احتجاج النبي صلى الله عليه واله على جماعة من المشركين عن ابى محمد الحسن العسكرى عليهما السلام انه قال: قلت لابى علي بن محمد عليه السلام هل كان رسول الله صلى الله عليه واله يناظر اليهود والمشركين اذا عاتبوه ويحاجهم؟ قال: بلى مرارا كثيرة، منها ماحكى الله من قولهم: " وقالوا مالهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الاسواق لولا أنزل اليه ملك " إلى قوله " رجلا مسحورا "(1) وقالوا: " لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم "(2) وقوله عزوجل: " وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا " إلى قوله " كتابا نقرؤه"(3) ثم قيل له في آخر ذلك: لو كنت نبيا كموسى انزلت علينا كسفا من السماء ونزلت علينا الصاعقة في مسألتنا اليك لان مسألتنا اشد من مسائل قوم موسى لموسى عليه السلام. قال: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه واله كان قاعدا ذات يوم بمكة بفناء الكعبة اذ اجتمع جماعة من رؤساء قريش منهم الوليد بن المغيرة المخزومي وابوالبخترى ابن هشام وابوجهل والعاص بن وائل السهمى وعبدالله بن ابى امية المخزومى، وكان معهم جمع ممن يليهم كثير ورسول الله صلى الله عليه واله في نفر من اصحابه يقرأ عليهم كتاب الله ويؤدى اليهم عن الله امره ونهيه. فقال المشركون بعضهم لبعض: لقد استفحل امر محمد وعظم خطبه، فتعالوا نبدأ بتقريعه وتبكيته وتوبيخه والاحتجاج عليه وابطال ماجاء به ليهون خطبه على اصحابه ويصغر قدره عندهم، فلعله ينزع عما هو فيه من غيه وباطله وتمرده وطغيانه، فان انتهى والا عاملناه بالسيف الباتر.

___________________________________
(1) الفرقان: 7 - 8. (2) الزخرف: 31. (3) الاسراء: 90 - 93 (*)

[27]

قال ابوجهل: فمن ذا الذي يلي كلامه ومجادلته؟ قال عبدالله بن ابي امية المخزومى: نا إلى ذلك، أفما ترضانى له قرنا حسيبا ومجادلا كفيا؟ قال ابوجهل بلى، فأتوه بأجمعهم فابتدأ عبدالله بن ابى امية المخزومي فقال: يامحمد لقد ادعيت دعوى عظيمة وقلت مقالا هائلا، زعمت انك رسول الله رب العالمين، وما ينبغي لرب العالمين وخالق الخلق أجمعين أن يكون مثلك رسوله بشر مثلنا تأكل كما نأكل وتشرب كما نشرب وتمشى في الاسواق كما نمشي، فهذا ملك الروم وهذا ملك الفرس لايبعثان رسولا الا كثير المال عظيم الحال له قصور ودور وفساطيط وخيام وعبيد وخدام، ورب العالمين فوق هؤلاء كلهم فهم عبيده، ولو كنت نبيا لكان معك ملك يصدقك ونشاهده، بل لو اراد الله أن يبعث الينا نبيا لكان انما يبعث الينا ملكا لابشرا مثلنا، ماانت يامحمد الا رجل مسحورا ولست بنبي. فقال رسول الله صلى الله عليه واله: هل بقى من كلامك شئ؟ قال: بلى، لو اراد الله ان يبعث الينا رسولا لبعث اجل من فيما بيننا اكثره مالا واحسنه حالا، فهلا أنزل هذا القرآن الذى تزعم ان الله انزله عليك وابتعثك به رسولا على رجل من القريتين عظيم اما الوليد بن المغيرة بمكة واما عروة بن مسعود الثقفى بالطائف. فقال رسول الله صلى الله عليه واله: هل بقي من كلامك شئ ياعبدالله؟ فقال: بلى لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا بمكة هذه، فانها ذات احجار وعروة وجبال، تكسح ارضها(1) وتحفرها وتجرى فيها العيون، فاننا إلى ذلك محتاجون او تكون لك جنة من نخيل وعنب فتأكل منها وتطعمنا فتفجر الانهار خلالها خلال تلك النخيل والاعناب تفجيرا او تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا(2) فانك قلت لنا " وان يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم "(3) فلعلنا نقول ذلك. ثم قال: او تأتي بالله والملائكة قلبيلا، تأتى به وبهم وهم لنا مقابلون، او

