احتجاجه (ع) في اشياء شتى من علوم الدين... وذكر طرف من مواعظه البليغة جاء رجل من اهل البصيرة إلى علي بن الحسين عليه السلام فقال: يا علي بن الحسين ان جدك علي بن ابي طالب قتل المؤمنين، فهملت عينا علي بن الحسين دموعا حتى امتلات كفه منها، ثم ضرب بها على الحصى، ثم قال: يا اخا اهل البصرة لا والله ما قتل علي مؤمنا، ولا قتل مسلما، وما اسلم القوم ولكن استسلموا وكتموا الكفر واظهروا الاسلام، فلما وجدوا على الكفر اعوانا اظهروه، وقد علمت صاحبة الجدب والمستحفظون من آل محمد صلى الله عليه وآله ان اصحاب الجمل واصحاب صفين واصحاب النهروان لعنوا على لسان النبي الامي وقد خاب من افترى. فقال شيخ من اهل الكوفة: يا علي بن الحسين ان جدك كان يقول: (اخواننا بغوا علينا). فقال علي بن الحسين عليه السلام: اما تقرأ كتاب الله (وإلى عاد اخاهم هودا) فهم مثلهم انجى الله عزوجل هودا والذين معه واهلك عادا بالريح العقيم. وبالاسناد المقدم ذكره: ان علي بن الحسين عليه السلام كان يذكر حال من مسخهم الله قردة من بني اسرائيل ويحكي قصتهم، فلما بلغ آخرها قال: ان الله تعالى مسخ اولئك القوم لاصطيادهم السمك، فكيف ترى عند الله عزوجل يكون حال من قتل اولاد رسول الله صلى الله عليه وآله، وهتك حريمه؟ ! ان الله تعالى وان لم يمسخهم في الدنيا فان المعد لهم من عذاب الاخرة اضعاف اضعاف عذاب المسخ. 

[41]

فقيل له: يابن رسول الله فانا قد سمعنا منك هذا الحديث، فقال لنا بعض النصاب: فان كان قتل الحسين باطلا فهو اعظم عند الله من صيد السمك في السبت، أفما كان الله غضب على قاتليه كما غضب على صيادي السمك؟ قال علي بن الحسين عليه السلام: قل لهؤلاء النصاب فان كان ابليس معاصيه اعظم من معاصي من كفر باغوائه فاهلك الله من شاء منهم، كقوم: نوح، وفرعون، ولم يهلك ابليس، وهو اولى بالهلاك، فما باله اهلك هؤلاء الذين قصروا عن ابليس في عمل الموبقات، وامهل ابليس مع ايثاره لكشف المحرمات، اما كان ربنا عز وجل حكيما تدبيره حكمة فيمن اهلك وفيمن استبقى؟ فكذلك هؤلاء الصائدون في السبت، وهؤلاء القاتلون للحسين، يفعل في الفريقين ما يعلم انه اولى بالصواب والحكمة، لا يسأل عما يفعل وعباده يسألون. وقال الباقر عليه السلام: فلما حدث علي بن الحسين عليه السلام بهذا الحديث قال له بعض من في مجلسيه: يابن رسول الله كيف يعاتب الله ويوبخ هؤلاء الاخلاف على قبائح اتاها اسلافهم - وهو يقول: (ولا تزروا وازرة وزر اخرى)؟ فقال زين العابدين عليه السلام: ان القرآن نزل بلغة العرب فهو يخاطب فيه اهل اللسان بلغتهم، يقول الرجل التميمي - قد اغار قومه على بلد وقتلوا من فيه -: اغرتم على بلد كذا، وفعلتم كذا، ويقول العربي: نحن فعلنا ببني فلان، ونحن سبينا آل فلان، ونحن خربنا بلد كذا. لا يريد انهم باشروا ذلك، ولكن يريد هؤلاء بالعذل واولئك بالافتخار: ان قومهم فعلوا كذا، وقول الله عزوجل في هذه الايات انما هو توبيخ لاسلافهم، وتوبيخ العذل على هؤلاء الموجودين، لان ذلك هو اللغة التي نزل بها القرآن، والان هؤلاء الاخلاف ايضا راضون بما فعل اسلافهم، مصوبون لهم، فجاز ان يقال: انتم فعلتم اي: اذرضيتم قبيح فعلهم وعن ابى حمزة الثمالي(1) قال: دخل قاض من قضاة أهل الكوفة على

