* (باب 12) * ذكر الامام القائم بعد أبى جعفر محمد بن على عليهما السلام

من ولده وتاريخ مولده، ودلايل امامته، ومدة خلافته، ووقت وفاته، وموضع قبره، وعدد اولاده، ومختصر من اخباره وكان الصادق جعفر بن محمد بن على بن الحسين عليهم السلام من بين اخوته خليفة أبيه محمدبن على عليهما السلام ووصيه القائم بالامامة من بعده، وبرز على جماعتهم بالفضل، وكان أبنههم ذكرا وأعظمهم قدرا، وأجلهم في العامة والخاصة، ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر ذكره في البلدان ولم ينقل عن احد من اهل بيته العلماء ما نقل عنه، ولا لقى احد منهم من أهل الآثار ونقلة الاخبار، ولا نقلوا عنهم كما نقلوا عن أبى عبدالله عليه السلام، فإن أصحاب الحديث قد جمعوا السماء الرواة عنه من الثقاة على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا أربعة آلاف رجل.]

[174]

[وكان له عليه السلام من الدلايل الواضحة في امامته ما بهرت القلوب، واخرست المخالف عن الطعن فيها بالشبهات.وكان مولده بالمدينة سنة ثلاث وثمانين.ومضى عليه السلام في شوال من سنة ثمان وأربعين ومأة، وله خمس وستون سنة، ودفن بالبقيع مع ابيه وجده وعمه الحسن عليهم السلام.وامه ام فروة بنت القاسم بن محمد بن ابى بكر.وكانت امامته عليه السلام اربعا وثلاثين سنة.ووصى اليه ابوه ابوجعفر عليه السلام وصية ظاهرة ونص عليه بالامامة نصا جليا.

1 - فروى محمد بن ابى عمير عن هشام بن سالم عن أبى عبدالله جعفر بن محمد عليهما السلام قال: لما حضرت أبى الوفاة قال: ياجعفر أوصيك بأصحابى خيرا قلت: جعلت فداك، والله لادعنهم والرجل منهم يكون في المصر فلا يسئل أحدا.

2 - وروى ابان بن عثمان عن أبى الصباح الكنانى قال: نظر ابوجعفر عليه السلام إلى ابنه أبى عبدالله عليه السلام فقال: ترى هذا؟ هذامن الذين قال الله عزوجل: " ونريدان نمن على الذين استضعفوا]

[175]

[في الارض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين ".

3 - وروى هشام بن سالم عن جابر بن يزيد الجعفى قال: سئل ابوجعفر عليه السلام عن القائم بعده؟ فضرب بيده على ابى عبدالله عليه السلام وقال: هذا والله قائم آل محمد عليه السلام.

4 - وروى على بن الحكم عن طاهر صاحب ابى حعفر عليه السلام قال: كنت عنده فأقبل جعفر عليه السلام، فقال أبوجعفر عليه السلام: هذاخير البرية.

5 - وروى يونس بن عبدالاعلى مولى آل سام عن أبى عبدالله عليه السلام قال: ان ابى عليه السلام استود عنى ما هناك، فلما حضرته الوفاة قال: ادع لى شهودا، فدعوت أربعة من قريش فيهم نافع مولى عبدالله بن عمر، فقال: اكتب: هذا ما أوصى به يعقوب بنيه: " يا بنى ان الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن الا وأنتم مسلمون " واوصى محمد بن على إلى جعفر بن محمد وأمره ان يكفنه في برده الذي يصلى فيه الجمعة، وان يعممه بعمامته، وان يربع قبره ويرفعه أربع أصابع، وان يحل عنه اطماره عند دفنه،]

[176]

[ثم قال للشهود: انصرفوا رحمكم الله، فقلت له: يا أبت ما كان في هذا بأن يشهد عليه؟ فقال: يا بنى كرهت أن تغلب، وان يقال: لم يوص اليه، فاردت ان تكون لك الحجة.واشباه هذا الحديث في معناه كثيرة، وقد جائت الرواية التى قدمنا ذكرها في خبر اللوح بالنص عليه من الله تعالى بالامامة، ثم الذي قدمنا من دلائل العقول: على ان الامام لا يكون الا الافضل، يدل على امامته عليه السلام، لظهور فضله في العلم والزهد والعمل على كافة اخوته وبنى عمه وساير الناس من اهل عصره.ثم الذي يدل على فساد امامة من ليس بمعصوم كعصمة الانبياء، وليس بكامل في العلم، وظهور تعرى من سواه ممن ادعى له الامامة في وقته عن العصمة، وقصور هم عن الكمال في علم الدين يدل على امامته عليه السلام، اذ لابد من امام معصوم في كل زمان حسب ما قد مناه ووصفناه.وقد روى الناس من آيات الله الظاهرة على يديه عليه السلام ما يدل على امامته وحقه، وبطلان مقال من ادعى الامامة لغيره.]

