وكتب محمد بن أبي بكر(9) إلى معاوية احتجاجا عليه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن أبى بكر، إلى الغاوي معاوية بن صخر، سلام الله على أهل طاعة الله ممن هو أهل دين الله واهل ولاية الله.

___________________________________
(9) محمد بن ابى بكر بن أبى قحافة. وامه اسماء بنت عميس مر لها ذكر في هامش ص 125 ولد بالبيداء في حجة الوداع. روى ان ابا بكر خرج في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله في غزاة فرأت اسماء بنت عميس وهى تحته كان ابا بكر مخضب بالحناء رأسه ولحيته، وعليه ثياب بيض، فجائت إلى عائشة فاخبرتها، فبكت عائشة وقالت: ان صدقت رؤياك فقد قتل ابوبكر ان خضابه الدم وان ثيابه اكفانه، فدخل النبى صلى الله عليه وآله وهى كذلك فقال: ماابكاها؟ فذكروا الرؤيا. فقال: ليس كما عبرت عائشة ولكن يرجع ابوبكر، فتحمل منه اسماء بغلام تسميه محمد يجعله الله تعالى غيظا على الكافرين والمنافقين.قال ابن أبى الحديد: ونشوه في حجر امير المؤمنين عليه السلام وانه لم يكن يعرف أبا غير على، حتى قال امير المؤمنين عليه السلام: محمد ابنى من صلب أبى بكر، وكان يكنى (ابا القاسم) وكان من نساك قريش، وكان ممن اعان في يوم الدار، ومن ولده (القاسم بن محمد) فقيه اهل الحجاز وفاضلها، ومن ولد القاسم (عبدالرحمن) من فضلاء قريش ويكنى (ابا محمد) ومن ولد القاسم ايضا أم فروة تزوجها الامام الباقر ابوجعفر محمد بن على (ع). وكان من حوارى امير المؤمنين عليه السلام، وخواصه واحد المحامدة التى تأبى أن يعصى الله.وروى عن حمزة بن محمد الطيار قال: ذكرنا محمد بن أبى بكر عند أبى عبدالله (ع) فقال ابو عبدالله (ع): رحمه الله وصلى عليه، قال لامير المؤمنين (ع) - يوما من الايام -: ابسط يدك أبايعك، فقال: أو مافعلت؟ قال: بلى، فبسط يده فقال: اشهد انك امام مفترض طاعتك وان ابى في النار.فقال ابوعبدالله عليه السلام: كان النجابة من امه اسماء بنت عميس رحمة الله عليها لا من قبل ابيه.وعن زرارة بن اعين عن ابى جعفر (ع): ان محمد بن ابى بكر بايع عليا عليه السلام على البراء‌ة من ابيه.وعن شعيب عن أبى عبدالله (ع) قال: سمعته يقول: مامن اهل بيت الاومنهم تجيب من انفسهم، واتجب النجباء من اهل (بيت سوء) محمد بن ابى بكر. وينسب اليه قوله: يا ابانا قد وجدنا ماصلح *** خاب من انت ابوه وافتضح انما انقذنى منك الذى *** انقذ الدر من الماء الملح يابنى الزهراء انتم عدتى *** وبكم في الحشر ميزانى رجح - (*) واذا صح ولائى فيكم *** لا ابالى اى كلب قد نبح وقتل بمصر قتله معاوية بن خديج - وكان فيها واليا من قبل امير المؤمنين (ع) - ثم وضعه في جوف حمار ميت واحرقه. ولما بلغ امير المؤمنين عليه السلام قتل محمد بن ابى بكر حزن لذلك حزنا شديدا حتى ظهر ذلك عليه وتبين في وجهه، وقام خطيبا فحمد الله واثنى عليه إلى ان قال: ألا وان محمد بن ابى بكر قد استشهد رحمة الله عليه وعند الله نحتسبه.. وقيل له (ع) قد جزعت على محمد جزع شديدا ياامير المؤمنين فقال: وما يمنعنى انه كان لى ربيبا وكان لبنى اخا، وكنت له والدا، اعده ولدا. ولما سمعت امه اسماء بقتله كظمت غيظها حتى شخبت ثدياها دما. وكان استشهاد سنة(37) هجرية. سفينة البحار ج 1 ص 312، رجال الكشى ص 60، خلاصة العلامة ص 138، النجوم الزاهرة ج 1 ص 110. (*)