___________________________________
(1) نكسح ارضها: تقشرها من التراب. (2) كسفا: قطعا قد ركب بعضها على بعض. (3) الطور: 44. والمركوم: المتراكم الذى يجعل بعضه على بعض. (*)

[28]

يكون لك بيت من زخرف تعطينا منه وتغنينا به فلعلنا نطغى، وانك قلت لنا: " كلا ان الانسان ليطغى ان رآه استغنى "(1). ثم قال: او ترقى في السماء اى تصعد في السماء ولن نؤمن لرقيك اى لصعودك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه من الله العزيز الحكيم إلى عبدالله بن ابى امية المخزومي ومن معه بأن آمنوا بمحمد بن عبدالله بن عبدالمطلب فانه رسولى وصدقوه في مقاله انه من عندى، ثم لا ادرى يامحمد اذا فعلت هذا كله اؤمن بك اولا أؤمن بك، بل لو رفعتنا إلى السماء وفتحت ابوابها وادخلتناها لقلنا انما سكرت أبصارنا(2) وسحرتنا. فقال رسول الله صلى الله عليه واله: ياعبدالله أبقى شئ من كلامك؟ قال: يامحمد اوليس فميا اوردته عليك كفاية وبلاغ، مابقي شئ فقل مابدا لك وافصح عن نفسك ان كان لك حجة وأتنا بما سألناك به. فقال رسول الله صلى الله عليه واله: اللهم انت السامع لكل صوت والعالم بكل شئ تعلم ماقاله عبادك، فأنزل الله عليه: يامحمد " وقالوا مالهذا الرسول يأكل الطعام " إلى قوله " رجلا مسحورا "(3) ثم قال الله تعالى: " انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا "(4) ثم قال: يامحمد " تبارك الذى انشأ جعل لك خيرا من ذلك جنات تجرى من تحتها الانهار ويجعل لك قصورا "(5) وانزل عليه: يامحمد " وقالوا لو لا انزل عليه ملك ولو انزلنا ملكا لقضى الامر " إلى قوله " وللبسنا عليهم مايلبسون "(6).

___________________________________
(1) العلق: 6 - 7. (2) سكرت أبصارنا: غطيت وغشيت عن النظر. (3) الفرقان: 7 - 8. (4) الاسراء: 48. (5) الفرقان: 10. (6) الانعام: 8 - 9. (*)

[29]

فقال له رسول الله صلى الله عليه واله: ياعبدالله أما ذكرت من انى آكل الطعام كما تأكلون وزعمت انه لايجوز لاجل هذا ان اكون لله رسولا فانما الامر لله تعالى يفعل مايشاء ويحكم مايريد، وهو محمود وليس لك ولا لاحد الاعتراض عليه بلم وكيف، الا ترى ان الله كيف افقر بعضا واغنى بعضا واعز بعضا واذل بعضا واصح بعضا واسقم بعضا وشرف بعضا ووضع بعضا، وكلهم ممن يأكلون الطعام، ثم ليس للفقراء ان يقولوا " لم افقرتنا واغنيتهم " ولا للوضعاء ان يقولوا " لم وضعتنا وشرفتهم " ولا للزمنى(1) والضعفاء ان يقولوا " لم ازمنتنا واضعفتنا وصححتهم " ولا للاذلاء ان يقولوا " لم أذللتنا واعززتهم " ولا لقباح الصور ان يقولوا " لم قبحتنا وجملتهم " بل ان قالوا ذلك كانوا على ربهم رادين وله في احكامه منازعين وبه كافرين، ولكان جوابه لهم: انا الملك الخافض الرافع المغني المفقر المعز المذل المصحح المسقم وانتم العبيد ليس لكم الا التسليم لي والانقياد لحكمي، فان سلمتم كنتم عبادا مؤمنين وان ابيتم كنتم بي كافرين وبعقوباتي من الهالكين. ثم انزل الله عليه: يامحمد " قل انما انا بشر مثلكم " يعني آكل الطعام " ويوحى الي انما الهكم اله واحد "(2) يعني قل لهم انا في البشرية مثلكم ولكن ربي خصني بالنبوة دونكم كما يخص بعض البشر بالغنى والصحة والجمال دون بعض من البشر، فلا تنكروا ان يخصني ايضا بالنبوة [ دونكم ]. ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله: واما قولك " هذا ملك الروم وملك الفرس لا يبعثان رسولا الا كثير المال عظيم الحال له قصور ودور وفساطيط وخيام وعبيد وخدام ورب العالمين فوق هؤلاء كلهم فهم عبيده " فان الله له التدبير والحكم لا يفعل على ظنك وحسبانك ولا باقتراحك بل يفعل مايشاء ويحكم مايريد وهو محمود، ياعبدالله انما بعث الله نبيه ليعلم الناس دينهم ويدعوهم إلى ربهم ويكد(3)

