احتجاجه (ع) على من قال بزوال الادواء بمدوات الاطباء دون الله سبحانه... وعلىمن قال بأحكام النجوم من المنجمين وغيرهم من الكهنة والسحرة. وبالاسناد المقدم ذكره عن أبي محمد العسكري عن علي بن الحسن زين العابدين عليهم السلام انه قال: كان امير المؤمنين عليه السلام قاعدا ذات يوم، فأقبل اليه رجل من اليونانيين المدعين للفلسفة والطب، فقال له:

 [343]

ياأبا الحسن يلغني خبر صاحبك وان به جنونا، وجئت لا عالجه فلحقته قد

 [344]

مضى لسبيله، وفاتني ما أردت من ذلك، وقد قيل لي إنك ابن ععه وصهره وأرى

 [345]

بك صفارا قد علاك، وساقين دقيقين، ولما اراهما تقلانك، فاما الصفار فعندي دوائه

 [346]

واما الساقان الدقيقان فلا حيلة لي لتغليظهما، والوجه ان ترفق بنفسك في المشي

 [347]

تقلله ولا تكثره، وفيما تحمله على ظهرك وتحتنضه بصدرك، ان تقللهما ولا تكثرمها

 [348]

فان ساقيك دقيقان لا يؤمن عند حمل ثقيل انقصافهما، واما الصفار فدوائه عندي

 [349]

وهو هذا، واخرج دوائه وقال: 

[350]

هذا لايؤذيك، ولايخيسك(1) ولكنه تلزمك حمية من اللحم أربعين صباحا ثم يزيل صفارك. فقال له علي بن أبي طالب عليه السلام: قد ذكرت نفع هذا الدواء لصفاري فهل تعرف شيئا يزيد فيه ويضره؟ فقال الرجل: بلى حبة من هذا - واشار إلى دواء معه - وقال: ان تناوله انسان وبه صفار أماته من ساعته، وان كان لاصفار به صار به صفار حتى يموت في يومه. فقال علي عليه السلام فارني هذا الضار، فاعطاه اياه. فقال له: كم قدر هذا؟ قال: قدره مثقالين سم ناقع، قدر كل حبة منه يقتل رجلا.

___________________________________
(1) اى لا ينقصك كناية عن عدم النفع. (*)

[351]

فتناوله علي عليه السلام فقمحه (1) وعرق عرقا خفيفا، وجعل الرجل يرتعد ويقول في نفسه: الآن اوخذ بابن أبي طالب، ويقال: قتلته ولا يقبل مني قولي انه هو الجاني على نفسه. فتبسم علي بن أبي طالب عليه السلام وقال: ياعبدالله اصح ما كنت بدنا الآن لم يضرني مازعمت انه سم. ثم قال: فغمض عينيك، فغمض، ثم قال: افتح عينيك ففتح، ونظر إلى وجه علي بن أبي طالب عليه السلام، فاذا هو أبيض أحمر مشرب حمرة، فارتعد الرجل لما رآه. وتبسم علي عليه السلام وقال: اين الصفار الذي زعمت انه بي. فقال: والله لكأنك لست من رأيت، قبل كنت مضارا، فانك الآن مورد. فقال علي عليه السلام: فزال عني الصفار الذي تزعم انه قاتلي. واما ساقاي هاتان ومد رجليه وكشف عن ساقيه، فانك زعمت اني احتاج إلى ان أرفق ببدني في حمل ما احمل عليه، لئلا ينقصف الساقان،(2) وانا اريك ان طب الله عزوجل على خلاف طبك، وضرب بيده إلى اسطوانة خشب عظيمة، على رأسها سطح مجلسه الذي هو فيه، وفوقه حجرتان، أحدهما فوق الاخرى وحركها فاحتملها، فارتفع السطح والحيطان وفوقهما الغرفتان، فغشي على اليوناني. فقال علي عليه السلام: صبوا عليه ماء فصبوا عليه ماء فافاق وهو يقول: والله مارأيت كاليوم عجبا. فقال له علي عليه السلام: هذه قوة الساقين الدقيقين واحتمالهما أفي طبك هذا يايوناني؟ فقال اليوناني امثلك كان محمدا؟ فقال علي عليه السلام: وهل علمي الا من علمه، وعقلي الا من عقله، وقوتي الا من قوته، ولقد أتاه ثقفي وكان أطب العرب، فقال له:

___________________________________
(1) قمحت السوبق - بالكسر - اذا سففته. اى: تنكر (*)

[352]

