من المفتوحة عنوة أو ملكاً لسائر الناس تدخل الأرض في عنوان ما لا ربّ له، المحكوم عليه بكونه ملكاً للإمام (ع)، كما في موثقة اسحاق بن عمار، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن الأنفال؟ فقال: هي القرى التي خربت وانجلى أهلها ـ إلى أن قال: ـ وكل أرض لا ربّ لها»(360).
ثمّ إنّ الرجوع إلى الأصل أو الحكم بكونها لمالكها المجهول إنّما هو على تقدير عدم اليد على تلك الأرض أو اعتراف ذي اليد بعدم كونها ملكاً له، وإلاّ حكم بكونها ملكاً لذي اليد، فانّها أمارة على الملك.
والحاصل أنّه لو أراد شراء الأرض، فمع يد البايع عليها يحكم بكونها ملكاً له، ومع عدم اليد فلابدّ من المعاملة معها معاملة المجهول مالكها أو الأنفال، وكذا ما إذا أراد استيجارها كما لا يخفى.
ثمّ إنّه لا يبعد اعتبار شهادة العدل الواحد في الموضوعات أيضاً، فانّ الإعتناء بخبر العدل والثقة عليه سيرة العقلاء في الأمور الراجعة إلى معاشهم ومعادهم، بلا فرق في ذلك بين كون الخبر المزبور حاكياً عن الحكم أو الموضوع، ولم يردع عنها الشرع إلاّ في بعض الموارد، كالأخبار عن رؤية الهلال، كما يستفاد ذلك ممّا ورد من أنّه لا عبرة فيها بغير شهادة رجلين عدلين، ومثلها ما إذا كان خبر العدل متضمناً للدعوى على الغير مالاً أو حقاً، فانّه لا يرفع اليد في تلك المقامات عن مقتضى قاعدة اليد أو أصالة الصحة ونحوهما بمجرد قيام خبر العدل، كما يستفاد ذلك من الأخبار الواردة في القضاء، بل لا اعتبار به في موارد قاعدة اليد مطلقاً ولو لم تكن أخباره في موردها من قبيل الدعوى على الغير. ويؤيد ـ اعتبار خبر العدل بل الثقة فيما ذكرنا ـ في جواز الإعتماد على إذن الثقة وأخبار الثقة عن زوجية امرأة يريد تزويجها، والتعبير بالتأييد باعتبار أنّه لا يمكن التعدي منهما إلى سائر الموارد مع الإغماض عن السيرة المشار إليها، حيث إنّهما من قبيل النص في مورد خاص.
(لا يقال): الأخبار بكونه زوجاً لامرأة يريد الآخر تزويجها من قبيل الدعوى على الغير (فانّه يقال): الأخبار كذلك لا يكون من قبيل الدعوى بالإضافة إلى من يريد تزويجها، وإنّما تكون دعوى على المرأة، وظاهر الرواية اعتبار خبر الثقة بالإضافة إلى من يريد تزويجها، وهي ما رواه الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد عن أخيه الحسن عن زرعة عن سماعة، قال: «سألته عن رجل تزوج جارية أو تمتع بها، فحدثه رجل ثقة أو غير ثقة أنّ هذه امرأتي، وليست لي بينة، فقال: إن كان ثقة فلا يقربها، وإن كان غير ثقة فلا يقبل منه».
لا يقال ظاهر رواية مسعدة بن صدق عدم العبرة في الموضوعات إلاّ بشهادة رجلين، قال: «سمعت أبا عبداللّه (ع) يقول: كل شيء لك حلال حتى تعرف أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب عليك قد اشتريته وهو سرقة، والمملوك عندك لعله حر قد باع نفسه أو خدع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك، والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة»(361) فانّ مقتضى الحصر المستفاد منها عدم الإعتبار بغير شهادة العدلين، ولا يبعد كون الرواية موثقة لثبوت التوثيق العام لمسعدة، لوقوعه في أسناد تفسير علي بن إبراهيم وكامل الزيارات، ولكنّها لا تصلح للردع عن اعتبار خبر الثقة في الموضوعات. وذلك فانّ المراد بالبينة ليس خبر العدلين، بل من المحتمل لو لم يكن ظاهراً ـ انّها ما يوضح الواقع كما تستعمل فيه لغة فلاحظ موارد استعمالها في القرآن. والمفروض أنّ خبر الثقة يوضح الواقع كما هو مقتضى السيرة المشار