___________________________________
(1) قال الشيخ عباس القمى في الكنى والالقاب ج 2 ص 118: (الثمالى ابوحمزة ثابت بن دينار، الثقة الجليل، صاحب الدعاء المعروف في اسحار شهر رمضان، كان من زهاد اهل الكوفة ومشايخها وكان عربيا ازديا، روى عن الفضل بن شاذان قال: سمعت الثقة يقول: سمعت الرضا عليه السلام يقول -: ابو حمزة الثمالى في زمانه، كسلمان الفارسى في زمانه، وذلك انه خدم اربعة منا: على بن الحسين، ومحمد بن على، وجعفر بن محمد، وبرهة من عصر موسى بن جعفر). وعده الشيخ في اصحاب على بن الحسين ص 84 من رجاله فقال: (ثابت بن ابى صفية دينار الثمالى الازدى، يكنى ابا حمزة الكوفى، مات سنة خمسين وماية، وذكره في اصحاب الباقر عليه السلام ص 110 وص 160 في اصحاب الصادق (ع) وقال النجاشى ص 89 لقى على بن الحسين وابا جعفر وابا عبدالله وابا الحسن عليهم السلام وروى عنهم وكان من خيار اصحابنا، وثقاتهم، ومعتمديهم في الرواية والحديث و (قال): وروى عنه العامة ومات سنة خمسين ومائة له كتاب تفسير القرآن. (*)

[42]

علي بن الحسين عليه السلام فقال له: جعلني الله فداك ! اخبرني عن قول الله عزو جل: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي واياما آمنين) قال له: ما يقول الناس فيها قبلكم؟ قال: يقولون: انها مكة. فقال: وهل رأيت السرق في موضع اكثر منه بمكة. قال: فما هو؟ قال: انما عنى الرجال. قال: واين ذلك في كتاب الله؟ فقال: أو ما تسمع إلى قوله عزوجل: (وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله) وقال: (وتلك القرى اهلكناهم) وقال: (واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي اقبلنا فيها) أفيسأل القرية او الرجال او العير؟ قال: وتلا عليه آيات في هذا المعنى. قال: جعلت فداك ! فمن هم؟

 [43]

قال: نحن هم. فقال: او ما تسمع إلى قوله: (سيروا فيها ليالي واياما آمنين)؟ قال: آمنين من الزيغ. وروي ان زين العابدين عليه السلام مر بالحسن البصري وهو يعظ الناس بمنى فوقف عليه السلام عليه ثم قال: امسك اسألك عن الحال التي انت عليها مقيم، اترضاها لنفسك فيما بينك وبين الله اذا نزل بك غدا؟ قال: لا. قال: افتحدث نفسك بالتحول والانتقال عن الحال التي لا ترضاها لنفسك إلى الحال التي ترضاها؟ (قال): فاطرق مليا ثم قال: اني اقول ذلك بلاحقيقة. قال: افترجو نبيا بعد محمد صلى الله عليه وآله يكون لك معه سابقة؟ قال: لا. قال: افترجو دارا غير الدار التي انت فيها ترد اليها فتعمل فيها؟ قال: لا. قال: افرأيت احدا به مسكة عقل رضي لنفسه من نفسه بهذا؟ انك على حال لا ترضاها ولا تحدث نفسك بالانتقال إلى حال ترضاها على حقيقة، ولا ترجو نبيا بعد محمد، ولا دار غير الدار التي أنت فيها فترد اليها فتعمل فيها، وانت تعظ الناس، قال: فلما ولى عليه السلام قال الحسين البصري: من هذا؟ قالوا: علي بن الحسين. قال: اهل بيت علم فما رأي الحسن البصري بعد ذلك يعظ الناس. وعن أبى حمزة الثمالي قال: سمعت علي بن الحسين عليه السلام يحدث رجلا من قريش قال: لما تاب الله على آدم واقع حواء ولم يكن غشيها منذ خلق وخلقت الا في الارض، وذلك بعد ما تاب الله عليه، قال: وكان آدم