ان كان بك جنون داويتك؟ فقال له محمد صلى الله عليه وآله: أتحب ان اريك آية تعلم بها غناي من طبك وحاجتك إلى طبي؟ قال: نعم. قال: أي آية تريد؟ قال: تدعو ذلك العذق واشار إلى نخلة سحوق فدعاه، فانقلع أصلها من الارض وهي تخد الارض خدا حتى وقفت بين يديه. فقال له: أكفاك؟ قال: لا. قال: فتريد ماذا؟ قال تأمرها ان ترجع إلى حيث جائت منه، وتستقر في مقرها الذي انقلعت منه. فأمرها، فرجع واتستقر في مقرها. فقال اليوناني لامير المؤمنين عليه السلام: هذا الذي تذكره عن محمد صلى الله عليه واله غائب عني، وانا اريد ان اقتصر منك على اقل من ذلك، اتباعد عنك فادعني وانا لا أختار الاجابة، فان جئت بي اليك فهي آية. قال امير المؤمنين عليه السلام: انما يكون آية لك وحدك، لانك تعلم من نفسك انك لم ترده، واني أزلت اختيارك من غير ان باشرت مني شيئا، او ممن امرته بان يباشرك، او ممن قصد إلى اختيارك وان لم آمره، الا مايكون من قدرة الله القاهرة، وانت يايوناني يمكنك ان تدعى ويمكن غيرك ان يقول: اني واطأتك على ذلك، فاقترح ان كنت مقترحا ماهو آية لجميع العالمين. قال له اليوناني: ان جعلت الاقتراح الي فانا اقترح: ان تفصل اجزاء تلك النخلة، وتفرقها وتباعد ما بينها، ثم تجمعها وتعيدها كما كانت: فقال علي عليه السلام هذه آية وأنت رسولي اليها - يعني إلى النخلة - فقل لها: 

[353]

ان وصي محمد رسول الله يأمر أجزائك: ان تتفرق وتتباعد. فذهب فقال لها: ذلك، فتفاصلت، وتهافتت، وتنثرت، وتصاغرت اجزائها حتى لم ير لها عين ولا أثر، حتى كأن لم تكن هناك نخلة قط. فارتعدت فرائص اليوناني وقال: ياوصي محمد رسول الله قد اعطيتني اقتراحي الاول، فاعطني الآخر، فامرها ان تجتمع وتعود كما كانت، فقال: انت رسولي اليها فعد فقل لها: يااجزاء النخلة ان وصي محمد رسول الله يأمرك ان تجتمعي كما كنت وان تعودي. فنادى اليوناني فقال ذلك، فارتفعت في الهواء كهيئة الهباء المنثور، ثم جعلت تجتمع جزو جزو منها، حتى تصور لها القضبان، والاوراق، واصول السعف وشماريخ الاعذاق، ثم تألفت، وتجمعت، وتركبت، واستطالت، وعرضت، واستقر أصلها في مقرها، وتمكن عليها ساقها، وتركب على الساق قضبانها، وعلى القضبان اوراقها، وفي امكنتها اعذاقها، وكانت في الابتداء شماريخها متجردة لبعدها من اوان الرطب، والبسر، والخلال. فقال اليوناني: واخرى احب ان تخرج شماريخها اخلالها، وتقلبها من خضرة إلى صفرة وحمرة، وترطيب وبلوغ، لتأكل وتطعمني ومن حضرك منها. فقال علي عليه السلام انت رسولي اليها بذلك، فمرها به. فقال لها اليوناني: ماأمره امير المؤمنين عليه السلام فاخلت، وأبسرت، واصفرت واحمرت، وترطبت، وثقلت اعذاقها برطبها. فقال اليوناني: واخرها لاحبها ان تقرب من بين يديي اعذاقها، او تطول يدي لتنالها، وأحب شئ الي: أن تنزل الي احديهما، وتطول يدي إلى الاخرى التي هي اختها. فقال امير المؤمنين عليه السلام: مد اليد التي تريد ان تنالها وقل: يامقرب البعيد قرب يدي منها، واقبض الاخرى التي تريد ان ينزل العذق اليها وقل: يامسهل العسير سهل لي تناول مايبعد عني منها ففعل ذلك فقاله، فطالت يمناه فوصلت إلى 

[354]

