احتجاجه قدس الله روحه في التعظيم والتقديم لائمتنا عليهم السلام على سائر الورى... ما عدا نبينا عليه السلام بطريقة لم يسبقه اليها احد ذكرها في رسالة الموسومة بالرسالة الباهرة في فضل العترة الطاهرة قال: ومما يدل أيضا على تقديمهم وتعظيمهم على البشر: ان الله تعالى دلنا على ان المعرفة بهم كالمعرفة به تعالى، في انها: (ايمان واسلام) وان الجهل بهم والشك فيهم كالجهل به والشك فيه، في انه (كفر وخروج من الايمان) 

[337]

وهذه منزلة ليس لاحد من البشر إلا لنبينا صلى الله عليه وآله، وبعده لاميرالمؤمنين والائمة من ولده عليهم السلام، لان المعرفة بنبوة الانبياء المتقديم من آدم إلى عيسى عليهم السلام غير واجبة علينا، ولا تعلق لها بشئ من تكاليفنا، ولو لا أن القرآن ورد بنبوة من سمي فيه من الانبياء المتقدمين فعرفناهم تصديقا للقرآن، وإلا فلا وجه لوجوب معرفتهم علينا، ولا تعلق لها بشئ من أحوال تكاليفنا. وبقي علينا ان ندل على ان الامر على ما ادعيناه. والذي يدل على ان المعرفة بامامة من ذكرناه عليهم السلام من جملة الايمان، وان الاخلال بها كفر ورجوع عن الايمان: (اجماع) الشيعة الامامية على ذلك فانهم لا يختلفون فيه، واجماعهم حجة، بدلالة ان قول الحجة المعصوم الذي قد دلت العقول على وجوده في كل زمان في جملتهم وفي زمرتهم، وقد دللنا على هذه الطريقة في مواضع كثيرة من كتبنا، واستوفينا ذلك في جواب المسائل التبانيات خاصة، وفي كتاب نصرة ما انفردت به الشيعة الامامية من المسائل الفقهية، فان هذا الكتاب مبني على صحة هذا الاصل. ويمكن أن يستدل على وجوب المعرفة بهم عليهم السلام: (باجماع الامة) مضافا إلى ما بيناه من اجماع الامامية. وذلك: ان جميع اصحاب الشافعي يذهبون إلى ان الصلاة على نبينا في التشهد الاخير فرض واجب، وركن من اركان الصلاة، متى اخل بها الانسان فلا صلاة له، واكثرهم يقول: ان الصلاة في هذا التشهد على آل النبي عليهم الصلاة والسلام في الوجوب واللزوم ووقوف أجزاء الصلاة عليهم كالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله، والباقون منهم يذهبون: إلى ان الصلاة على الال مستحبة وليست بواجبة، فعلى القول الاول لابد لكل من وجبت عليه الصلاة من معرفتهم من حيث كان واجبا عليه الصلاة عليهم، فان الصلاة عليهم فرع على المعرفة بهم، ومن ذهب إلى ان ذلك مستحب فهو من جملة العبادة، وان كان مسنونا مستحبا، والتعبدية يقتضي التعبد بما لا يتم إلا به من المعرفة.

 [338]

ومن عدى اصحاب الشافعي لا ينكرون ان الصلاة على النبي وآله عليهم السلام في التشهد مستحبة، وأي شبهة تبقى مع هذا في انهم عليهم السلام أفضل الناس وأجلهم، وذكرهم واجب في الصلاة، وعند أكثر الامة من الشيعة الامامية، وجمهور اصحاب الشافعي: ان الصلاة تبطل بتركه، وهل مثل هذه الفضيلة لمخلوق سواهم او يتعداهم. ومما يمكن الاستدلال به على ذلك: ان الله تعالى قد ألهم جميع القلوب وغرس في كل النفوس تعظيم شأنهم، واجلال قدرهم، على تباين مذاهبهم، واختلاف ديانتهم ونحلهم، وما اجمع هؤلاء المختلفون والمتباينون مع تشتت الاهواء وتشعب الاراء على شئ كأجماعهم على تعظيم من ذكرنا واكباره، فانهم يزورون قبورهم ويقصدون من شاحط البلاد وشاطها مشاهدهم، ومدافنهم، والمواضع التي رسمت بصلاتهم فيها، وحلولهم بها، وينفقون في ذلك الاموال، ويستنفدون الاحوال. فقد اخبرني من لا احصيه كثرة: ان أهل نيشابور ومن والاها من تلك البلدان يخرجون في كل سنة إلى طوس لزيارة الامام أبي الحسن علي بن موسى الرضا صلوات الله عليهما بالجمال الكثيرة، والاهب التي لا يوجد مثلها إلا للحج إلى بيت الله الحرام، هذا مع ان المعروف من انحراف أهل خراسان عن هذه الجهة، وازورارهم عن هذا الشعب، وما تسخير هذه القلوب القاسية، وعطف هذه الامم النائية، إلا كالخارقات للعادات، والخارج عن الامور المألوفات، وإلا فما الحامل للمخالفين لهذه النحلة، المنحازين عن هذه الجملة، على ان يراوحوا هذه المشاهد ويغادوها، ويستنزلوا عندها من الله تعالى الارزاق، ويستفتحوا بها الاغلاق، ويطلبوا ببركتها الحاجات، ويستدفعوا البليات، والاحوال الظاهرة كلها لا توجب ذلك، ولا تقتضيه ولا تستدعيه، وإلا فعلوا ذلك فيمن يعتقدونهم أو اكثرهم امامته وفرض طاعته، وانه في الديانة موافق لهم غير مخالف، ومساعد غير معاند، ومن المحال أن يكونوا فعلوا ذلك لداع من دواعي الدنيا، فان الدنيا عند غير هذه الطائفة موجودة، وعندها هي مفقودة، ولا لتقية واستصلاح، فان التقية هي فيهم لا منهم، ولا خوف من جهتهم، ولا سلطان لهم، وكل خوف انما 