 [44]

يعظم البيت وما حوله من حرمة البيت، فكان اذا اراد ان يغشى حواء خرج من الحرم واخرجها معه، فاذا جاز الحرم غشيها في الحل، ثم يغتسلان اعظاما منه للحرم، ثم يرجع إلى فناء البيت. قال: فولد لادم من حواء عشرون ذكرا وعشرون انثى، فولد له في كل بطن ذكر وانثى، فاول بطن ولدت حواء: (هابيل) ومعه جارية يقال لها: (اقليما) قال: وولدت في البطن الثاني: (قابيل) ومعه جارية يقال لها (لوزا) وكانت لوزا اجمل بنات آدم. (قال): فلما ادركوا خاف عليهم آدم الفتنة فدعاهم اليه فقال: اريد ان انكحك يا هابيل لوزا، وانكحك يا قابيل اقليما. قال قابيل: ما ارضى بهذا اتنكحني اخت هابيل القبيحة، وتنكح هابيل اختي الجميلة. قال: فانا اقرع بينكما، فان خرج سهمك يا قابيل على لوزا، وخرج سهمك يا هابيل على اقليما، زوجت كل واحد منكما التي خرج سهمه عليها. (قال): فرضيا بذلك، فاقترعا، (قال): فخرج سهم هابيل على لوزا اخت قابيل، وخرج سهم قابيل على اقليما اخت هابيل. قال: فزوجهما على ما خرج لهما من عند الله. (قال) ثم حرم الله نكاح الاخوات بعد ذلك. قال: فقال له القرشي: فاولداهما؟ قال: نعم. قال: فقال القرشي: فهذا فعل المجوس اليوم ! قال: فقال علي بن الحسين: ان المجوس انما فعلوا ذلك بعد التحريم من الله. ثم قال له علي بن الحسين عليه السلام: لا تنكر هذا، انما هي الشرايع جرت اليس الله قد خلق زوجة آدم منه ثم احلها له، فكان ذلك شريعة من شرايعهم، ثم انزل الله التحريم بعد ذلك. لقي عباد البصري علي بن الحسين عليه السلام في طريق مكة فقال له: يا علي بن الحسين تركت الجهاد وصعبوته، واقبلت على الحج ولينه، وان

 [45]

الله عزوجل يقول: (ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون - إلى قوله - وبشر المؤمنين). فقال علي بن الحسين: اذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم افضل من الحج. وسأل عليه السلام عن النبيذ فقال: شربه قوم وحرمه قوم صالحون، فكان شهادة الذين دفعوا بشهادتهم شهواتهم اولى ان تقبل من الذين جروا بشهادتهم شهواتهم. وعن عبدالله بن سنان(1) عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال رجل لعلي بن الحسين عليه السلام: ان فلانا ينسبك إلى انك ضال مبتدع ! فقال له علي بن الحسين عليه السلام: ما رعيت حق مجالسة الرجل حيث نقلت الينا حديثه، ولا اديت حقي حيث ابلغني عن اخي ما لست اعلمه، ان الموت يعمنا، والبعث محشرنا، والقيامة موعدنا، والله يحكم بيننا، اياك والغيبة ! فانها أدام كلاب النار، واعلم ان من اكثر عيوب الناس شهد عليه الاكثار انه انما يطلبها بقدر ما فيه. وسأل عليه السلام عن الكلام والسكوت ايهما افضل فقال عليه السلام. لكل واحد منهما آفات، فاذا سلما من الافات، فالكلام افضل من السكوت قيل: وكيف ذاك يابن رسول الله؟ قال: لان الله عزوجل ما بعث الانبياء والاوصياء بالسكوت، انما يبعثهم

