احتجاج ابي جعفر محمد بن علي الثاني عليهما السلام في انواع شتى من العلوم الدينية روى أبوداود بن القسم الجعفري(1) قال: قلت لابي جعفر الثاني عليه السلام: قل هو الله احد، ما معنى الاحد؟ قال: المجمع عليه بالوحدانية، أما سمعته يقول: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والارض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله)(2) ثم يقولون بعد ذلك له شريك وصاحبة. فقلت: قوله: (لا تدركه الابصار)(3)؟ قال: يا أبا هاشم ! أوهام القلوب أدق من أبصار العيون، أنت قد تدرك بوهمك السند والهند. والبلدان التي لم تدخلها، ولم تدرك ببصرك ذلك. فأوهام القلوب لا تدركه، فكيف تدكره الابصار. وسئل عليه السلام: أيجوز أن يقال لله: انه شئ؟ فقال: نعم. تخرجه من الحدين: حد الابطال، وحد التشبيه.

___________________________________
(1) داود بن القاسم بن اسحاق بن عبدالله بن جعفر بن أبى طالب رحمه الله ذكره الشيخ في الفهرست ص 93 فقال: له كتاب. وذكره في رجاله في اصحاب الرضا عليه السلام ص 375 وفي اصحاب الجواد عليه السلام ص 401 وقال: ثقة جليل القدر وفي اصحاب الهادى عليه السلام ص 414 وفي اصحاب العسكري ص 431. وذكره العلامة في الخلاصة فقال: يكفى ابا هاشم الجعفري رحمه الله من اهل بغداد ثقة جليل القدر، عظيم المنزلة عند الائمة عليهم السلام شاهد أبا جعفر وأبا الحسن وأبا محمد عليهم السلام وكان شريفا عندهم، له موقع جليل عندهم. روى ابوه عن الصادق عليه السلام. (2) العنكبوت - 61. (3) الانعام - 103. (*)

[239]

وعن أبي هاشم الجعفري قال: كنت عند أبي جعفر الثانى عليه السلام فسأله رجل فقال: اخبرني عن الرب تبارك وتعالى أله أسماء وصفات في كتابه، وهل أسماؤه وصفاته هي هو؟ فقال أبوجعفر عليه السلام: ان لهذا الكلام وجهين: ان كنت تقول: (هي هو) انه: ذو عدد وكثرة، فتعالى الله عن ذلك، وان كنت تقول: هذه الاسماء والصفات لم تزل، فان ما لم تزل محتمل على معنيين: فان قلت لم تزل عنده في علمه، وهو يستحقها فنعم، وان كنت تقول: لم تزل صورها وهجاؤها وتقطيع حروفها فمعاذ الله أن يكون معه شئ غيره، بل كان الله تعالى ذكره ولا خلق، ثم خلقها وسيلة بينه وبين خلقه، يتضرعون بها اليه ويعبدون، وهي: (ذكره) وكان الله سبحانه ولا ذكر، والمذكور بالذكر هو الله القديم الذي لم يزل، والاسماء والصفات مخلوقات، والمعني بها هو الله، لا يليق به الاختلاف ولا الايتلاف، وانما يختلف ويتألف المتجزي، ولا يقال له قليل ولا كثير، ولكنه القديم في ذاته، لان ما سوى الواحد متجزي والله واحد ولا متجزي، ولا متوهم بالقلة والكثرة وكل متجزي أومتوهم يا لقلة والكثرة فهو مخلوق دال على خالق له، فقولك: (ان الله قدير) خبرت انه لا يعجزه شئ، فنفيت بالكلمة العجز، وجعلت العجز لسواه، وكذلك قولك: (عالم) انما نفيت بالكلمة الجهل، وجعلت الجهل لسواه، فاذا أفنى الله الاشياء أفنى (الصورة والهجاء والتقطيع) فلا يزال من لم يزل عالما. فقال الرجل: فكيف سمينا ربنا سميعا؟ فقال: لانه لا يخفى عليه ما يدرك بالاسماع، ولم نصفه بالسمع المعقول في الرأس، وكذلك سميناه (بصيرا) لانه لا يخفى عليه ما يدرك بالابصار من: لون أو شخص أو غير ذلك، ولم نصفه ببصر طرفة العين. وكذلك سميناه (لطيفا) لعلمه بالشئ اللطيف مثل: (البعوضة) وما هو أخفى من ذلك، وموضع المشي منها والشهوة والسفاد، والحدب على أولادها، واقامة بعضها على بعض، ونقلها الطعام والشراب إلى أولادها في الجبال والمغاور والاودية والقفار، وعلمنا بذلك ان خالقها لطيف بلا كيف، اذ الكيف للمخلوق المكليف، وكذلك سميناربنا (قويا) بلا 