[177]

[1 - فمن ذلك مارواه نقلة الآثارمن خبره عليه السلام مع المنصور لما أمر الربيع باحضار أبى عبدالله عليه السلام، فأحضره، فلما بصربه قال له: قتلنى الله ان لم أقتلك أتلحد في سلطانى وتبغينى الغوائل؟ فقال له أبوعبدالله عليه السلام: والله ما فعلت ولا أردت، وإن كان بلغك فمن كاذب، ولو كنت فعلت فقد ظلم يوسف فغفر، وابتلى ايوب فصبر، واعطى سليمان فشكر، فهؤ لاء أنبياء الله واليهم يرجع نسبك؟ فقال له المنصور: اجل ارتفع هاهنافقال له: ان فلان أخبرنى عنك بما ذكرت؟ فقال: أحضره يا أمير المؤمنين ليوافقنى على ذلك، فاحضر الرجل المذكور فقال له المنصور: أنت سمعت ما حكيت عن جعفر عليه السلام؟ قال: نعم فقال له أبوعبدالله عليه السلام: فاستحلفه على ذلك، فقال له المنصور: أتحلف؟ قال: نعم وابتدأ باليمين، فقال له ابوعبدالله عليه السلام: دعنى ياأمير المومنين احلفه أنا؟ فقال له: افعل فقال أبوعبدالله عليه السلام للساعى: قل برئت من حول الله وقوته، والتجئت إلى حولى وقوتى لقد فعل كذا وكذا جعفر وقال كذاو كذا جعفر، فامتنع منها هنيئة ثم حلف بها، فما برح حتى ضرب برجله فقال أبوجعفر: جروا برجله فاخرجوه لعنه الله.]

[178]

[قال الربيع: وكنت رأيت جعفربن محمد عليهما السلام حين دخل على المنصور يحرك شفيته، فكلما حركهما سكن غضب المنصور حتى أدناه منه، وقد رضى عنه، فلما خرج أبوعبدالله من عندابى جعفر اتبعته فقلت له: ان هذا الرجل كان من أشد الناس غضبا عليك، فلما دخلت عليه دخلت وأنت تحرك شفتيك، وكلما حركتهما سكن غضبه، فبأى شئ كنت تحركهما؟ قال: بدعاء جدى الحسين بن على عليهما السلام، قلت: جعلت فداك وما هذا الدعاء؟ قال: " يا عدتى عند شدتى وياغوثى عند كربتى احرسنى بعينك التي لاتنام واكنفنى بركنك الذي لايرام ".

قال الربيع: فحفظت هذا الدعاء فما نزلت بى شدة قط الادعوت به ففرج عنى، قال: وقلت لجعفر بن محمد عليهما السلام: لم منعت ان يحلف بالله؟ قال: كرهت أن يراه الله يوحده ويمجده فيحلم عنه ويؤحر عقوبته، فاستحلفته بما سمعت فاخذه الله اخذة رابية.

2 - وروى ان داود بن على بن عبدالله بن عباس قتل المعلى بن خنيس مولى جعفر بن محمد عليهما السلام، واخذ ماله، فدخل عليه جعفر عليه السلام وهويجر ردائه فقال له: قتلت مولاى وأخذت مالى]

[179]

[اما علمت ان الرجل ينام على الثكل، ولا ينام على الحرب؟ اما والله لادعون الله عليك، فقال له داود: أتهد دنا بدعائك - كالمستهزء بقوله - ! فرجع أبوعبدالله عليه السلام إلى داره، فلم يزل ليله كله قائما وقاعدا حتى اذا كان السحر سمع وهو يقول في مناجاته: " يا ذا القوة القوية وياذا المحال الشديد وياذا العزة التى كل خلقك لها ذليل اكفنى هذه الطاغية وانتقم لى منه " فما كان الاساعة حتى ارتفعت الاصوات بالصياح، وقيل: قدمات داود بن على الساعة.

3 - وروى ابوبصير قال: دخلت المدينة وكانت معى جويرية فأصبت منها، ثم خرجت إلى الحمام فلقيت أصحابنا الشيعة وهم متوجهون إلى جعفر بن محمد عليهما السلام، فخفت ان يسبقونى ويفوتنى الدخول اليه، فمشيت معهم حتى دخلت الدار، فلما مثلت بين يدى ابى عبدالله عليه السلام نظر إلى ثم قال: يا أبا بصير أما علمت أن بيوت الانبياء لا يدخلها الجنب؟ فاستحييت وقلت له: يا بن رسول الله انى لقيت أصحابنا فخشيت أن يفوتنى الدخول معهم ولن أعود إلى مثلها وخرجت.]

[180]

[وجائت الرواية عنه مستفيضة بمثل ما ذكر ناه من الآيات والاخبار بالغيوب، مما يطول تعداده.

وكان يقول عليه السلام: علمنا غابر ومزبور ونكت في القلوب، ونقر في الاسماع، وان عندنا الجفر الاحمر، والجفر الابيض، ومصحف فاطمة عليهما السلام، وإن عندنا الجامعة فيها جميع ما يحتاج الناس اليه.