___________________________________
(1) عبدالله بن سنان: قال العلامة في القسم الاول من خلاصته ص 104: (عبدالله بن سنان - بالسن المهملة والنون قبل الالف وبعدها - ابن طريف مولى بنى هاشم، ويقال مولى بنى ابى طالب، ويقال: مولى بنى العباس كان خازنا للمنصور والمهدى والهادى والرشيد، وكان كوفيا ثقة من اصحابنا، جليلا لا يطعن عليه في شئ، روى عن الصادق (ع) وقيل روى عن أبى الحسن موسى عليه السلام ولم يثبت قال فيه الصادق (ع): اما انه يزيد على السن خيرا، رواه الكشى في حديث المرسل) (*)

[46]

بالكلام، ولا استحقت الجنة بالسكوت، ولا استوجب ولاية الله بالسكوت، ولا توقيت النار بالسكوت، ولا نجنب سخط الله بالسكوت، انما ذلك كله بالكلام وما كنت لاعدل القمر بالشمس، انك تصف فضل السكوت بالكلام، ولست تصف فضل الكلام بالسكوت. روي عن ابي جعفر الباقر عليه السلام قال: لما قتل الحسين بن علي عليه السلام ارسل محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين عليه السلام فخلا به ثم قال: يابن أخي قد علمت ان رسول الله كان جعل الوصية والامامة من بعده لعلي ابن ابي طالب عليه السلام، ثم إلى الحسن، ثم الحسين، وقد قتل أبوك رضي الله عنه وصلى عليه ولم يوص، وانا عمك وصنو ابيك، وانا في سني وقدمتي احق بها منك في حداثتك، فلا تنازعني الوصية والامامة، ولا تخالفني. فقال له علي بن الحسين عليه السلام: اتق الله ولا تدع ما ليس لك بحق، اني اعظك ان تكون من الجاهلين، يا عم ! ان ابي صلوات الله عليه أوصى الي قبل ان يتوجه إلى العراق، وعهد الي في ذلك قبل ان يستشهد بساعة، وهذا سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله عندي، فلا تعرض لهذا فاني اخاف عليك بنقص العمر، وتشتت الحال وان الله تبارك وتعالى ابى الا ان يجعل الوصية والامامة الا في عقب الحسين، فان اردت ان تعلم فانطلق بنا إلى الحجر الاسود حتى نتحكم اليه ونسأله عن ذلك. قال الباقر عليه السلام: وكان الكلام بينهما وهما يومئذ بمكة، فانطقا حتى أتيا الحجر الاسود فقال علي بن الحسين عليه السلام لمحمد: ابتدء فابتهل إلى الله واسأله ان ينطق لك الحجر ثم سله. فابتهل محمد في الدعاء وسأل الله ثم دعا الحجر فلم يجبه، فقال علي بن الحسين عليه السلام: اما انك يا عم لو كنت وصيا واماما لاجابك ! فقال له محمد: فادع انت يابن اخي ! فدعا الله علي بن الحسين عليه السلام بما اراد ثم قال: (اسألك بالذي جعل فيك ميثاق الانبياء وميثاق الاوصياء وميثاق الناس اجمعين، لما اخبرتنا بلسان عربي مبين من الوصي والامام بعد الحسين بن علي ! [47]