[240]

قوة البطش المعروف من الخلق، ولو كانت قوته قوة البطش المعروف من الخلق لوقع التشبيه واحتمل الزيادة، وما احتمل الزيادة احتمل النقصان، وما كان ناقصا كان غير قديم، وما كان غير قديم كان عاجزا، فربنا تبارك وتعالى لاشبه له، ولا ضد ولاند، ولا كيفية، ولا نهاية، ولا تصاريف، محرم على القلوب أن تحتمله، وعلى الاوهام أن تحده، وعلى الضمائر أن تصوره، عزوجل عن أداة خلقه، وسمات بريته، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. عن الريان بن شبيب(1) قال: لما أراد المأمون أن يزوج ابنته ام الفضل أبا جعفر محمد بن علي عليه السلام بلغ ذلك العباسيين فغلظ عليهم ذلك، واستنكروا منه وخافوا أن ينتهي الامر معه إلى ما انتهى مع الرضا عليه السلام، فخاضوا في ذلك واجتمع منهم أهل بيته الادنون منه، فقالوا: ننشدك الله يا أميرالمؤمنين أن تقيم على هذا الامر الذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرضا عليه السلام فانا نخاف أن يخرج به عنا أمر قدملكناه الله، وينتزع منا عزا قد ألبسناه الله، وقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديما وحديا وما كان عليه خلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم والتصغير بهم، وقد كنا في وهلة من عملك مع الرضا ما عملت، وكفانا الله المهم من ذلك، فالله الله أن ترديا إلى غم قد انحسر عنا، واصرف رأيك عن ابن الرضا عليه السلام واعدل إلى من تراه من اهل بيتك يصلح لذلك دون غيره. فقال لهم المأمون: اما ما بينكم وبين آل أبي طالب فأنتم السبب فيه، ولو أنصفتم القوم لكان أولى بكم، واما ما كان يفعله من قبلي بهم، فقد كان به قاطعا للرحم، واعوذ بالله من ذلك، ووالله ما ندمت على ما كان مني من استخلاف الرضا ولقد سألته أن يقوم بالامر وانزعه من نفسي فأبى، وكان أمر الله قدرا مقدورا. واما ابوجعفر محمد بن علي، فقد اخترته لتبريزه على كافة أهل الفضل في العلم والفضل، مع صغر سنه والاعجوبة فيه بذلك، وأنا ارجوا ان يظهر للناس

___________________________________
(1) قال العلامة الحلي رحمه الله في القسم الاول من خلاصته ص 71 (الريان ان شيب - بالشين المعجمة وبعدها باء منقطة - خال المعتصم، ثقة). (*)

[241]

ما قد عرفته منه، فيعلموا ان الرأي ما رأيت. فقالوا: ان هذاالفتى وان رافك منه هديه فانه صبي لا معرفة له ولا فقه، فامهله ليتأدب ثم اصنع ما ترا بعد ذلك. فقال لهم: ويحكم اني أعرف بهذا الفتى منكم، وان هذا من اهل بيت علمهم من الله تعالى ومواده والهامه، لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين والادب عن الرعايا الناقصة عن حد الكمال، فان شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبين لكم به ما وصفت لكم من حاله. قالوا: لقد رضينا لك يا أميرالمؤمنين ولانفسنا بامتحانه، فخل بيننا وبينه لنضب من يسأله بحضرتك عن شئ من فقه الشريعة، فان اصاب في الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في حقه، وظهر للخاصة والعامة سديد رأي أميرالمؤمنين فيه وان عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه. فقال لهم المأمون: شأنكم وذلك متى أردتم. فخرجوا من عنده واجتمع رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم - وهو يومئذ قاضي الزمان - على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها، ووعدوه بأموال نفيسة على ذلك، وعادوا إلى المأمون فسألوه أن يختار لهم يوما للاجتماع فأجابهم إلى ذلك، واجتمعوا في اليوم الذي اتفقوا عليه، وحضر معهم يحيى بن أكثم، وأمر المأمون أن يفرش لابي جعفر دست ويجعل له فيه مسورتان ففعل ذلك، وخرج أبوجعفر عليه السلام وهو يومئذ ابن تسع سنين وأشهر، فجلس بين المسورتين، وجلس يحيى بن أكثم بين يديه. فقام الناس في مراتبهم، والمأمون جالس في دست متصل بدست أبي جعفر عليه السلام. فقال يحيى بن اكثم للمأمون: تأذن لي يا أميرالمؤمنين أن أسأل أبا جعفر عن مسألة؟ فقال المأمون: استأذنه في ذلك. فأقبل عليه عليه يحيى بن اكثم فقال: أتأذن لي جعلت فداك في مسألة؟