[270]

اما بعد فان الله بجلاله وسلطانه خلق خلقا بلا عبث منه، ولا ضعف به، في 

[271]

قوة، ولكنه خلقهم عبيدا فمنهم شقي وسعيد، وغوي ورشيد، ثم اختارهم على علم منه، واصطفى وانتخب منهم محمدا صلى الله عليه واله واصطفاه لرسالته، وائتمنه على وحيه فدعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، فكان أول من أجاب وأناب، وأسلم وسلم، أخوه وابن عمه علي بن أبى طالب عليه السلام فصدقه بالغيب المكتوم وآثره على كل حميم، ووقاه من كل مكروه، وواساه بنفسه في كل خوف، وقد رأيتك تساوية وأنت أنت وهو هو المبرز والسابق في كل خير، وانت اللعين ابن اللعين لم تزل أنت وأبوك تبغضان وتبغيان في دين الله الغوائل، وتجتهدان على اطفاء نور الله، تجمعان الجموع على ذلك، وتبذلان فيه الاموال، وتخالفان عليه القبائل، على ذلك مات ابوك، وعليه خلفته انت، فكيف لك الويل تعدل عن علي وهو وارث علم رسول الله ووصيه، واول الناس له اتباعا وآخرهم به عهدا؟ ! وانت عدوه وابن عدوه، فتمتع بباطلك ما استطعت، وتبدد بابن العاص في غوايتك، فكأن أجلك قد انقضى، وكيدك قد وهى، ثم تستبين لك لمن تكون العاقبة العليا، والسلام على من اتبع الهدى. 

[272]

فأجابه معاوية هذا إلى الزارئ(1) على ابيه محمد بن أبى بكر، سلام على أهل طاهة الله، اما بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله في قدرته وسلطانه مع كلام ألفته ورصفته(2) لرأيك فيه، وذكرت حق علي وقديم سوابقه وقرابته من رسول الله صلى الله عليه واله ونصرته ومواساته اياه في كل خوف وهول، وتفضيلك عليا وعيبك لي بفضل غيرك لابفضلك، فالحمد لله الذي صرف ذلك عنك وجعله لغيرك وقد كنا وابوك معنا في زمن نبينا صلى الله عليه واله نرى حق علي عليه السلام لازما لنا، وسبقه مبرزا علينا، فلما اختار الله لنبيه ماعنده وأتم له ماوعده، قبضه الله اليه، وكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه(3) وخالفه على ذلك، واتفقا ثم دعواه على أنفسهما، فابطأ عليهما، فهما به الهموم، وارادا به العظيم، فبايع وسلم لامرهما، لايشركانه في امرهما، ولايطلعانه على سرهما، حتى قضى الله من أمرهما ماقضى، ثم قام بعدهما ثالثهما يهدى بهداهما، ويسير بسيرتهما، فعبته أنت وأصحابك حتى طمع فيه الاقاصي من أهل المعاصي حتى بلغتما منه منا كما، وكان ابوك مهد مهاده فان يك مانحن فيه صوابا فابوك أوله، وان يك جورا فابوك سنه، ونحن شركائه وبهداه اقتدينا، ولو لا ماسبقنا اليه أبوك ما خالفنا عليا ولسلمنا له، ولكنا رأينا أباك فعل ذلك فاخذنا بمثاله، فعب أباك أودعه، والسلام على من تاب واناب.

___________________________________
(1) زرى عليه عمله: عابه عليه. (2) رصف الحجارة: ضم بعضها إلى بعض. (3) ابتز منه الشئ: استلبه قهرا.