فتحرك الحجر حتى كاد ان يزول عن موضعه، ثم انطقه الله بلسان عربي مبين فقال: اللهم ان الوصية والامامة بعد الحسين بن علي بن أبي طالب إلى علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، فانصرف محمد وهو يتولى علي بن الحسين عليه السلام. وعن ثابت البناني(1) قال: كنت حاجا وجماعة عباد البصرة مثل: ايوب السجستاني، وصالح المروي، وعتبة الغلام، وحبيب الفارسي، ومالك بن دينار فلما ان دخلنا مكة رأينا الماء ضيقا، وقد اشتد بالناس العطش لقلة الغيث ففزع الينا اهل مكة والحجاج يسألوننا ان نستقى لهم، فاتينا الكعبة وطفنا بها ثم سألنا الله خاضعين متضرعين بها فمنعنا الاجابة. فبينما نحن كذلك اذا نحن بفتى قد اقبل وقد اكربته احزانه، واقلقته اشجانه، فطاف بالكعبة اشواطا ثم اقبل علينا فقال: يا مالك بن دينار ! ويا ثابت البناني ! ويا ايوب السجستاني ! ويا صالح المروي ويا عتبة الغلام ! ويا حبيب الفارسي ! ويا سعد ! ويا عمر ! ويا صالح الاعمى ! ويا رابعة ويا سعدانة ! ويا جعفر بن سليمان ! فقلنا: لبيك وسعديك يافتى ! فقال: اما فيكم احد يحبه الرحمن؟ فقلنا: يافتى علينا الدعاء وعليه الاجابة. فقال: ابعدوا عن الكعبة فلو كان فيكم احد يحبه الرحمن لاجابه، ثم اتى الكعبة فخر ساجدا فسمعته يقول - في سجوده -: (سيدي بحبك لي الا سقيتهم الغيث).

___________________________________
(1) ثابت البنانى: قال العلامة في القسم الاول من الخلاصة ص 29 (ثابت البنانى يكنى ابا فضالة، من اهل بدر من اصحاب اميرالمؤمنين (ع) قتل بصفين). وفي اصحاب على من رجال الشيخ ص 36: ثابت الانصارى البنانى يكنى ابا فضالة من اهل بدر قتل معه عليه السلام بصفين. (*)

[48]

قال: فما استتم الكلام حتى اتاهم الغيث كافواه القرب. فقلت: يافتى من اين علمت انه يحبك؟ قال: لو لم يحبني لم يستزرني، فلما استزارني علمت انه يحبني، فسألته بحبه لي فاجباني، ثم ولى عنا وانشأيقول: من عرف الرب فلم تغنه *** معرفة الرب فذاك الشقي ما ضر في الطاعة ما ناله *** في طاعة الله وماذ لقي ما يصنع العبد بغير التقى *** والعز كل العز للمتقي فقلت يا اهل مكة من هذا الفتى؟ قالوا: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام. وعن جعفر بن محمد عن ابيه عن جده علي بن الحسين عليه السلام قال: نحن ائمة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغر المحجلين، وموالي المؤمنين، ونحن امان لاهل الارض، كما ان النجوم امان لاهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك السماء ان تقع على الارض الا باذنه، وبنا يمسك الارض ان تميد بأهلها، وبنا ينزل الغيث، وينشر الرحمة، وتخرج بركات الارض منا لساخت الارض باهلها. ثم قال: ولم تخلوا الارض منذ خلق الله آدم من حجة لله فيها، ظاهر مشهور او غائب مستور، ولا تخلو إلى ان تقوم الساعة من حجة الله، ولو لا ذلك لم يعبد الله. وعن ابي حمزة الثمالي عن ابي خالد الكابلي(1) قال:

___________________________________
(1) في الكنى ولالقاب للشيخ عباس القمى ج 1 ص 60 قال: (قال الفضل بن شاذان ولم يكن في زمن على بن الحسين (ع) في اول امره الا خمسة انفس: سعيد بن جبير، سعيد بن المسيب، محمد بن جبير بن مطعم، يحى بن ام الطويل، ابوخالد الكابلى واسمه وردان ولقبه كنكر) ثم قال: وفي خبر الحواريين انه من حوارى على بن الحسين عليه السلام وقد شاهد كثيرا من دلائل الائمة عليهم السلام ويأتى في الطاقى رواية تنعلق به، ويظهر من رسالة أبى غالب لزرارى ان آل اعين وهم اكبر بيت في الكوفة من الشيعة ان اول من عرف منهم عبدالملك عرفه من صالح بن ميثم ثم عرفه حمران من أبى خالد الكابلى. (*)