 [242]

فقال أبوجعفر عليه السلام: سل إن شئت ! فقال يحيى: ما تقول جعلت فداك في محرم قتل صيدا؟ فقال أبوجعفر عليه السلام: قتله في حل أو حرم، عالما كان المحرم أو جاهلا قتله عمدا أو خطأ، حرا كان المحرم أو عبدا، صغيرا كان أو كبيرا، مبتدئا بالقتل أو معيدا، من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها، من صغار الصيد أم من كباره مصرا على ما فعل أو نادما، في الليل كان قتله للصيد أم بالنهار، محرما كان بالعمرة اذ قتله أو بالحج كان محرما؟ فتحير يحيى بن اكثم وبان في وجهه العجز والانقطاع، وتلجلج حتى عرف جماعة اهل المجلس عجزه. فقال المأمون: الحمد لله على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي، ثم نظر إلى أهل بيته فقال لهم: أعرفتم الان ما كنتم تنكرونه؟ ثم أقبل إلى أبي جعفر فقال له: أتخطب يا أبا جعفر؟ قال: نعم. يا أميرالمؤمنين. فقال له المأمون: اخطب لنفسك جعلت فداك ! فقد رضيتك لنفسي وأنا مزوجك ام الفضل ابنتي وان رغم انوف قوم لذلك. فقال أبوجعفر عليه السلام: الحمد لله اقرارا بنعمته، ولا إله إلا الله اخلاصا لوحدانيته، وصلى الله على سيد بريته، والاصفياء من عترته. اما بعد: فقد كان من فضل الله على الانام ان اغناهم بالحلال عن الحرام فقال سبحانه: (وانكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وامائكم ان يكونوا فقراء يغنيهم الله من فضله والله واسع عليم)(1) ثم ان محمد بن علي بن موسى يخطب ام الفضل بنت عبدالله المأمون، وقد بذل لها من الصداق مهر جدته فاطمة بنت محمد عليهما السلام، وهو: (خمسمائة درهم) جيادا فهل زوجته يا وفي: بها

___________________________________
(1) النور - 32. (*)

[243]

على هذا الصداق المذكور؟ فقال المأمون: نعم. قد زوجتك يا أبا جعفر ام الفضل ابنتي على الصداق المذكور، فهل قبلت النكاح؟ قال أبوجعفر: نعم. قد قبلت ذلك ورضيت به. فأمر المأمون أن يقعد الناس على مرابتهم من الخاصة والعامة. قال الريان: ولم نلبث ان سمعنا أصواتا تشبه الملاحين في محاوراتهم، فاذا الخدم يجرون سفينة مصنوعة من فضة تشد بالحبال من الابريسم، على عجلة مملوة من الغالية، فأمر المأمون أن تخضب لحى الخاصة من تلك الغالية ففعلوا ذلك، ثم مدت إلى دار العامة فتطيبوا بها، ووضعت الموائد فأكل الناس، وخرجت الجوائز إلى كل قوم على قدرهم. فلما تفرق الناس وبقي من الخاصة من بقي قال المأمون لابي جعفر عليه السلام: جعلت فداك ! ان رأيت أن تذكر الفقه فيما فصلته من وجوه قتل المحرم لنعلمه ونستفيده. فقال أبوجعفر عليه السلام: نعم ان المحرم اذا قتل صيدا في الحل وكان الصيد من ذوات الطير وكان من كبارها فعليه شاة، وان اصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا، واذا قتل فرخا في الحل فعليه حمل قد فطم من اللبن، فاذا قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ، فاذا كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة وان كان نعامة فعليه بدنة، وان كان ظبيا فعليه شاة، فان كان قتل شيئا من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا هديا بالغ الكعبة، واذا اصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه وكان احرامه للحج نحره بمنى، وان كان احرام بعمرة نحره بمكة وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء، وفي العمد عليه المأثم، وهو موضوع عنه في الخطأ، والكفارة على الحر في نفسه، وعلى السيد في عبده، والصغير لا كفارة عليه، وهي على الكبير واجبة، والنادم يسقط ندمه عنه عقاب الاخرة، والمصر يجب عليه العقاب في الاخرة. 

