احتجاج الحسين (ع) بذكر مناقب أميرالمؤمنين واولاده عليهم السلام ... حين أمر معاوية بلعن أميرالمؤمنين (ع) وقتل شيعته، وقتل من يروي شيئا من فضائله عن سليم بن قيس قال: قدم معاوية بن أبي سفيان حاجا في خلافته فاستقبله أهل المدينة، فنظر فاذا الذين استقبلوه ما فيهم أحد من قريش، فلما نزل قال: ما فعلت الانصار وما بالها لم تستقبلني؟ فقيل له: انهم محتاجون ليس لهم دواب. فقال معاوية: فأين نواضحهم؟ فقال قيس بن سعد بن عبادة - وكان سيد الانصار وابن سيدها: افنوها يوم بدر واحد وما بعدهما من مشاهد رسول الله صلى الله عليه وآله، حين ضربوك وأباك على الاسلام حتى ظهر أمر الله وانتم كارهون، فسكت معاوية، فقال قيس: أما ان رسول الله صلى الله عليه وآله عهد الينا انا سنلقى بعده اثرة. فقال معاوية: فما أمركم به؟ فقال: أمرنا أن نصبر حتى نلقاه. قال: فاصبروا حتى تلقوه ! ثم ان معاوية مر بحلقة من قريش فلما رأوه قاموا غير عبدالله بن عباس فقال له: يابن عباس ما منعك من القيام كما قام أصحابك، الا لموجدة اني قاتلتكم بصفين، فلا تجد من ذلك يابن عباس ! فان ابى عمي عثمان قد قتل مظلوما !

 [16]

قال ابن عباس: فعمر بن الخطاب قد قتل مظلوما. قال: ان عمر قتله كافر. قال ابن عباس: فمن قتل عثمان؟ قال: قتله المسلمون. قال: فذلك أدحض لحجتك. قال: فانا قد كتبنا في الافاق تنهى عن ذكر مناقب علي وأهل بيته، فكف لسانك. فقال: يا معاوية أتنهانا عن قرائة القرآن؟ ! قال: لا. قال: أتنهانا عن تأويله؟ ! قال: نعم. قال: فتقرأه ولا نسأل عما عنى الله به؟ ثم قال: فايهما أوجب علينا قرائته أو العمل به؟ قال: العمل به. قال: فكيف نعمل به ولا نعلم ما عنى الله؟ ! قال: سل عن ذلك من يتأوله غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك. قال: انما انزل القرآن على أهل بيتي فاسأل عنه آل أبي سفيان يا معاوية أتنهانا ان نعبد الله بالقرآن بما فيه من حلال وحرام؟ ! فان لم تسأل الامة عن ذلك حتى تعلم تهلك وتختلف. قال: اقرؤا القرآن وتأولوه ولا ترووا شيئا مما انزل الله فيكم، وارووا ما سوى ذلك. قال: فان الله يقول في القرآن: (يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله الا أن يتم نوره ولو كره الكافرون). قال: يابن عباس أربع على نفسك، وكف لسانك، وان كنت لابد فاعلا فليكن ذلك سرا لا يسمعه أحد علانية.

 [17]

ثم رجع إلى بيته فبعث اليه بمائة الف درهم، ونادى منادي معاوية أن قد برئت الذمة ممن يروي حديثا من مناقب علي وفضل أهل بيته، وكان أشد الناس بلية أهل الكوفة، لكثرة من بها من الشيعة، فاستعمل زياد ابن أبيه وضم اليه العراقين: الكوفة والبصرة، فجعل يتتبع الشيعة وهو بهم عارف، يقتلهم تحت كل حجر ومدر وأخافهم، وقطع الايدي والارجل، وصلبهم في جذوع النخل، وسمل أعينهم، وطردهم وشردهم، حتى نفوا عن العراق فلم يبق بها أحد معروف مشهور، فهم بين مقتول أو مصلوب، أو محبوس، أو طريد، أو شريد. وكتب معاوية إلى جميع عماله في جميع الامصار: ان لا تجيزوا لاحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة، وانظروا قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه ومحبي أهل بيته واهل ولايته، والذين يروون فضله ومناقبه فأدنوا مجالسهم، وقربوهم، واكرموهم، واكتبوا بمن يروي من مناقبه واسم ابيه وقبيلته، ففعلوا، حتى كثرت الرواية في عثمان، وافتعلوها لما كان يبعث اليهم من الصلات والخلع والقطايع، من العرب والموالي، وكثر ذلك في كل مصر، وتنافسوا في الاموال والدنيا، فليس احد يجئ من مصر من الامصار فيروي في عثمان منقبة أو فضيلة الا كتب اسمه، واجيز، فلبثوا بذلك ما شاء الله. ثم كتب إلى عماله: ان الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر، فادعوا الناس إلى الرواية في معاوية وفضله وسوابقه، فان ذلك أحب الينا، واقر لاعيننا، وادحض لحجة أهل هذا البيت، وأشد عليهم، فقرأ كل أمير وقاض كتابه على الناس، فأخذ الرواة في فضائل معاوية على المنبر في كل كورة وكل مسجد زورا، والقوا ذلك إلى معلمي الكتاتيب فعلموا ذلك صبيانهم، كما يعلمونهم القرآن، حتى علموه بناتهم ونساؤهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله. وكتب زياد بن أبيه اليه في حق الحضرميين: انهم على دين علي، وعلى رأيه فكتب اليه معاوية: اقتل كل من كان على دين علي ورأيه فقتلهم ومثل بهم. 