[49]

دخلت على سيدي علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام فقلت له: يابن رسول الله اخبرني بالذين فرض الله طاعتهم ومودتهم، واوجب على خلقه الاقتداء بهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال لي: يا ابا كنكر! ان اولى الامر الذين جعلهم الله ائمة الناس واوجب عليهم طاعتهم: اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب، ثم انتهى الامر الينا، ثم سكت. فقلت له: يا سيدي روى لنا عن أميرالمؤمنين عليه السلام انه قال: (لا تخلو الارض من حجة الله على عباده) فمن الحجة والامام بعدك؟ قال: ابني (محمد) واسمه في التوراة (باقر) يبقر العلم بقرا، هو الحجة والامام بعدي، ومن بعد محمد ابنه (جعفر) اسمه عند اهل السماء (الصادق). فقلت له: يا سيدي فكيف صار اسمه: الصادق، وكلكم صادقون؟ فقال حدثني أبي عن أبيه: ان رسول الله قال: (اذا ولد ابني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فسموه: الصادق، فان الخامس من ولده الذي اسمه جعفر يدعي الامامة اجتراء على الله، وكذبا عليه، فهو عند الله (جعفر الكذاب) المفتري على الله، المدعي لما ليس له باهل، المخالف على أبيه، والحاسد لاخيه، ذلك الذي يكشف سر الله عند غيبة ولي الله). ثم بكى علي بن الحسين بكاء‌ا شديدا، ثم قال: كأني بجعفر الكذاب وقد حمل طاغية زمانه على تفتيش امر ولي الله، والمغيب في حفظ الله، والتوكيل بحرم أبيه جهلا منه بولادته، وحرصا على قتله ان ظفر به، طمعا في ميراث أبيه حتى ياخذه بغير حقه. قال ابوخالد: فقلت له: يابن رسول الله وان ذلك لكائن؟ فقال: اي وربي انه المكنوب عندنا في الصحيفة: التي فيها ذكر المحن التى تجري علينا بعد رسول الله صلى الله عليه و آله.

 [50]

قال ابوخالد: فقلت: يابن رسول الله ثم يكون ماذا؟ قال: ثم تمتد الغيبة بولي الله الثانى عشر من اوصياء رسول الله والائمة بعده يا ابا خالد ! ان اهل زمان غيبة القائلين بامامته والمنتظرين لظهوره افضل اهل كل زمان، لان الله تعالى ذكره اعطاهم من العقول والافهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله بالسيف، اولئك المخلصون حقا وشيعتنا صدقا، والدعاة إلى دين الله سرا وجهرا. وقال عليه السلام: انتظار الفرج من اعظم الفرج. وبالاسناد المتقدم ذكره عن علي بن الحسين عليه السلام في تفسير قوله تعالى: (لكم في القصاص حياة) الاية ولكم يامة محمد في القصاص حياة لان من هم بالقتل فعرف انه يقتص منه فكف لذلك عن القتل، كان حياة للذي هم بقتله، وحياة لهذا الجاني الذي اراد ان يقتل، وحياة لغيرهما من الناس، اذا علموا ان القصاص واجب لا يجسرون على القتل مخافة القصاص، يا اولي الالباب: اولى العقول لعلكم تتقون. ثم قال عليه السلام: عبادالله هذا قصاص قتلكم لمن تقتلونه في الدنيا، وتفنون روحه، افلا انبئكم باعظم من هذا القتل، وما يوحيه الله على قاتله مما هو اعظم من هذا القصاص؟ قالوا: بلى يا بن رسول الله. قال: اعظم من هذا القتل ان يقتله قتلا لا يجبر ولا يحيى بعده ابدا. قالوا: ما هو؟ قال: ان يضله عن نبوة محمد، وعن ولاية علي بن أبي طالب، ويسلك به غير سبيل الله، ويغبر به باتباع طريق اعداء علي والقول بامامتهم، ودفع علي عن حقه، وجحد فضله، والا يبالى باعطائه واجب تعظيمه، فهذا هو القتل الذي هو تخليد المقتول في نار جهنم خالدا مخلدا ابدا، فجزاء هذا القتل مثل ذلك الخلود في نار جهنم. وقال ابومحمد الحسن العسكري صلوات الله عليه: ان رجلا جاء إلى علي بن