[244]

فقال المأمون: أحسنت يا أبا جعفر أحسن الله اليك. فان رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك؟ فقال أبوجعفر ليحيى: أسألك؟ قال: ذلك اليك جعلت فداك، فان عرفت جواب ما تسألني عنه وإلا استفدته منك. فقال أبوجعفر عليه السلام: اخبرني عن رجل نظر إلى امرأة في أول النهار فكان نظره اليها حراما عليه، فلما ارتفع النهار حلت له، فلما زالت الشمس حرمت عليه، فلما كان وقت العصر حلت له، فلما كانت الشمس حرمت عليه، فلما دخل وقت العشاء الاخرة حلت له، فلما كان وقت انتصاف الليل حرمت عليه، فلما طلع الفجر حلت له، ما حال هذه المرأة، وبماذا حلت له وحرمت عليه؟ فقال له يحيى بن اكثم: لا والله لا اهتدي إلى جواب هذا السؤال، ولا اعرف الوجه فيه، فان رأيت أن تفيدنا. فقال أبوجعفر عليه السلام: هذه أمة لرجل من الناس، نظر اليها أجنبي في أول النهار فكان نظره اليها حراما عليه، فلما ارتفع النهار ابتاعها من مولاها فحلت له، فلما كان عند الظهر اعتقها فحرمت عليه، فلما كان وقت العصر تزوجها فحلت له، فلما كان وقت المغرب ظاهر منها(1) فحرمت عليه، فلما كان وقت العشاء الاخرة كفر عن الظهار فحلت له، فلما كان نصف الليل طلقها طلقة واحدة فحرمت عليه، فلما كان عند الفجر راجعها فحلت له. (قال): فاقبل المأمون على من حضر من اهل بيته وقال لهم: هل فيكم من يجيب عن هذه المسألة بمثل هذا الجواب، أو يعرف القول فيما تقدم من السؤال؟ قالوا: لا والله ان اميرالمؤمنين أعلم بما رأى. فقال: ويحكم ان أهل هذا البيت خصوا من الخق بما ترون من الفضل،

___________________________________
(1) الظهار هو: ان يقول الرجل لزرجته (انتى علي كظه امي) فاذا قال لها ذلك: حرمت عليه ولا يرجع بها إلا بعد ان يعطي الكفارة. (*)

[245]