[339]

هو عليهم، فلم ييق إلا داعي الدين، وذلك هو الامر الغريب العجيب الذي لا تنفذ في مثله إلا مشية الله، وقدرة القهار التي تذلل الصعاب، وتقود بأزمتها الرقاب. وليس لمن جهل هذه المزية أو تجاهلها أو تعامى عنها وهو يبصرها، أن يقول: ان العلة في تعظيم غير فرق الشيعة لهؤلاء القوم ليست ما عظمتموه وفخمتموه وادعيتم خرقه للعادة وخروجه عن الطبيعة، بل هي لان هؤلاء القوم من عترة النبي صلى الله عليه وآله، وكل من عظم النبي صلى الله عليه وآله فلابد أن يكون لعترته وأهل بيته معظما ومكرما، واذا انضاف إلى القرابة الزهد، وهجر الدنيا، والعفة، والعلم، زاد الاجلال والاكرام لزيادة أسبابها. والجواب عن هذه الشبهة الضعيفة: ان قد شارك أئمتنا عليهم السلام والصلاة في نسبهم وحسبهم وقرابتهم من النبي صلى الله عليه وآله غيرهم، وكانت لكثير منهم عبادات ظاهرة وزهادة في الدنيا بادية، وسمات جميلة، وصفات حسنة، من ولد أبيهم عليه وآله السلام ومن ولد عمهم العباس رضوان الله عليهم، فما رأينا من الاجماع على تعظيمهم، وزيارة مدافنهم، والاستشفاع بهم في الاغراض والاستدفاع بمكانهم للاعراض والامراض، ما وجدنا مشاهدا معاينا في هذا الاشتراك، وإلا فمن الذي أجمع على فرط اعظامه واجلاله من ساير صنوف العترة، يجري في هذا الحال مجرى الباقر والصادق والكاظم والرضا صلوات الله عليهم أجمعين، لان من عدا من ذكرناه من صلحاء العترة وزهادها ممن يعظمه فريق من الامة ويعرض عنه فريق، ومن عظم منهم وقدمه لا ينتهي في الاجلال والاعظام إلى الغاية التي ينتهي اليها فيمن ذكرناه ولو لا ان تفصيل هذه الجملة ملحوظ معلوم لفصلناها على طول ذلك، ولسمينا من كنينا عنه، ونظرنا بين كل معظم مقدم من العترة، ليعلم ان الذي ذكرناه هو الحق الواضح وما عداه هو الباطل الماضح(1). وبعد: فمعلوم ضرورة ان الباقر والصادق ومن وليهما من أئمة أبنائهما عليهما السلام كانوا في الديانة والاعتقاد وما يفتون به من حلال وحرام على خلاف ما يذهب اليه

___________________________________
(1) الماضخ: المشين المعيب. (*)

[340]

مخالفوا الامامية، وان ظهر شك في ذلك كله فلا شك ولا شبهة على منصف في انهم لم يكونوا على مذاهب الفرق المختلفة المجمعة على تعظيمهم والتقرب إلى الله تعالى بهم، وكيف يعترض ريب فيما ذكرناه؟ ! ومعلوم ضرورة ان شيوخ الامامية وسلفهم في ذلك الازمان كانوا بطانة للباقر وللصادق صلوات الله عليهما ومن وليهما أجمعين السلام، وملازمين لهم متمسكين بهم، ومظهرين ان كل شئ يعتقدونه وينتحلونه ويصححونه أو يبطلونه فعنهم تلقوه ومنهم اخذوه، فلو لم يكونوا عليهم السلام بذلك راضين وعليه مقرين لابوا عليهم نسبة تلك المذاهب اليهم، وهم منها بريئون خليون، ولنفوا ما بينهم من مواصلة ومجالسة، وملازمة وموالاة، ومصافاة، ومدح واطراء وثناء، ولابدلوه، باللوم والذم، والبراء‌ة والعداوة، فلو لم يكن انهم عليهم السلام لهذه المذاهب معتقدون وبها راضون، لبان لنا واتضح، ولو لم يكن إلا هذه الدلالة لكفت وأغنت، وكيف يطيب قلب عاقل، أو يسوغ في الدين لاحد: ان يعظم في الدين من هو على خلاف ما يعتقد انه الحق وما سواه باطل، ثم ينتهي في التعظيمات والكرامات إلى أبعد الغايات واقصى النهايات، وهل جرت بمثل ذلك عادة؟ او مضت عليه سنة؟ أولا يرون ان الامامية لا تلتفت إلى من خالقها من العترة، وحاد عن جادتها في الديانة، ومحجتها في الولاية، ولا تسمح له بشئ من المدح والتعظيم، فضلا عن غايته واقصى نهايته، بل تبرأ منه وتعاديه، وتجريه في جميع الاحكام مجرى من لا نسب له ولا حسب، ولا قرابة ولا علقة، وهذا يوقظ على ان الله تعالى خرق في هذه العصابة العادات، وقلب الجبلات، ليبين من عظيم منزلتهم، وشريف مرتبتهم، وهذه فضيلة تزيد على الفضائل، وتوفي على جميع الخصائص والمناقب، وكفى به برهانا لائحا، وحجابا راجحا. قطعنا هذا الكتاب على كلام السيد علم الهدى قدس الله روحه، والحمد لله رب العالمين، والصلاة على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.