 [51]

الحسين برجل يزعم انه قاتل ابيه، فاعترف فاوجب عليه القصاص، وسأله ان يعفو عنه ليعظم الله ثوابه، فكأن نفسه لم تطب بذلك فقال علي بن الحسين - للمدعى الدم الذي هو الولى المستحق للقصاص -: ان كنت تذكر لهذاالرجل عليك فضلا فهب له هذه الجناية، واغفر له هذا الذنب. قال: يابن رسول الله له علي حق، ولكن لم يبلغ به ان اعفو له عن قتل والدي. قال: فتريد ماذا؟ قال: اريد القود، فان اراد لحقه علي ان اصالحه على الدية صالحة وعفوت عنه قال: علي بن الحسين عليه السلام فماذا حقه عليك؟ قال: يابن رسول الله لقنني توحيد الله، ونبوة رسول الله صلى الله عليه وآله، وامامة علي والائمة عليهم السلام. فقال علي بن الحسين: فهذا لا يفي بدم أبيك؟ بلى والله هذا يفي بدماء اهل الارض كلهم من الاولين والاخرين سوى الانبياء والائمة، ان قتلوا فانه لا يفي بدمائهم شئ. تمام الخبر. وبالاسناد المقدم ذكره ان محمد بن علي الباقر عليه السلام قال: دخل محمد بن مسلم بن شهاب الزهري(1) على علي بن الحسين عليه السلام، وهو كئيب حزين فقال له زين العابدين عليه السلام. ما بالك مغموما؟ قال: يابن رسول الله غموم وهموم تتوالى علي لما امتحنت به من جهة حساد

___________________________________
(1) قال الشيخ عباس القمى في الكنى والالقاب ج 2 ص 270 (الزهرى بضم الزاى وسكون الهاء ابوبكر محمد بن مسلم بن عبيدالله بن عبدالله بن الحرث بن شهاب ابن زهره بن كلاب الفقيه المدنى التابعى المعروف وقد ذكره علماء الجمهور واثنوا عليه ثناء بليغا، قيل: انه قد حفظ علم العلماء السبعة، ولقى عشرة من الصحابة، وروى عنه جماعة من أئمة علم الحديث، واما علمائنا فقد اختلفت كلماتهم في مدحه وقدحه وقد ذكرنا ما يتعلق به في سفينة البحار). (*)

[52]