وان صغر السن لا يمنعم من الكمال، أما علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله افتتح دعوته بدعاء وفي: علي بن أبي طالب عليه السلام، وهو ابن عشر سنين، وقبل منه الاسلام وحكم له به، ولم يدع أحدا في سنه غيره، وبايع الحسن والحسين عليهما السلام وهما دون الست سنين ولم يبايع صبيا غيرهما؟ أولا تعلمون الان ما اختص الله به هؤلاء القوم وانهم ذرية بعضها من بعض، يجري لاخرهم ما يجري لاولهم؟ قالوا: صدقت يا أميرالمؤمنين. ثم نهض القوم، فلما كان من الغد حضر الناس وحضر أبوجعفر عليه السلام، وصار القواد والحجاب والخاصة والعمال لتهنئة المأمون وأبي جعفر عليه السلام فاخرجت ثلاثة اطباق من الفضة، فيها بنادق مسك وزعفران معجون في اجواف تلك النادق ورقاع مكتوبة بأموال جزيلة وعطايا سنية، واقطاعات. فامر المأمون بنثرها على القوم من خاصته، فكان كل من وقع في يده بندقة اخرج الرقعة التي فيها والتمسه فاطلق له، ووضعت البدر فنثر ما فيها على القواد وغيرهم، وانصرف الناس وهم أغنياء بالجوائز والعطايا، وتقدم المأمون بالصدقة على كافة المساكين، ولم يزل مكرما لابي جعفر عليه السلام معظما لقدره مدة حياته، يؤثره على ولده وجماعة اهل بيته. وروي: ان المأمون بعدما زوج ابنته ام الفضل أبا جعفر، كان في مجلس وعنده أبوجعفر عليه السلام ويحيى بن أكثم وجماعة كثيرة. فقال له يحيى بن اكثم: ما تقول يابن رسول الله في الخبر الذي روي: انه (نزل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: يا محمد ان الله عزوجل يقرؤك السلام ويقول لك: سل أبابكر هل هو عني راض فاني عنه راض)(1).

___________________________________
(1) قال الحجة الامينى في الغدير في ج 6 بعد ذكر هذا الحديث الموضوع: (اخرجه الخطيب البغدادى في تأريخه ج 2 ص 106 من طريق محمد بن بابشاذ صاحب الطامات ساكتا عن بطلانه جريا على عادته، وذكره الذهبى في ميزان الاعتدال ج 2 ص 213 فقال: كذب). (*)

[246]

فقال أبوجعفر عليه السلام: لست بمنكر فضل أبي بكر ولكن يجب على صاحب هذا الخبران يأخذ مثال الخبر الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع: (قد كثرت علي الكذابة وستكثر بعدي فمن كذب علي معتمدا فليتبوأ مقعده من النار فاذا أتاكم الحديث عني فاعرضوه على كتاب الله وسنتي، فما وافق كتاب الله وسنتي فخذوا به، وما خالف كتاب الله وسنتي فلا تأخذوا به) وليس يوافق هذا الخبر كتاب الله قال الله تعالى: (ولقد خلقنا الانسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب اليه من حبل الوريد)(1) فالله عزوجل خفي عليه رضاء أبي بكر من سخطه حتى سأل عن مكنون سره، هذا مستحيل في العقول. ثم قال يحيى بن اكثم: وقد روي: (ان مثل أبي بكر وعمر في الارض كمثل جبرئيل وميكائيل في السماء). فقال: وهذا أيضا يجب أن ينظر فيه، لان جبرئيل وميكائيل ملكان لله مقربان يم يعصيا الله قط، ولم يفارقا طاعته لحظة واحدة، وهما قد أشركا بالله عز وجل وإن اسلما بعد الشرك. فكان اكثر أيامهما الشرك بالله فمحال أن يشبههما بهما. قال يحيى: وقد روي أيضا: (أنهما سيدا كهول أهل الجنة)(2) فما تقول فيه؟

___________________________________
(1) ق - 16. (2) ذكره الحجة الامينى في سلسلة الموضوعات ج 5 ص 276 من كتاب الغدير فقال: (من موضوعات يحيى بن عنبسة وهو ذلك الدجال الوضاع ذكره الذهبى في الميزان ج 3 ص 126 وقال: قال يونس بن حبيب: ذكرت لعلي بن المدئنى محمد بن كثير المصيصي وحديثه هذا فقال علي: كنت اشتهي ان ارى هذا الشخ فالان لا احب ان اراه. ورواه من طريق عبدالرحمن بن مالك بن مغول الكذاب الافاك لوضاع. وفي تلخيص الشافى ص 219 من الجرء الثانى: (اما الخبر الذى يتضمن انهما سيدا كهول اهل الجنة فمن تأمل اصل هذا الخبر بعين انصاف علم انه موضوع في ايام بنى امية معارضة لما روى من قوله صلى الله عليه وآله في الحسن والحسين: (انهما سيدا شباب اهل الجنة وابوهما خير منهما). وهذا الخبر الذى ادعوه يروونه عن عبيدالله بن عمر وحال عبيد الله في الانحراف من اهل البيت معروفة وهو ايضا كالجمار إلى نفسه على انه لا يخلو من ان يريد بقوله: (سيدا كهول الجنة) انهما سيدا كبول من هو في الجنة، او يراذد انهما سيدا من يدخل الجنة من كهول الدنيا. فان كان الاول، فذلك باطل. لان رسول الله قد وقفنا - واجمعت الامة - على ان جميع اهل الجنة جرد مرد، وانه لا يدخلها كهل وان كان الثانى فذلك دافع ومناقض للحديث المجمع على روايته من قوله في الحسن والحسن انهما سيدا شباب اهل الجنة وابوهما خير منهما.. الخ).