___________________________________
(1) الزمنى: الذين ألم بهم المرض، المرضى. (2) الكهف: 110. (3) الكد: الالحاح والشدة في الطلب. (*)

[30]

نفسه في ذلك الليل ونهاره، فلو كان صاحب قصور يحتجب فيها وعبيد وخدم يسترونه عن الناس أليس كانت الرسالة تضيع والامور تتباطأ، او ماترى الملوك اذا احتجوا كيف يجرى الفساد والقبائح من حيث لايعلمون به ولايشعرون. ياعبدالله انما بعثنى الله ولا مال لى ليعرفكم قدرته وقوته وانه هو الناصر لرسوله ولتقدرون على قتله ولامنعه في رسالاته، فهذا بين في قدرته وفي عجزكم وسوف يظفرني الله بكم فأسعكم قتلا واسرا، ثم يظفرني الله ببلادكم ويستولى عليها المؤمنون من دونكم ودون من يوافقكم على دينكم. ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله: واما قولك لي: " لو كنت نبيا لكان معك ملك يصدقك ونشاهده، بل لو اراد الله ان يبعث الينا نبيا لكان انما يبعث ملكا لابشرا مثلنا " فالملك لاتشاهده حواسكم لانه من جنس هذا الهواء لاعيان منه، ولو شاهدتموه - بأن يزاد في قوى أبصاركم - لقلتم ليس هذا ملكا بل هذا بشر، لانه انما كان يظهر لكم صورة البشر الذى ألفتموه لتفهموا عنه مقالته وتعرفوا خطابه ومراده، فكيف كنتم تعلمون صدق الملك وأن مايقوله حق، بل انما بعث الله بشرا وأظهر على يده المعجزات التي ليست في طبائع البشر الذين قد علمتم ضمائر قلوبهم فتعلمون بعجزكم عما جاء به انه معجزة وان ذلك شهادة من الله بالصدق له، ولو ظهر لكم ملك وظهر على يده ما [ تعجزون عنه و ] يعجز عنه [ جميع ] البشر لم يكن في ذلك مايدلكم ان ذلك ليس في طبائع سائر اجناسه من الملائكة حتى يصير ذلك معجزا، ألا ترون ان الطيور التي تطير ليس ذلك منها بمعجز لان لها أجناسا يقع منها مثل طيرانها، ولو أن آدميا طار كطيرانها كان ذلك معجزا، فان الله عزوجل سهل عليكم الامر وجعله بحيث تقوم عليكم حجته وانتم تقترحون عمل الصعب الذى لاحجة فيه. ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله: واما قولك " ماانت الا رجل مسحور " فكيف اكون كذلك وقد تعلمون اني في صحة التميز والعقل فوقكم، فهل جربتم علي

 [31]

منذ نشأت إلى ان استكملت اربعين سنة خزية(1) او زلة او كذبة او خيانة او خطأ من القول او سفها من الرأى، اتظنون ان رجلا يعتصم طول هذه المدة بحول نفسه وقوتها او بحول الله وقوته، وذلك ماقال الله " انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا " إلى ان يثبتوا عليك عمى بحجة اكثر من دعاويهم الباطلة التي تبين عليك تحصيل بطلانها. ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله: واما قولك " لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم الوليد بن المغيرة بمكة او عروة [ بن مسعود الثقفي ] بالطائف " فان الله ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظمه انت ولا خطر له عنده له عندك بل لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضة لما سقى كافرا به مخالفا له شربة ماء وليس قسمة الله اليك بل الله هو القاسم للرحمات والفاعل لما يشاء في عبيده وامائه وليس هو عزوجل ممن يخاف احد في ماله او في حاله كما تطمع انت فتخصه بالنبوة لذلك، ولا ممن يطمع في احد في ماله او في حاله كما تطمع انت فتخصه بالنبوة لذلك، ولا ممن يحب أحدا محبة الهواء كما تحب انت فتقدم من لايستحق التقديم وانما معاملته بالعدل، فلا يؤثر الا بالعدل لافضل مراتب الدين وجلاله الا اشدهم تباطأ عن طاعته، واذا كان هذا صفته لم ينظر إلى مال ولا إلى حال بل هذا المال والحال من تفضله، وليس لاحد من عباده عليه ضريبة لازب(2)، فلا يقال له اذا تفضلت بالمال على عبد فلابد ان تتفضل عليه بالنبوة ايضا لانه ليس لاحدا كراهه على خلاف مراده ولا إلزامه تفضلا لانه تفضل قبله بنعمه. ألا ترى ياعبدالله كيف اغنى واحدا وقبح صورته، وكيف حسن صورة واحد وافقره، وكيف شرف واحدا وافقره، وكيف اغنى واحدا ووضعه. ثم ليس لهذا الغنى ان يقول " هلا اضيف إلى يسارى جمال فلان " ولا للجميل ان