فسئل عن تفسير هذا الكلام؟ فقال: اما الغابر فالعلم بما يكون، واما المزبور فالعلم بما كان واما النكت في القلوب فهو الالهام، والنقر في الاسماع حديث الملائكة نسمع كلامهم ولانرى اشخاصهم، واما الجفر الاحمر فوعاء فيه سلاح رسول الله صلى عليه وآله، ولن يخرج حتى يقوم قائمنا أهل البيت، واما الجفر الالابيض فوعاء فيه توراة موسى وأسماء وزبور داود، وكتب الله الاولى، واما مصحف فاطمة عليها السلام ففيه ما يكون من حادث وأسماء كل من يملك إلى ان تقوم الساعة، واما الجامعة فهى كتاب طوله سبعون ذراعا املاء رسول الله صلى الله عليه وآله من فلق فيه، وخط على بن ابيطالب عليه السلام بيده، فيه والله جميع ما يحتاج الناس اليه إلى يوم القيمة، حتى ان فيه ارش الخدش والجلدة ونصف الجلدة،]

[181]

[وكان عليه السلام يقول: ان حديثى حديث أبى، وحديث ابى حديث جدى، وحديث جدى حديث على بن أبيطالب أمير المؤمنين، وحديث على اميرالمؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله، وحديث رسول الله قول الله عزوجل.

وروى ابوحمزة الثمالى عن أبيعبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام قال: سمعته يقول: ألواح موسى عليه السلام عندنا، وعصا موسى عليه السلام عندنا، ونحن ورثة النبيين.

وروى معاوية بن وهب عن سعيد السمان قال: كنت عند أبى عبدالله جعفر بن محمد عليهما السلام، اذ دخل عليه رجلان من الزيدية، فقالا له: أفيكم إمام مفترض الطاعة؟ قال: فقال: لا ققال له: قد اخبرنا عنك الثقات انك تقول به وسموا قوما؟ وقالوا: هم أصحاب ورع وتميزو هم ممن لايكذب؟ فغضب أبوعبدالله عليه السلام وقال: ما أمرتهم بهذا، فلما رأيا الغضب في وجهه خرجا، فقال لي: أتعرف هذين؟ قلت: نعم هما من أهل سوقنا وهما من الزيدية، وهما يزعمان ان سيف رسول الله صلى الله عليه وآله]

[182]

[عند عبدالله بن الحسن، فقال: كذبا لعنهما الله، والله ما رآه عبدالله بن الحسن بعينيه، ولا بواحدة من عينيه، ولارآه أبوه، اللهم إلا أن يكون رآه عند علي بن الحسين عليهما السلام، فإن كانا صادقين فما علامة في مقبضه؟ وما أثر في موضع مضربه؟ وأن عندي لسيف رسول الله صلى الله عليه وآله، وان عندى لراية رسول الله صلى الله عليه وآله ودرعه ولامته ومغفره، فان كانا صادقين فما علامة في درع رسول الله صلى الله عليه وآله؟ وان عندى لراية رسو ل الله صلى الله عليه وآله المغلبة وان عندى ألواح موسى وعصاه، وان عندى خاتم سليمان بن داود، وان عندى الطشت الذي كان موسى يقرب فيه القربان، وإن عندى الاسم الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا وضعه بين المسلمين والمشركين لم تصل من المشركين إلى المسلمين نشابة، وإن عندى لمثل الذي جائت به الملائكة، ومثل السلاح فينا كمثل التابوت في بني اسرائيل، كانت بنو إسرائيل في اى بيت وجد التابوت على ابوابهم أوتوا النبوة، ومن صار اليه السلاح منا اوتى الامامة، ولقد لبس ابى ذرع رسول الله صلى الله عليه وآله فخطت عليه الارض خطيطا ولبستها أنا فكانت و كانت، وقائمنا من اذا لبسها ملاها انشاء‌الله.

وروى عبد الا على بن أعين قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: عندى سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله لا انازع فيه، ثم قال: ان السلاح مدفوع عنه، لو وضع عند شر خلق الله كان خيرهم، ثم قال]

[183]

[ان هذا الامر يصير إلى من يلوى له الحنك فإذا كانت من الله فيه المشية أخرج فيقول الناس: ما هذا الذي كان؟ ويضع الله له يدا على رأس رعيته.

وروى عمربن أبان قال: سئلت أبا عبدالله عليه السلام عما يتحدث الناس انه رفع إلى ام سلمة رحمة الله عليها صحيفة مختومة، فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وآله لما قبض ورث علي عليه السلام علمه وسلاحه وما هناك، ثم صار إلى الحسن عليه السلام، ثم صار إلى الحسين عليه السلام، قال: فقلت له: ثم صار إلى على بن الحسين عليهما السلام، ثم صار إلى ابنه ثم انتهى اليك؟ قال: نعم.والاخبار في هذا المعنى كثيرة، وفيما أثبتناه منها كفاية في الغرض الذي نؤمه انشاء الله تعالى.]