[18]

وكتب كتابا آخر انظروا من قبلكم من شيعة علي واتهموه بحبه فاقتلوه وان لم تفم عليه البينة فاقتلوه على التهمة والظنة والشبهة تحت كل حجر، حتى لو كان الرجل تسقط منه كلماته ضربت عنقه، حتى لو كان الرجل يرمى بالزندقة والكفر كان يكرم ويعظم ولا يتعرض له بمكروه، والرجل من الشيعة لا يأمن على نفسه في بلد من البلدان لا سيما الكوفة والبصرة، حتى لو ان احدا منهم اراد ان يلقي سرا إلى من يثق به لاتاه في بيته فيخاف خادمه ومملوكه، فلا يحدثه الا بعد أن يأخذ عليهم الايمان المغلظة: ليكتمن عليه، ثم لا يزداد الامر الاشدة، حتى كثر وظهر أحاديثهم الكاذبة، ونشأ عليه الصبيان يتعلمون ذلك. وكان اشد الناس في ذلك القراء المراؤن المتصنعون الذين يظهرون الخشوع والورع، فكذبوا وانتحلوا الاحاديث وولدوها فيحظون بذلك عند الولاة والقضاة ويدنون مجالسهم، ويصيبون بذلك الاموال والقطايع والمنازل، حتى صارت أحاديثهم ورواياتهم عندهم حقا و صدقا، فرووها وقبلوها وتعلموها وعلموها، واحبوا عليها وابغضوا من ردها او شك فيها، فاجتمعت على ذلك جماعتهم، وصارت في يد المتنسكين والمتدينين منهم الذين لا يحبون الافتعال إلى مثلها، فقبلوها وهم يرون انها حق، ولو علموا بطلانها وتيقنوا انها مفتعلة لاعرضوا عن روايتها ولم يدينوا بها، ولم يبغضوا من خالفها، فصار الحق في ذلك الزمان عندهم باطلا والباطل عندهم حقا، والكذب صدقا، والصدق كذبا. فلما مات الحسن بن علي ازداد البلاء والفتنة، فلم يبق لله ولي الاخائف على نفسه، او مقتول، او طريد، او شربد. فلما كان قبل موت معاوية بسنين حج الحسين بن علي عليه السلام وعبدالله بن جعفر، وعبدالله بن عباس معه. وقد جمع الحسين بن علي عليه السلام بني هاشم، رجالهم ونساء‌هم، و مواليهم، وشيعتهم، من حج منهم ومن لم يحج، ومن الانصار ممن يعرفونه، واهل بيته، ثم لم يدع احدا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ومن ابنائهم والتابعين، ومن الانصار المعروفين بالصلاح والنسك الا جمعهم فاجتمع عليه بمنى اكثر من الف رجل، والحسين عليه السلام في سرادقه

 [19]

عامتهم التابعون وأبناء الصحابة، فقام الحسين عليه السلام فيهم خطيبا، فحمد الله واثنى عليه ثم قال: اما بعد: فان الطاغية قد صنع بنا وبشيعتنا ما قد علمتم ورأيتم وشهدتم وبلغكم، واني اريد أن اسألكم عن أشياء فان صدقت فصدقوني، وان كذبت فكذبوني، اسمعوا مقالتي، واكتموا قولي، ثم ارجعوا إلى أمصاركم وقبائكم من أمنتموه ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون، فاني أخاف أن يندرس هذا الحق ويذهب، والله متم نوره ولو كره الكافرون، فما ترك الحسين شيئا أنزل الله فيهم من القرآن الا قاله وفسره، ولا شيئا قاله الرسول في أبيه وامه وأهل بيته الا رواه، وكل ذلك يقول الصحابة: (اللهم نعم، قد سمعناه وشهدناه) ويقول التابعون: (اللهم قد حدثنا من نصدقه ونأتمنه) حتى لم يترك شيئا الا قاله ثم قال: انشدكم بالله الا رجعتم وحدثتم به من تثقون به، ثم نزل وتفرق الناس على ذلك.