___________________________________
(1) وفى بعض النسخ " خربة " وهى العيب والعورة والذلة. (2) الضريبة: التى تؤخذ في الجزية ونحوها. واللازب: اللازم الشديد اللزوم. (*)

[32]

يقول " هلا أضيف إلى جمالى مال فلان "، ولا للشريف ان يقول " هلا اضيف شرفي مال فلان " ولا للوضيع ان يقول " هلا اضيف إلى ضعتى شرف فلان "، ولكن الحكم لله يقسم كيف يشاء ويفعل كما يشاء، وهو حكيم في افعاله محمود في اعماله وذلك قوله تعالى: " وقالوا لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم " قال الله تعالى " أهم يقسمون رحمة ربك " يامحمد " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا "(1) فأحوجنا بعضا إلى بعض، أحوج هذا إلى مال ذلك، واحوج ذلك إلى سلعة هذا والى خدمته. فترى اجل الملوك واغنى الاغنياء محتاجا إلى افقر الفقراء في ضرب من الضروب: إما سلعة معه ليست معه، وإما خدمة يصلح لها لايتهيأ لذلك الملك ان يستغنى الا به، وإما باب من العلوم والحكم هو فقير إلى ان يستفيدها من هذا الفقير، فهذا الفقير يحتاج إلى مال ذلك الملك الغنى، وذلك الملك يحتاج إلى علم هذا الفقير او رأيه او معرفته. ثم ليس للملك ان يقول هلا اجتمع إلى مالى علم هذا الفقر، ولا للفقير ان يقول هلا اجتمع على رأيى وعلمي وما اتصرف فيه من فنون الحكمة مال هذا الملك الغني. ثم قال الله: " ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا " ثم قال: يامحمد قل لهم " ورحمة ربك خير مما يجمعون "(2) اى ما يجمعه هؤلاء من اموال الدنيا. ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله: واما قولك " لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا " إلى آخر مقتله، فانك قد اقترحت على محمد رسول الله أشياء: منها مالو جاء‌ك به لم يكن برهانا لنبوته ورسول الله صلى الله عليه واله يرتفع عن ان يغتنم جهل الجاهلين ويحتج عليهم بما لاحجة فيه، ومنها ما لو جاء‌ك به كان معه هلاكك، وانما يؤتى بالحجج والبراهين ليلزم عباد الله الايمان بها لا ليهلكوا بها، فانما اقترحت هلاكك، ورب العالمين ارحم بعباده واعلم بمصالحهم من ان يهلكهم كما تقترحون، ومنها المحال الذى ليصح ولايجوز كونه ورسول رب العالمين يعرفك ذلك ويقطع

___________________________________
(1) الزخرف: 32. (2) الزخرف: 32. (*)

[33]