العذق، وانحطت العذاق الاخر فسقطت على الارض وقد طالت عراجينها. ثم قال امير المؤمنين عليه السلام: انك ان اكلت منها ولم تؤمن بمن أظهر لك من عجائبها، عجل الله عزوجل اليك من العقوبة التي يبتليك بها مايعتبر به عقلاء خلقه وجهالها. فقال اليوناني: اني ان كفرت بعد مارأيت فقد بالغت في العناد، وتناهيت في التعرض للهلاك، اشهد انك من خاصة الله، صادق في جميع أقاويلك عن الله فامرني بما تشاء اطعك. قال علي عليه السلام: آمرك ان: تقر لله بالوحدانية، وتشهد له بالجود والحكمة وتنزهه عن العبث والفساد، وعن ظلم الاماء والعباد، وتشهد أن محمدا الذي أنا وصيه سيد الانام، وافضل رتبة في دار السلام، وتشهد أن عليا الذي أراك ماأراك، وأولاك من النعم ماأولاك، خير خلق الله بعد محمد رسول الله، واحق خلق الله بمقام محمد صلى الله عليه واله بعده، وبالقيام بشرايعه واحكامه، وتشهد أن أوليائه أولياء الله، وأعدائه اعداء الله، وان المؤمنين المشاركين لك فيما كلفتك، المساعيدين لك على ماأمرتك به خيرة امة محمد صلى الله عليه واله، وصفوة شيعة علي. وآمرك: ان تواسي اخوانك المطابقين لك على تصديق محمد صلى الله عليه واله وتصديقي والانقياد له ولي، مما رزقك الله وفضلك على من فضلك به منهم، تسد فاقتهم، وتجبر كسرهم وخلتهم، ومن كان منهم في درجتك في الايمان ساويته من مالك بنفسك، ومن كان منهم فاضلا عليك في دينك آثرته بما لك على نفسك، حتى يعلم الله منك ان دينه آثر عنك من مالك، وان أوليائه أكرم عليك من أهلك وعيالك وآمرك: ان تصون دينك، وعلمنا الذي أودعناك وأسرارنا التي حملناك ولا تبد علومنا لمن يقابلها بالعناد، ويقابلك من اهلها بالشتم، واللعن، والتناول من العرض والبن، ولا تفش سرنا إلى من يشنع علينا، وعند الجاهلين باحوالنا ولا تعرض أوليائنا لبوادر الجهال. 

[355]

وآمرك: ان تستعمل التقية في دينك، فان الله عز وجل يقول: " لايتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ الا ان تتقوا منهم تقاة "(1) وقد اذنت لك في تفضيل اعدائنا ان لجأك الخوف اليه وفي اظهار البرائة منا ان حملك الوجل عليه، وفي ترك الصلاة المكتوبات ان خشيت على حشاشتك(2) الآفات والعاهات، فان تفضيلك اعدائنا علينا عند خوفك لا ينفعهم ولا يضرنا، وان اظهارك برائتك منا عند تقيتك لا يقدح فينا ولا ينقصنا، ولان تبرأت منا ساعة بلسانك وأنت موال لنا بجنانك لتبقي على نفسك روحها التي بها قوامها، وما لها الذي به قيامها، وجاهها الذي به تماسكها، وتصون من عرف بذلك وعرفت به من أوليائنا واخواننا من بعد ذلك بشهور وسنين إلى ان يفرج الله تلك الكربة، وتزول به تلك الغمة فان ذلك أفضل من أن تتعرض للهلاك، وتنقطع به عن عمل الدين وصلاح اخوانك المؤمنين، واياك ثم اياك ان تترك التقية التي أمرتك بها، فانك شائط بدمك ودم اخوانك، معرض لنعمتك ونعمهم على الزوال مذل لك ولهم في ايدي اعداء دين الله، وقد آمرك الله باعزازهم، فانك ان خالفت وصيتي كان ضررك على نفسك واخوانك أشد من ضرر المناصب لنا، الكافر بنا وعن سعيد بن جبير(3) قال: استقبل أمير المؤمنين عليه السلام دهقان من دهاقين الفرس فقال له - بعد التهنية -:

___________________________________
(1) آل عمران - 28. (2) الحشاشة: بقية الروح في المريض. (3) سعيد بن جبير - بالجيم المضمومة - بن هشام الاسدى الوالبى مولى بنى والبة اصله الكوفة نزل مكة تابعى. عده الشيخ الطوسى في أصحاب الامام زين العابدين " ع " والعلامة في القسم الاول من خلاصته، روى عن ابى عبدالله " ع " انه قال: ان سعيد بن جبير كان يأتم بعلى بن الحسين " ع " وكان على " ع " يثنى عليه، وما كان سبب قتل الحجاج له الا على هذا الامر وكان مستقيما، وذكر انه لما دخل على الحجاج بن يوسف قال له: انت شقى بن كسير قال: امى كانت اعرف باسمى سمتنى: " سعيد بن جبير "، قال: ماتقول في ابى بكر وعمر همافى الجنة او في النار؟ قال: لو دخلت الجنة فنظرت إلى اهلها لعلمت من فيها، ولو دخلت النار ورأيت اهلها لعلمت من فيها، قال: فما قولك في الخلفاء؟ قال: لست عليهم بوكيل، قال: أيهم احب اليك؟ قال: أرضاهم لخالقى، قال: فايهم ارضى للخالق قال: علم ذلك عند الذى يعلم سرهم ونجواهم، قال: أبيت ان تصدقنى قال: بل لم احب ان اكذبك.وكان ثقة مشهورا بالفقه والزهد والعبادة وعلم التفسير وكان اخذ العلم عن ابن عباس، وكان ابن عباس اذا اتاه اهل الكوفة يستفتونه يقول. أليس فيكم ابن ام الدهماء؟ يعنى: سعيد بن جبير، وكان يسمى جهبذ العلماء " بالكسر - اى: النقاد الخبير " وكان يقرأ القرآن في ركعتين، قيل: وما من أحد على الارض الا وهو محتاج إلى علمه.قتله الحجاج سنة " 95 " وهو ابن " 49 " سنة ولم يبق بعده الحجاج الا "15" ليلة، ولم يقتل احدا بعده لدعائه عليه حين قتله: " اللهم لا تسلطه على احد يقتله بعدى ".رجال الطوسى ص 90 العلامة ص 79 الكشى ص 110 تهذيب التهذيب ج 4 ص 11 سفينة البحار ج 1 ص 621. (*)

[356]

ياامير المؤمنين تناحست النجوم الطالعات، وتناحست السعود بالنحوس، واذا كان مثل هذا اليوم وجب على الحكيم الاختفاء، ويومك هذا يوم صعب، قد اتصلت فيه كوكبان، وانقدح من برجك النيران، وليس لك الحرب بمكان، فقال امير المؤمنين عليه السلام: ويحك يادهقان المنبئ بآثار، والمحذر من الاقدار، ماقصة صاحب الميزان، وقصة صاحب السرطان، وكم المطالع من الاسد والساعات في المحركات، وكم بين السراري والذراري؟ قال: سأنظر واومى بيده إلى كمه، واخرج منه اصطر لابا ينظر فيه. فتبسم علي عليه السلام وقال: أتدري ماحدث البارحة؟ وقع بيت بالصين، وانفرج برج ماجين، وسقط سور سرنديب، وانهزم بطرق الروم بأرمينية، وفقد ديان اليهود بابلة، وهاج النمل بوادي النمل، وهلك ملك افريقية، أكنت عالما بهذا؟ قال: لا ياامير المؤمنين. فقال: البارحة سعد سبعون الف عالم، وولد في كل عالم سبعون الفا، 

[357]

والليلة يموت مثلهم، وهذا منهم - وأومى بيده إلى سعد ين مسعدة الحارثي لعنه الله وكان جاسوسا للخوارج في عسكر امير المؤمنين عليه السلام - فظن الملعون: انه يقول: خذوه، فأخذ بنفسه فمات، فخر الدهقان ساجدا. فقال له امير المؤمنين عليه السلام: الم اروك من عين التوفيق؟ قال: بلى ياامير المؤمنين. فقال امير المؤمنين عليه السلام: أنا وأصحابي لا شرقيون ولا غربيون، نحن ناشئة القطب واعلام الفلك، اما قولك انقدح من برجلك النيران، فكان الواجب عليك ان تحكم لي به الا علي، اما نوره وضياؤه فعندي، واما حريقه ولهبه فذاهب عني، وهذه مسألة عميقة احسبها ان كنت حاسبا. وروي انه عليه السلام لما اراد المسير إلى الخوارج قال له بعض أصحابه: ان سرت في هذا الوقت خشيت ان لا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم. فقال عليه السلام: اتزعم انك تهدي إلى الساعة التي من سار فيها صرف عنه السوء، وتخوف الساعة التي من سار فيها حاق به الضر، فمن صدقك بهذا فقد كذب القرآن، واستغنى عن الاستعانة بالله في نيل المحبوب ودفع المكروه، وينبغي في قولك للعامل بأمرك ان يوليك الحمد دون ربه، لانك بزعمك انت هديته إلى الساعة التي نال فيها النفع وأمن الضر. ايها الناس اياكم وتعلم النجوم، الا مايهتدى به في بر أو بحر، فانه يدعو إلى الكهانة، المنجم كالكاهن، والكاهن كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار، سيروا على اسم الله وهونه، ومضى فظفر بمراده صلوات الله عليه.