إليها.
و(ثانياً) دلالتها على عدم اعتبار خبر الثقة في الموضوعات حتى في غير موارد الدعوى على الغير ونحوها بالإطلاق أو العموم، فيرفع اليد عنه في غير تلك الموارد بالسيرة الجارية على الاعتناء بخبر الثقات على ما تقدم.
والحاصل أنّه لا بأس بالإلتزام باعتبار خبر العدل أو الثقة في الموارد التي أشرنا إليها، ومنها الأخبار عن كون الأرض مفتوحة عنوة أو أنّها للمسلمين فيما إذا لم تكن على الأرض يد تقتضى كونها ملكاً لذيها، كما إذا تقبلها الزارع من السلطان مع عدم يد لآخر يحتمل كونها له.

الحكم عند الشك في حال الأرض


وأشكل منه إثبات ذلك باستمرار السيرة[1].

[1] الشاك في حال الأرض (تارة) مستعملها الذي يتقبلها من السلطان أو من يأخذ من السلطان خراجها مجاناً أو معاملة (وأخرى) من يأخذ الخراج ممّن تلقاه من السلطان والشاك في الصورة الأولى لا يجوز له تقبل الأرض أو أخذ خراجها. وما قيل ـ من أنّ استمرار يد السلاطين على أرض في العصور المتتالية كاشف عن كونها للمسلمين وإلاّ فلو كان وضع اليد عليها شيئاً حادثاً تعرض له أهل التواريخ ـ لا يمكن المساعدة عليه، وذلك فانّه يمكن حدوث الوضع وعدم تعرضهم لنقله، كما اهملوا الحوادث الكثيرة. ومع الإغماض عن ذلك، فانّ عدم تعرضهم لحدوث يد السلطان عليها في زمان كذا لا يزيد على عدم تعرضهم لكون الأرض خراجية. وقد تقدم عدم الإعتبار بنص أهل اللغة بكون الأرض خراجية، وكذا لا يمكن الحكم بالجواز باعتبار حمل تصرف السلطان فيها على الصحيح، لأنّ الصحة تكليفاً في فعله مقطوع العدم، حيث إنّه لا يجوز له التصرف فيها ولا في خراجها، كانت للمسلمين أم لغيرهم. والحمل على الصحة وضعاً أيضاً غير ممكن، لعدم إحراز ولايته على المعاملة عليها أو على أجرتها، وإحراز ولايته بقاعدة اليد ـ كما عن بعض ـ غير صحيح، للعلم بأنّ يده عليها أو على خراجها عدوانية، غاية الأمر المعتدي عليه مردد بين كونه من سائر الناس أو كونهم المسلمين، كما لا مجال لدعوى أنّ أخذه الخراج من الأراضي الخراجية أقل فساداً من أخذه من غيرها، فيحمل أخذه على كونه من الأراضي الخراجية.
والوجه في عدم المجال أنّه ليس في المقام إلاّ محرم واحد، وهو تصرفه في الأرض أو خراجها سواء كانت الأرض للمسلمين أم ملكاً لسائر الناس. وليس في البين عنوانان محكومان بالحرمة، وأحرز صدور أحدهما عن مكلف، وشك في صدور الآخر، كما إذا لم يعلم أنّه زني فقد أو زني وظلم بإكراهه المرأة على الزنا، فانّ مقتضى