معاذيرك ويضيق عليك سبيل مخالفته، ويلجئك بحجج الله إلى تصديقه حتى لا يكون لك عنه محيد ولامحيص، ومنها ماقد اعترفت على نفسك انك فيه معاند متمرد لاتقبل حجة ولاتصغي إلى برهان، ومن كان كذلك فدواؤه عذاب الله النازل من سمائه أو في جحيمه او بسيوف اوليائه. فأما قولك ياعبدالله " لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا بمكة هذه فانها ذات احجار وصخور وجبال تكسح ارضها وتحفرها وتجري فيها العيون فاننا إلى ذلك محتاجون " فانك سألت هذا وانت جاهل بدلائل الله. ياعبدالله ارأيت لو فعلت هذا أكنت من اجل هذا نبيا؟ قال: لا. قال رسول الله: ارأيت الطائف التي لك فيها بساتين اما كان هناك مواضع فاسدة صعبة اصلحتها وذللتها وكسحتها واجريت فيها عيونا استنبطتها؟ قال: بلى. قال: وهل لك في هذا نظراء؟ قال: بلى. قال: فصرت انت وهم بذلك انبياء؟ قال: لا. قال: فكذلك لايصير هذا حجة لمحمد لو فعله على نبوته، فما هو الا كقولك: لن نؤمن لك حتى تقوم وتمشي على الارض كما يمشي الناس او حتى تأكل الطعام كما يأكل الناس. واما قولك ياعبدالله " او تكون لك جنة من نخيل وعنب فتأكل منها وتطعمنا وتفجر الانهار خلالها تفجيرا " او ليس لك ولاصحابك جنات من نخيل وعنب بالطائف تأكلون وتطعمون منها وتفجرون الانهار خلالها تفجيرا، أفصرتم انبياء بهذا؟ قال: لا. قال: فما بال اقتراحكم على رسول الله صلى الله عليه واله اشياء لو كانت كما تقترحون لما دلت على صدقه، بل لو تعاطاها لدل تعاطيها على كذبه لانه يحتج بما لاحجة فيه ويختدع الضعفاء عن عقولهم واديانهم، ورسول رب العالمين يجل ويرتفع عن هذا. ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله: ياعبدالله وأما قولك " أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا " فانك قلت وان يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم، فان في سقوط السماء عليكم هلاككم وموتكم، فانما تريد بهذا من

 [34]

رسول الله صلى الله عليه واله ان يهلكك ورسول رب العالمين ارحم من ذلك، لايهلكك ولكنه يقيم عليك حجج الله، وليس حجج الله لنبيه وحده على حسب اقتراح عباده، لان العباد جهال بما يجوز من الصلاح ومالايجوز منه من الفساد، وقد يختلف اقتراحهم ويتضاد حتى يستحيل وقوعه، والله عزوجل طبيبكم لايجري تدبيره على مايلزم به المحال. ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله: هل رأيت ياعبدالله طبيبا كان دواؤه للمرضى على حسب اقتراحهم، وانما يفعل به مايعلم صلاحه فيه احبه العليل او كرهه، فأنتم المرضى والله طبيبكم، فان انقدتم لدوائه شفاكم وان تمردتم عليه اسقمكم. وبعد فمتى رأيت ياعبدالله مدعى حق من قبل رجل اوجب عليه حاكم من حكامهم فيما مضى بينة على دعواه على حسب اقتراح المدعى عليه، ذا ما كان يثبت لاحد على احد دعوى ولاحق، ولا كان بين ظالم ومظلوم ولابين صادق وكاذب فرق. ثم قال رسول الله: ياعبدالله وأما قولك " او تأتي بالله والملائكة قبيلا يقابلوننا ونعاينهم " فانهذا من المحال الذي لاخفاء به، وان ربنا عزوجل ليس كالمخلوقين يجئ ويذهب ويتحرك ويقابل شيئا حتى يؤتى به، فقد سألتم بهذا المحال، وانما هذا الذي دعوت اليه صفة أصنامكم الضعيفة المنقوصة التي لاتسمع ولاتبصر ولاتعلم ولاتغني عنكم شيئا ولا عن احد. ياعبدالله أوليس لك ضياع وجنان بالطائف وعقا بمكة وقوام عليها؟ قال: بلى. قال: أفتشاهد جميع احوالها بنفسك او بسفراء بينك وبين معامليك؟ قال: بسفراء. قال: ارأيت لو قال معاملوك واكرمك(1) وخدمك لسفرائك لا نصدقكم في هذه السفارة الا ان تأتونا بعبد الله بن ابي امية لنشاهده فنسمع ما تقولون عنه شفاها، كنت تسوغهم هذا أو كان يجوز لهم عندك ذلك؟ قال: لا. قال: فما الذي يجب على سفرائك أليس ان يأتوهم عنك بعلامة صحيحة تدلهم

___________________________________
(1) الاكرة: الاجراء والعمال. (*)

[35]