[247]

فقال عليه السلام: وهذا الخبر محال أيضا، لان أهل الجنة كلهم يكونون شبابا ولا يكون فيهم كهل، وهذا الخبر وضعه بنو امية لمضادة الخبر الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله في الحسن والحسن عليهما السلام: بانهما (سيدا شباب أهل الجنة). فقال يحيى بن اكثم: وروي: (ان عمر بن الخطاب سراج أهل الجنة). فقال عليه السلام: وهذا أيضا محال، لان في الجنة ملائكة الله المقربين، وآدم ومحمد، وجميع الانبياء والمرسلين، لا تضئ الجنة بانواهم حتى تضئ بنور عمر. فقال يحيى: وقد روي: (ان السكينة تنط على لسان عمر)(1). فقال عليه السلام: لست بمنكر فضل عمر، ولكن أبا بكر أفضل من عمر: فقال - على رأس المنبر -: (ان لي شيطانا يعتريني، فاذا ملت فسددوني).

___________________________________
(1) بهذا المضمون وردت عدة روايات منها: ان الحق ينطق على لسان عمر وان ملكا ينطق على لسانه وغير ذلك قال في تلخيص الشافى ج 2 ص 247: واما ما روى من قوله: (الحق ينطق على لسان عمر) فان كان صحيحا فانه يقتضى عصمة عمر، والقطع على ان اقواله كلها حجة وليس هذا مذهب احد فيه لانه لاخلاف في انه ليس بمعصوم وان خلافه سائغ. وكيف يكون الحق ناطقا على لسان من يرجع في الاحكام من قول إلى قول، وشهد لنفسه بالخطا، ويخالف بالشئ ثم يعود إلى قول من خالفه ويوافقه عليه وبقول: (لو لا علي لهلك عمر) و (لو لا معاذ لهلك عمر) وكيف لا يحتج بهذا الخبر هو لنفسه في بعض المقامات التى احتاج إلى الاحتجاج فيها. وكيف لم يقل ابوبكر لطلحة - حين انكر نصه عليه - بان الحق ينطق على لسانه). واحصى الحجة الامينى في ج 6 من الغدير مائة مخالفة لعمر بن الخطاب ثم قال: هذا قليل من كثير مما وقفنا عليه من (نوادر الاثر في علم عمر) وبوسعنا الان ان نأتى باضعاف ما سردناه لكنا نقتصر على هذا رعاية لمقتضى الحال.

[248]

فقال يحيى: قد روي: ان النبي صلى الله عليه وآله قال: (لو لم ابعث لبعث عمر)(1). فقال عليه السلام: كتاب الله أصدق من هذا الحديث، يقول الله في كتابه: (وإذ اخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح)(2) فقد اخذ الله ميثاق النبيين فكيف يمكن أن يبدل ميثاقه، وكل الانبياء عليهم السلام لم يشركوا بالله طرفة عين، فكيف يبعث بالنبوة من اشرك وكان اكثر ايامه مع الشرك بالله، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: نبئت وآدم بين الروح والجسد). فقال يحيى بن اكثم: وقد روي ايضا: ان النبي صلى الله عليه وآله قال: (ما احتبس عني الوحي قط إلا ظننته قد نزل على آل الخطاب)(3).