أصالة الصحة عدم صدور الظلم بالإكراه، نعم لا يثبت بذلك رضا المرأة بالزنا، كما هو المقرر في محله، مع أنّ المهم في المقام هو الحمل على الصحة وضعاً. وذكرنا أنّه ـ للشك في ولاية السلطان على المعاملة على الأرض أو خراجها ـ لا مجرى لأصالتها.
وأمّا الصورة الثانية أي الأخذ ممّن تقبل الأرض أو خراجها من السلطان، فإن احتمل في حق الآخذ من السلطان الفحص وإطلاعه على حال الأرض وتقبلها أو أخذ خراجها من السلطان بعد إحراز حالها، فلا بأس بحمل فعله على الصحة بأخذ الأرض أو خراجها منه. وأمّا مع العلم بعدم التفات الآخذ إلى ذلك أو اعتماده على قول بعض أهل التواريخ الذي لا يصح الإعتماد عليه، فلا يجوز للغير المعاملة مع الآخذ، لعدم إحراز اعتبار أصالة الصحة في مثل هذه الموارد كما لا يخفى.
ثمّ إنّه لا ثمرة للبحث في فتح أرض العراق عنوة أو كونها للمسلمين شرطاً في الصلح، وذلك لعدم ترتب أثر خاص على فتح الأرض بالعنوة، فإن ما تقدم، من آثار كون الأرض للمسلمين ولو كان بالصلح. ودلالة الروايات على كون أرض العراق ملكهم واضحة. وفي صحيحة الحلبي أنّه «سئل أبو عبداللّه (ع) عن أرض السواد ما منزلته؟ فقال: لجميع المسلمين لمن هو اليوم مسلم،

ولمن يدخل في الإسلام بعد اليوم ولمن لم يخلق بعد»(362) ولذا ذكر المصنف «ره» أنّ مثلها يحتمل فتحها عنوة أو الدخول في ملكهم صلحاً. وأمّا غير أرض العراق فلم تدل على حالها رواية معتبرة، غير ما ورد في فتح خيبر. وعلى ذلك فاللازم مراعاة ما تقدم تفصيله واللّه العالم.

ما يشترط في كون الأرض خراجية


الثاني أن يكون الفتح بإذن الإمام (ع)[1].