على صدقهم يجب عليهم ان يصدقوهم؟ قال: بلى. قال: ياعبدالله ارأيت سفيرك لو أنه لما سمع منهم هذا عاد اليك وقال لك قم معي فانهم قد اقترحوا على مجيئك معي أليس يكون هذا لك مخالفا وتقول له انم انت رسول لامشير ولا آمر؟ قال: بلى. قال: فكيف صرت تقترح على رسول رب العالمين مالاتسوغ لاكرتك ومعامليك ان يقترحوه على رسولك اليهم، وكيف أردت من رسول رب العالمين ان يستذم إلى ربه بأن يأمر عليه وينهى وانت لاتسوغ مثل هذا على رسولك إلى اكرتك وقوامك، هذه حجة قاطعة لابطال جميع ماذكرته في كل مااقترحته ياعبدالله. واما قولك ياعبدالله " او يكون لك بيت من زخرف - وهو الذهب - " أما بلغك ان لعظيم مصر بيوتا من زخرف؟ قال: بلى. قال: افصار بذلك نبيا؟ قال: لا. قال: فكذلك لايوجب لمحمد صلى الله عليه واله نبوة لو كان له بيوت، ومحمد لايغتنم جهلك بحجج الله. وأما قولك ياعبدالله " او ترقى في السماء " ثم قلت " ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه " ياعبدالله الصعود إلى السماء اصعب من النزول عنها، واذا اعترفت على نفسك أنك لاتؤمن اذا صعدت فكذلك حكم النزول، ثم قلت " حتى تنزل علينا كتاب نقرؤه من بعد ذلك ثلا لا ادري اؤمن بك او ل اؤمن بك " فأنت ياعبدالله مقر بأنك تعاند حجة الله عليك، فلا دواء لك الا تأديبه لك على يد اوليائه من البشر او ملائكته الزبانية، وقد انزل الله علي حكمة بالغة جامعة لبطلان كل ما اقترحته فقال عزوجل: " قل " يامحمد " سبحان ربي هل كنت الا بشرا رسولا "(1) ما أبعد ربي عن ان يفعل الاشياء على مايقترحه الجهال مما يجوز ومما لايجوز، وهل كنت الا بشرا رسولا لايلزمني الا اقامة حجة الله التي اعطاني، وليس لي ان آمر على ربي ولا انهى ولا اشير فأكون كالرسول الذي بعثه ملك إلى قوم من مخالفيه فرجع اليه يأمره ان يفعل بهم مااقترحوه عليه.

___________________________________
(1) الاسراء: 93 (*)

[36]

فقال ابوجهل: يامحمد هاهنا واحدة ألست زعمت ان قوم موسى احترقوا بالصاعقة لما سألوه ان يريهم الله جهرة؟ قال: بلى. قال: فلو كنت نبيا لاحترقنا نحن ايضا، فقد سألنا اشد مما سأل قوم موسى، لانهم كما زعمت قالوا " أرنا الله جهرة " ونحن نقول: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا نعاينهم. فقال رسول الله صلى الله عليه واله: ياابا جهل أما علمت قصة ابراهيم الخليل لما رفع في الملكوت، وذلك قول ربي. " وكذلك نري ابرهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين "(1) قوى الله بصره لما رفعه دون السماء حتى ابصر الارض ومن عليها ظاهرين ومستترين، فرأى رجلا وامرأة على فاحشة فدعا عليهما بالهلاك فهلكا، ثم رأى آخرين فهرم بالدعاء عليهما فهلكا، ثم رأى آخرين فدعا عليهما بالهلاك فهلكا، ثم رأى آخرين فدعا عليهما بالهلاك فهلكا، ثم رأى آخرين فدعا عليهما بالهلاك فهلكا، ثم رأى آخرين فهم بالدعاء عليهما فأوحى الله اليه: ياابراهيم اكفف دعوتك عن عبادي وامائي فاني انا الغفور الرحيم الجبار الحليم لايضرني ذنوب عبادي كما لاتنفعني طاعتهم، ولست اسوسهم بشفاء الغيظ كسياستك، فاكفف دعوتك عن عبادى وامائي فانما انت عبد نذير لاشريك في الملك ولامهيمن علي ولا عبادي، وعبادي معي بين خلال ثلاث: إما تابوا إلى فتبت عليهم وغفرت ذنوبهم وسترت عيوبهم، واما كففت عنهم عذابي لعلمي بأنه سيخرج من اصلابهم ذريات مؤمنون فارفق بالآباء الكافرين واتأنى بالامهات الكافرات وارفع عنهم عذابي ليخرج ذلك المؤمن من اصلابهم فاذا تزايلوا حل بهم عذابي اعظم مما تريده بهم، فان عذابي لعبادي على حسب جلالي وكبريائي، ياابراهيم خل بينى وبين عبادي فأنا ارحم بهم منك، وخل بيني وبين عبادي فاني انا الجبار الحليم العلام الحكيم ادبرهم بعلمي وانفذ فيهم قضائي وقدرتي. ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله: ياابا جهل انما دفع عنك العذاب لعلمه بأنه سيخرج من صلبك ذرية طيبة عكرمة ابنك، وسيلي من امور المسلمين ما ان اطاع