نعمي، والطامعين في، وممن ارجو، وممن احسنت اليه، فيخلف ظني. فقال له علي بن الحسين عليه السلام: احفظ عليك لسانك تملك به اخوانك. قال الزهري: يابن رسول الله اني احسن اليهم بما يبدر من كلامي. قال علي بن الحسين عليه السلام: هيهات هيهات ! اياك ان تعجب من نفسك بذلك واياك ان تتكلم بما يسبق إلى القلوب انكاره. وان كان عندك اعتذاره، فليس كل من تسمعه شرا يمكنك ان توسعه عذرا. ثم قال: يا زهري من لم يكن عقله من اكمل ما فيه كان هلاكه من ايسر ما فيه. ثم قال: يا زهري اما عليك ان تجعل المسلمين منك بمنزلة اهل بيتك فتجعل كبيرهم بمنزلة والدك، وتجعل صغيرهم بمنزلة ولدك، وتجعل تربك منهم بمنزلة اخيك، فأي هؤلاء ان تظلم، وأي هؤلاء تحب ان تدعوا عليه، وأي هؤلاء تحب ان تهتك ستره، وان عرض لك ابليس لعنه الله بان لك فضلا على احد من اهل القبلة، فانظر ان كان اكبر منك فقل: قد سبقني بالايمان والعمل الصالح فهو خير مني، وان كان اصغر منك فقل: قد سبقته بالمعاصي والذنوب فهو خير مني، وان كان تربك فقل: انا على يقين من ذنبي في شك من أمره فمالي ادع يقيني لشكي، وان رأيت المسلمين يعظمونك ويوقرونك ويبجلونك فقل: هذا افضل اخذوا به، وان رأيت منهم جفا وانقباضا فقل: هذا الذنب احدثته، فانك اذا فعلت ذلك سهل الله عليك عيشك، وكثر اصدقائك، وفرحت بما يكون من برهم، ولم تاسف على ما يكون من جفائهم. واعلم ان اكرم الناس على الناس من كان خيره عليهم فايضا، وكان عنهم مستغنيا متغفا، واكرم الناس بعده عليهم من كان مستعففا، وان كان اليهم محتاجا، فانما اهل الدنيا يتعقبون الاموال، فمن لم يزدحمهم فيما يتبقونه كرم عليهم، ومن لم يزاحمهم فيما ومكنهم من بعضها كان اعز واكرم. وبالاسناد المقدم ذكره عن الرضا عليه السلام ان قال: قال علي بن الحسين: اذا رأيتم الرجل قد حسن سمته وهديه، وتماوت في منطقه، وتخاضع في حركاته 

[53]

فرويدا لا يغرنكم، فما اكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب الحرام منها لضعف نيته ومهانته، وجبن قلبه، فنصب الدين فخالها، فهو لا يزال يختل الناس بظاهره فان تمكن من حرام اقتحمه، واذا وجدتموه يعف عن المال الحرام، فرويدا لا يغرنكم ! فان شهوات الخلق مختلفة، فما اكثر من ينبوا عن المال الحرام وان كثر، ويحمل نفسه على شوها قبيحة، فياتي منها محرما، فاذا وجدتموه يعف عن ذلك فرويدا لا يغرنكم، حتى تنظروا ما عقدة عقله، فما اكثر من ترك ذلك اجمع ثم لا يرجع إلى عقل متين، فيكون ما يفسد بجهلة اكثر مما يصلحه بعقله فاذا وجدتم عقله متينا فرويدا لا يغركم ! تنظروا امع هواه يكون على عقله ام يكون مع عقله على هواه وكيف محبة للرياسات الباطلة وزهده فيها فان في الناس من خسر الدنيا والاخرة يترك الدنيا للدنيا ويرى ان لذة الرياسة الباطلة افضل من لذة الاموال والنعم المباحة المحللة فيترك ذلك اجمع طلبا للرياسة حتى اذا قيل له اتق الله اخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد، فهو يخبط خبط عشواء، يقوده اول باطل إلى ابعد غايات الخسارة، ويمده ربه بعد طلبه لما لا يقدر عليه في طغيانه، فهو يحل ما حرم الله، ويحرم ما احل الله، لا يبالي ما فات من دينه اذا سلمت له رياسة التي قد شقي من اجلها، فاولئك الذين غضب الله عليهم ولعنهم واعد لهم عذابا مهينا، ولكن الرجل كل الرجل. نعم الرجل هو: الذي جعل هواه تبعا لامر الله، وقواه مبذولة في رضى الله، يرى الذل مع الحق اقرب إلى عز الابد من العز في الباطل، ويعلم ان قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه إلى دوام النعيم في دار لا تبيد ولا تنفذ، وان كثيرا ما يلحقه من سرائها ان اتبع هواه يؤديه إلى عذاب لا انقطاع له ولا يزول فذلكم الرجل نعم الرجل فيه فتمسكوا وبسنته فاقتدوا وإلى ربكم فتوسلوا فانه لا ترد له دعوة ولا يخيب له طلبة.