[1] المنسوب إلى المشهور اعتبار إذن الإمام (ع) في كون الأرض خراجية بفتحها عنوة، وبدون إذنه تكون الأرض من الأنفال. ويستدل على اعتباره بمرسلة العباس الوراق عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «إذا غزوا قوم بغير إذن (ع)، فغنموا كانت كلها للإمام، وإذا غزوا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام الخمس»(363) ولكنّها لضعف سندها غير قابلة للإعتماد عليها، مع أنّها معارضة بما دلّ على أنّ الأرض المفتوحة عنوة ملك المسلمين، كمرسلة حماد بن عيسى عن أبي الحسن (ع)، وفيها: «والأرضون التي أخذت عنوة بخيل أو ركاب فهو موقوفة متروكة في يد من يعمرها ويحييها ويقوم عليه على ما صالحهم الوالي على قدر طاقتهم“»(364).
والنسبة بين هذه ومرسلة الوراق العموم من وجه، لأنّ هذه خاصة بالأراضي ومطلقة بالإضافة إلى إذن الإمام (ع) وعدمه، كما أنّ مرسلة الورق مختصة بصورة عدم إذن الإمام (ع) ومطلقة من حيث كون الغنيمة أرضاً أو غيرها. وموارد إجتماعهما هي الأرض المفتوحة بغير إذنه (ع)، وبعد سقوط الإطلاق من الجانبين يرجع إلى اطلاق الآية المباركة الدالة على خروج الخمس من مطلق الغنيمة الشاملة للأرض أيضاً، فيكون باقي الأرض للمسلمين، لأنّ تقسيم غير الخمس للمقاتلين كسائر الغنيمة غير محتمل، وكونه للإمام (ع) خلاف الآية، فتكون النتيجة عدم اعتبار إذنه (ع) في كون الأرض خراجية.
هذا كله في الكبرى أي في اعتبار إذنه (ع) في كون الأرض خراجية. وامّا الصغرى أي إذنه (ع) في الأراضي التي فتحت بعد النبي (ص)، فقد أشار إليه المصنف بقوله: (والظاهر أنّ أرض العراق مفتوحة بالإذن) ويستفاد كونها كذلك ممّا دل على أنّ أرض العراق ملك لجميع المسلمين، كما في صحيحة الحلبي المتقدمة آنفاً، وقريب منها غيرها، حيث إنّها لو كانت مفتوحة بغير إذنه (ع) لما كانت للمسلمين. ولا يبعد جريان حكم أرض العراق على سائر الأراضي المفتوحة في الإسلام، كما يظهر ذلك من صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع)، قال: «سألته عن سيرة الإمام في الأرض التي فتحت بعد رسول اللّه (ص)؟ فقال: إنّ أميرالمؤمنين (ع) قد سار في أهل العراق سيرة فهم إمام لسائر الأرضين، وقال: إنّ أرض الجزية لا ترفع عنهم الجزية»(365) حيث إنّ دلالتها ـ على جريان حكم أرض العراق على سائر الأراضي المفتوحة بعد رسول اللّه (ص) ـ واضحة، ولكن لا دلالة لها على اعتبار إذن الإمام (ع) في كون الأرض للمسلمين بفتحها عنوة، كما لا يمكن الإعتماد في ذلك على رواية جابر الجعفي أو على ما اشتهر من حضور أبي محمد الحسن (ع) في بعض الغزوات، لأنّ رواية جابر ضعيفة، ومجرد نقل القميين وضبطها في كتبهم لا يكون كاشفاً عن اعتبارها، كما أنّ حضور أبي محمد (ع) في بعض الغزوات لا يكشف عن إذن الإمام ورضاه، فلعل حضوره كان لرعاية التقية، وعدم رضاه بذلك الحرب كان لأجل المحذور في المحاربة في ذلك الوقت، حيث إنّه ربّما لا يكون فتح بلد في وقت معين صلاحاً، لتوقفه على التضحية بأرواح المسلمين وأموالهم كثيراً، بخلاف تأخيره إلى وقت آخر.
وما ذكر المصنف «ره» في كشف إذن الإمام (ع) في تلك الغزوات بحمل غزوهم على الصحة ـ لا يمكن المساعدة عليه، فانّ الغزو بدون إذن الإمام (ع) ليس بمحرم، خصوصاً في ذلك الزمان الذي لم يكن فيه خيار للمقاتلين في مخالفة أميرهم. وأيضاً الحمل على الصحة انّما يتم فيما إذا لم يكن للغزو بغير إذنه أثر ليحكم بفساده، وأثر الغزو بدون إذنه كون الغنيمة للإمام (ع).

في اعتبار الحياة في الأرض حال فتحها


الثالث أن يثبت كون الأرض المفتوحة[1].