___________________________________
(1) قال الامينى في الجزء الخامس من الغدير اخرجه ابن عدى بطريقين: وقال: لا يصح زكريا (الوكار) كذاب يضع، وابن واقد عبدالله متروك، ومشرح ابن (عاهان) لا يحتج به. (2) الاحزاب - 7. (3) قال الامينى في ج 6 ص 312 من الغدير: وامثال هذه الاكاذيب فان من يكون بتلك المثابة حتى يكاد ان يبعث نبيا لا يفقد علم واضحات المسائل عند ابتلائه او ابتلاء من يرجع امره اليه من امته بها، ولا يتعلم القرآن في اثنتى عشر سنة واين كان الحق والملك والسكينة يوم كان لا يهتدى إلى امهات المسائل سبيلا فلا تسدده ولا تفرغ الجواب على لسانه، ولا تضع الحق في قلبه، وكيف يسع المسدد بذلك كله ان يحسب كل الناس افقه منه حتى ربات الحجال؟ وكيف كان يأخذ علم الكتاب والسنة من نساء الامة وغوغا الناس فضلا عن رجالها واعلامها؟ وكيف كان يرى عرفان لفظه في القرآن تكلفا ويقول: هذا لعمر الله هو التكلف، ما عليك يابن ام عمران لا تدري ما الاب؟ وكيف كان يأخذ عن اولئك الجم الغفير من الصحابة ويستفتيهم في الاحكام؟ وكيف كان يعتذر عن جهله اوضح ما يكون من السنة بقوله: الهاني عنه الصفق بالاسواق؟ وكيف كان لم يسعه ان يعلم الكلالة ويقيمها ولم يتمكن من تعلم صور ميراث الجد وكان النبى صلى الله عليه وآله يقول: ما اراه يعلمها، وما اراه يقيمها. ويقول: اني اظنك تموت قبل ان تعلم ذلك ! وكيف كان مثل ابي بن كعب يغلظ له في القول ويراه ملهى عن علم الكتاب بالصفق بالاسواق وبيع الخيط والقرظة؟ وكيف كان أميرالمؤمنين جاهلا بتأويل القرآن؟ وكيف وكيف وكيف وكيف ! ! نعم راق للقوم ان ينحتوا له فضائل ويغالوا فيها ولم يترووا في لوازمها وحسبوا ان المستقبل الكشاف يمضي كما مضت القرون خاليا عن باحث او منقب، او ان بواعث الارهاب يلجم لسانه عن ان ينطق، ويضرب على يده عن ان تكتب، ولا تفسح حرية القلم والمذاهب والافكار للعلماء ان يبوحوا بما عندهم.

[249]

فقال عليه السلام: وهذا محال أيضا، لانه لا يجوز ان يشك النبي صلى الله عليه وآله في نبوته قال الله تعالى: (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس)(1) فكيف يمكن ان ينتقل النبوة ممن اصطفاه الله تعالى إلى من اشرك به. قال يحيى: روي: ان النبي صلى الله عليه وآله قال: (لو نزل العذاب لما نجى منه إلا عمر). فقال عليه السلام: وهذا محال ايضا، لان الله تعالى يقول: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون)(2) فأخبر سبحانه انه لا يعذب احدا ما دام فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وما داموا يستغفرون. وعن عبدالعظيم الحسني رضى الله عنه قال: قلت لمحمد بن علي بن موسى عليهم السلام: يا مولاي اني لارجو أن تكون القائم من اهل بيت محمد الذي يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.

___________________________________
(1) الحج - 75. (2) الانفال - 38. (*)

[250]

فقال عليه السلام: ما منا إلا قائم بأمر الله، وهاد إلى دين الله، ولكن القائم الذي يطهر الله به الارض من اهل الكفر والجحود ويملا الارض قسطا وعدلا هو: الذي يخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو سمي رسول الله وكنيه، وهو الذي تطوى له الارض، ويذل له كل صعب، يجتمع اليه من اصحابه عدة اهل بد: (ثلاثمائة وثلاثة عشر) رجلا من أقاصي الارض وذلك قول الله: (أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا ان الله على كل شئ قدير)(1) فاذا اجتمعت له هذه العدة من اهل الاخلاص، أظهر الله أمره، فاذا كمل له العقد وهو: (عشرة آلاف) رجل خرج باذن الله، فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى عزوجل. قال عبدالعظيم: فقلت له: يا سيدي فكيف يعلم ان الله قد رضي؟ قال: يلقي في قلبه الرحمة، فاذا دخل المدينة اخرج اللات والعزى فأحرقهما.

___________________________________
(1) النساء - 77. (*)