___________________________________
(1) الانعام: 75. (*)

[37]

الله ورسوله فيه كان عند الله جليلا والا فالعذاب نازل عليك، وكذلك سائر قريش السائلين لما سألوا من هذا انما امهلوا لان الله علم ان بعضهم سيؤمن بمحمد وينال به السعادة، فهو لايقطعه عن تلك السعادة ولايبخل بها عليه، أومن يولد منه مؤمن فهو ينظر اباه لايصال ابنه إلى السعادة، ولو لا ذلك لنزل العذاب بكافتكم. فانظر إلى السماء، فنظر فاذا أبوابها مفتحة واذا النيران نازلة منها مسامتة لرؤوس القوم(1) تدنو منهم حتى وجدوا حرها بين اكتافهم، فارتعدت فرائص(2) ابي جهل والجماعة، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: لاتروعنكم فان الله لايهلككم بها وانما اظهرها عبرة. ثم نظروا إلى السماء واذا قد خرج من ظهور الجماعة انوار قابلتها ورفعتها ودفعتها حتى اعادتها في السماء كما جاء‌ت منها، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: ان بعض هذه الانوار انوار من قد علم الله انه سيسعده بالايمان بي منكم من بعد، وبعضها أنوار ذرية طيبة ستخرج من بعضكم ممن لايؤمن وهم يؤمنون. وعن ابي محمد الحسن العسكري عليه السلام انه قال: قيل لامير المؤمنين ياامير المؤمنين هل كان لمحمد صلى الله عليه واله آية مثل آية موسى في رفعه الجبل فوق رؤوس الممتنعين عن قبول ما امروا به؟ فقال امير المؤمنين عليه السلام: اي والذي بعثه الله بالحق نبيا مامن آية كانت لاحد من الانبياء من لدن آدم إلى ان انتهى إلى محمد صلى الله عليه واله الا وقد كان لمحمد مثلها أو افضل منها، ولقد كان لرسول الله صلى الله عليه واله نظير هذه الاية إلى آيات اخر ظهرت له، وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وآله لما اظهر بمكة دعوته وابان عن الله تعالى مراده رمته العرب عن قسي عداواتها بضروب مكائدهم، ولقد قصدته يوما لاني كنت اول الناس اسلاما، بعث يوم الاثنين وصليت معه يوم الثلاثاء، وبقيت معه اصلي سبع سنين حتى دخل نفر في الاسلام وايد الله تعالى دينه من بعد، فجاء قوم من المشركين فقالوا له: يامحمد تزعم

___________________________________
(1) مسامته لرؤوس القوم: محاذية لرؤوسهم. (2) الفرائص جمع الفريصة، وهى لحمة بين الثدى والكتف ترعد عند الفزع (*)

[38]

انك رسول رب العالمين، ثم انك لاترضى بذلك حتى عزعم انك سيدهم وافضلهم، فلئن كنت نبيا فأتنا بآية كما تذكره من الانبياء قبلك: مثل نوح الذي جاء بالغرق ونجا في سفينته مع المؤمنين، وابراهيم الذى ذكرت أن النار جعلت عليه بردا وسلاما، وموسى الذي زعمت ان الجبل رفع فوق رؤوس اصحابه حتى انقادوا لما دعاهم اليه صاغرين داخرين، وعيسى الذي كان ينبئهم بما يأكلون ومايدخرون في بيوتهم. وصار هؤلاء المشركين فرقا اربعة: هذه تقول اظهر لنا آية نوح، وهذه تقول اظهر لنا آية موسى، وهذه تقول اظهر لنا آية ابراهيم، وهذه تقول اظهر لنا آية عيسى. فقال رسول الله صلى الله عليه واله: انما انا نذير [ وبشير ] مبين أتيتكم بآية مبينة هذا القرآن الذي تعجزون انتم والامم وسائر العرب عن معارضته وهو بلغتكم، فهو حجة بينة عليكم، وما بعد ذلك فليس لي الاقتراح على ربي وما على الرسول الا البلاغ المبين إلى المقرين بحجة صدقه وآية حقه، وليس عليه ان يقترح بعد قيام الحجة على ربه مايقترحه عليه المقترحون الذين لايعلمون هل الصلاح او الفساد فيما يقترحون. فجاء جبرئيل فقال: يامحمد ان العلي الاعلى يقرأ عليك السلام ويقول لك: اني سأظهر لهم هذه الآيات وانهم يكفرون بها الا من اعصمه منهم، ولكني اريهم ذلك زيادة في الاعذار والايضاع لحججك، فقل لهؤلاء المقترحين لآية نوح عليه السلام: امضوا إلى جبل ابي قبيس، فاذا بلغتم سفحه فسترون آية نوح، فاذا غشيكم الهلاك فاعتصموا بهذا وبطفلين يكونان بين يديه. وقل للفريق الثاني المقترحين لاية ابراهيم عليه السلام امضوا إلى حيث تريدون من ظاهرمكة، فسترون آية ابراهيم في النار، فاذا غشيكم النار فسترون في الهواء امرأة قد ارسلت طرف خمارها فتعلقوا به لتنجيكم من الهلكة وترد عنكم النار. وقل للفريق الثالث [ المقترحين لآية موسى: امضوا إلى ظل الكعبة ] فسترون آية موسى، وسينجيكم هناك عمي حمزة. 