[1] ذكر «ره» في هذا الأمر بأنّ إخراج الخمس من الغنيمة يجري في الأراضي المفتوحة عنوة ونسب ذلك إلى المشهور، وأنّ ما يكون للمسلمين بعد خراج خمسها هي المحياة أي المعمورة حال الفتح. وأمّا لميتة منها فهي كالميتة من سائر الأراضي تكون من الأنفال، بل قيل بعدم الخلاف في اعتبار الحياة الفتح.
(أقول): أمّا الأول فقد ذكر في وجهه دلالة قوله سبحانه «انّما غنمتم من شيء“»(366) على اعتبار الخمس في الغنيمة الشامله باطلاقها للأراضي المفتوحة. ولم يذكر في الآية قسمة باقيها على المقاتلين ليكون ذكرها قرينة على كون المراد بالغنائم هي الأموال المنقولة.
وفيه أنّ الأظهر عدم الخمس في الأراضي المفتوحة بل الارض بتمامها للمسلمين، فانّ الأرض المزبورة فرد من الغنيمة. وقد دلّ الدليل على أنّها لجميع المسلمين أي بتمامها. وهذا الظهور باعتبار كونه ظهور الخاص وبياناً لحكم فرد من الغنيمة مقدم على اطلاق الآية.
و(امّا الثاني) أي اعتبار الحياة فيما يكون للمسلمين بحيث تكون الموات حال الفتح داخلة في الأنفال، فقد ذكر المصنف «ره» في وجهه عموم ما دلّ على أنّ الموات من الأنفال، كما في صحيحة حفص عن أبي عبداللّه (ع)، قال: «الأنفال ما لم يوحف عليه بخيل أو ركاب أو قوم صولحوا أو قوم اعطوا بأيديهم، وكل أرض خربة وبطون الأودية فهو لرسول اللّه (ص) وهو للإمام بعده يصنعه حيث يشاء»(367) ونحوها غيرها.
(لا يقال): يعارض ذلك العموم ما دلّ على أنّ المفتحة عنوة للمسلمين، فانّه يعم الأرض المعمورة والميتة معاً، وأجاب «ره» عن ذلك بأنّ الإجماع المحكي ـ على دخول المفتوحة عنوة في ملك المسلمين ـ لا يعم الأراضي الميتة، فانّ الداخل في ملكهم بعنوان الغنيمة، وهذا العنوان يختص بما كان ملكاً للكافرين، ولا يعم الأراضي الميتة التي هي من الأنفال للإمام (ع) قبل الفتح وبعده، وكانت يد الكفار عليها يد عدوان.
وامّا الروايات كصحيحة الحلبي الواردة في حال أرض السواد أي العراق، فظاهرها أيضاً كون الداخل في ملكهم بعنوان الغنيمة التي لا تصدق على الأراضي التي لم تكن ملكاً للكفار (أقول) لم يظهر ممّا ورد في كون المفتوحة عنوة ملك المسلمين أنّ الداخل في ملكهم ما كان لاشخاص الكفار، بل يعم الأراضي التي كانت في أيديهم من المعمورة والمخروبة، فلاحظ صحيحة محمد الحلبي المتقدمة الواردة في أرض السواد، بل مقتضى تقييد الأرض الخربة ـ في موثقة إسحاق بن عمار المتقدمة بما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ـ عدم جريان حكم الأنفال على الخربة التي أوجف عليها بالخيل، حيث إنّها واردة في مقام تحديدها.
نعم لو مات المحياة حال الفتح فالظاهر بقائها على ملك المسلمين[1].

[1] قد يقال: إنّ ما ورد ـ من كون المفتوحة عنوة، موقوفة متروكة في يد من يعمرها، وانّها ملك المسلمين باطلاقه ـ يعم بقاء الأرض على الحياة أولا، كما أنّ موثقة اسحاق بن عمار ـ المتقدمة الدالة على كون الخربة من الأنفال باطلاقها ـ تعم ما إذا طرأ الخراب على المفتوحة عنوة، وبعد تساقط الإطلاق من الجانبين يرجع إلى استصحاب بقاء الأرض على ملك المسلمين.

طروء الخراب على الأراضي الخراجية


وذكر السيد الخوئي طال بقاه أنّه يحكم بعد طروء الخراب على المفتوحة، بأنّها من الأنفال، حيث إنّ شمول ـ ما دلّ على كون المفتوحة ملكاً للمسلمين لما بعد الخراب ـ بالاطلاق، ودلالة كون ـ كل خربة ملك الإما م ـ بالعموم، وعند تعارضها يقدم العموم الرضعي، لعدم تمامية مقدمات الإطلاق معه.
والحاصل: أنّه لا تصل النوبة إلى الاستصحاب ليقال بأنّ مقتضاه بقاء الأرض على حالها في كونها ملكاً للمسلمين.
وفيه أنّ لازم ما ذكر الإلتزام بخروج الأرض عن ملك محييها بمجرد خرابها، فانّ شمول ما دلّ على أنّ (من أحيى أرضاً فهي له) لما بعد الخراب بالاطلاق، فيقدم عليه العموم الدال على أنّ الخراب ملك الإمام (ع)، بل مقتضى هذا العموم دخول الأرض بالخراب في ملكه (ع)، حتى فيما إذا كان ملك الغير بالإرث أو الشراء أو نحو ذلك. ولا أظنّ أن يلتزم طال بقاه بذلك.
والأظهر ما ذكره المصنف «ره» من عدم خروج الأرض بالخراب عن ملك المسلمين لا للاستصحاب، ليقال انّه لا تصل النوبة إليه في المقام، بل لتقييد الخربة في موثقة اسحاق بن عمار الواردة في مقام بيان الأنفال، بالتي لم يوجف عليها بخيل أو ركاب، وبانجلاء أهلها، ولدلالة صحيحة سليمان بن خالد على عدم خروج الأرض الخراب عن ملك مالكها، قال: «سألت أبا عبداللّه (ع) عن الرجل يأتي الأرض الخربة فيستخرجها، ويجري أنهارها ويعمرها ويزرعها ما إذا عليه؟ قال: الصدقة قلت: فإن كان يعرف صاحبها فليود إليه حقه»(368) حيث إنّ مقتضى ثبوت أجرة المثل على معمر الأرض عدم خروجها عن ملكية مالكها، ولا يحتمل الفرق بين طرو الخراب على الأرض التي تكون ملكاً لشخص أو كونها ملكاً لعنوان المسلمين. نعم ربّما يظهر ـ خروجها إلى ملك عامرها وإن كان ملكاً لآخر من قبل، من صحيحة معاوية بن وهب، قال: «سمعت أبا عبداللّه (ع) يقول: أيّما رجل أتي خربة بائرة فاستخرجها وكرى أنهارها وعمرها فانّ عليه فيها الصدقة، فإن كانت أرضاً لرجل قبله فغاب عنها وتركها فأخربها، ثمّ جاء بعد يطلبها، فانّ الأرض للّه ولمن عمرها» ولكن هذه مطلقة من جهة اعراض المالك الأول وعدمه، فيحمل على صورة الاعراض، لظهور صحيحة سليمان بن خالد في خصوص عدم الاعراض كما لا يخفى.
ثمّ إنّه لا دلالة لصحيحة سليمان بن خالد على جواز استعمال الأرض واحيائها ولو بلا رضا مالكها. والوجه في عدم دلالتها عدم ورود في بيان هذه الجهة، حيث إنّ السؤال فيها عن الحق الثابت على مستعملها.
والحاصل أنّ مقتضى احترام مال المسلم عدم جواز التصرف في أرضه بدون رضاه. وما ورد ـ من سقوط احترام الملك في مورد تعطيل المالك، الأرض ثلاث سنين أو عشر سنين ـ لضعفه لا يصلح للاعتماد عليه.
ومع الشك فيها فالأصل العدم[1].

[1] ثمّ إنّه بناءاً على اعتبار الحياة حال الفتح تدخل الأرض في ملك المسلمين على تقدير حياتها، وعلى تقدير مماتها حاله تدخل في ملك محييها، ثمّ إلى غيره بالإرث أو غير ذلك، وإذا شك في حال الأرض زمان فتحها، فإن كانت بيد من يدعى الملكية لها فيحكم بكونها ملكاً له، وعلى تقدير عدم اليد أو اعتراف ذي اليد بأنّها ليست له، أو كونها بيد السلطان الجائر المعلوم عدم ولايته عليها، يدور أمرها بين كونها ملك المسلمين أو ملكاً لشخص آخر أو ملك الإمام (ع) لانقضاء المالك الشخصي وورثته فالأصل عدم كونها عامرة حال فتحها، كما أنّ الأصل عدم كونها فعلاً لشخص آخر ونتيجة الأصلين كونها من الأنفال على ما تقدم.
وما ذكر المصنف «ره» من لزوم الجمع بين رعاية حكم أرض الخراج وحكم المال المجهول مالكه أو القرعة فيها ـ لا يمكن المساعدة عليه نعم الأول احتياط مستحب.
فنيزل على أن كلّها كانت عامرة[1].

[1] لا يحتمل ذلك عادة، بل إطلاق أرض السواد باعتبار غلبة الحياة على أراضيها وما ذكره ـ من تأييد كون أرض العراق بتمامها عامرة بتحديد أرض الخراج بما في المنتهى وغيره ـ ضعيف بل لم يعلم وجه التأييد فتدبّر. إلى هنا انتهى ما أردنا إيراده في المكاسب المحرمة ويتلوه كتاب البيع إنشاء اللّه تعالى.
والحمد للّه أولاً وآخراً

back

fehrest