[39]

وقل للفريق الرابع ورئيسهم ابوجهل: وأنت ياأبا جهل فاثبت عندي ليتصل بك اخبار هؤلاء الفرق الثلاث، فان الاية التي اقترحتها تكون بحضرتي. فقال ابوجهل للفرق الثلاث: قوموا فتفرقوا ليتبين لكم باطل قول محمد صلى الله عليه وآله، فذهب الفريق الاول إلى جبل ابي قبيس والثاني إلى صحراء ملساء والثالث إلى ظل الكعبة ورأوا ماوعدهم الله ورجعوا إلى النبي صلى الله عليه واله مؤمنين، وكلما رجع فريق منهم اليه واخبروه بما شاهدوا ألزمه رسول الله صلى الله عليه واله الايمان بالله فاستمهل ابوجهل إلى ان يجئ الفريق الاخر حسب ما اوردناه في الكتاب الموسوم بمفاخر الفاطمية تركنا ذكره هاهنا طلبا للايجاز والاختصار. قال امير المؤمنين عليه السلام: فلما جاء‌ت الفرقة الثالثة واخبروا بما شاهدوا عيانا وهم مؤمنين بالله وبرسوله قال رسول الله صلى الله عليه وآله لابي جهل: هذه الفرقة الثالثة قد جاء‌تك واخبرتك بما شاهدت. فقال ابوجهل: لاادرى اصدق هؤلاء ام كذبوا ام حقق لهم ذلك ام خيل اليهم، فان رأيت أنا ما اقترحته عليك من نحو آيات عيسى بن مريم فقد لزمنى الايمان بك والا فليس يلزمني تصديق هؤلاء على كثرتهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا ابا جهل فان كان لايلزمك تصديق هؤلاء على كثرتهم وشدة تحصيلهم فكيف تصدق بمآثر ابائك واجدادك ومساوى اسلاف اعدائك، وكيف تصدق على الصين والعراق والشام اذا حدثت عنها، وهل المخبرون عن ذلك الا دون هؤلاء المخبرين لك عن هذه الايات مع سائر من شاهدها معهم من الجمع الكثيف الذين لايجتمعون على باطل يتخرصونه الا اذا كان بأزائهم من يكذبهم ويخبر بضد اخبارهم، ألا وكل فرقة محجوجون بما شاهدوا، وانت ياابا جهل محجوج بما سمعت ممن شاهده. ثم اخبره النبي صلى الله عليه واله بما اقترح عليه من آيات عيسى من اكله لما اكل وادخاره في بيته لما ادخر من دجاجة مشوية واحياء الله تعالى اياها وانطاقها بما فعل بها ابوجهل وغير ذلك على ماجاء به في هذا الخبر، فلم يصدق ابوجهل 

[40]

في ذلك كله بل كان يكذبه وينكر جميع ماكان النبي صلى الله عليه واله يخبره به من ذلك، إلى أن قال النبي لابي جهل: اما كفاك ماشاهدت ام تكون آمنا من عذاب الله. قال ابوجهل: اني لاظن ان هذا تخييل وايهام. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: فهل تفرق بين مشاهدتك لها وسماعك لكلامها - يعني الدجاجة المشوية التي انطقها الله له - وبين مشاهدتك لنفسك ولسائر قريش والعرب وسماعك كلامهم؟ قال ابوجهل: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه واله: فما يدريك اذا أن جميع ماتشاهد وتحس بحواسك تخييل. قال ابوجهل: ماهو تخييل. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ولا هذا تخييل، والا فكيف تصحح انك ترى في العالم شيئا اوثق منه - تمام الخبر.