احتجاج سلمان الفارسى رضى الله عنه(1) في خطبة خطبها بعد وفاة رسول الله... صلى الله عليه وآله على القوم لما تركوا أمير المؤمنين (ع) واختاروا غيره ونبذوا العهد المأخوذ عليهم وراء ظهورهم كأنهم لايعلمون عن جعفر بن محمد عن ابيه عن آبائه عليهم السلام قال: خطب الناس سلمان الفارسي

___________________________________
(1) ابوعبدالله سلمان الفارسى او المحمدى ويلقب ايضا بسلمان الخير اصله من رامهرمز وقيل من اصفهان من بلدة يقال لها: جى. كان من اوصياء عيسى عليه السلام، وهذا هو السبب الذى جعل امير المؤمنين عليه السلام يحضر عنده بالمدائن حين حضرته الوفاة، ويتولى تغسيله بيده الشريفة، إذ أن الوصى لايغسله الا وصى مثله.هرب سلمان عليه السلام من فارس لان اهلها كانوا يعبدون النار وصادف ذلك سفر قافلة إلى الشام فذهب معها، ونزل بحمص وكان يجتمع بالقسس والرهبان ويجادلهم في الدين برهة من الزمن.ثم صحب جماعة من النجار وسار معهم قاصدا مكة المكرمة ليحظى بالتشريف بحضرة النبى الامى وصحبته، وكان سلمان عليه السلام يعلم ان سيبعث من هناك لانه كما مر كان من اوصياء عيسى " ع ".واعتدى عليه هؤلاء الذين سار بصحبتهم واساء‌وا الصحبة فانتهوا ماكان عنده واسروه ثم باعوه من يهودى في المدينة على انه رق. وبقى عند ذلك اليهودى إلى ان هاجر النبى " ص " إلى المدينة وكان سلمان " ع " كاتب ذلك اليهودى على ان يدفع له مبلغا من المال ليحرره من الرق، فاعانه رسول الله " ص " على ذلك فتحرر.ولما زحف الجيش بقيادة ابى سفيان - لقتل النبى " ص " واصحابه وهدم المدينة على اهلها، في عزوة الاحزاب - اشار سلمان بحفر الخندق، فقال ابوسفيان لما رآه هذه مكيدة ماكانت العرب تكيدها.وكان اذا قيل له ابن من انت؟ يقول انا سلمان بن الاسلام، انا من بنى آدم.وقد روى عن رسول الله " ص " من وجوه انه قال: لو كان الدين في الثريا لناله سلمان، وفي رواية اخرى لناله رجل من فارس وروى عنه " ص " انه قل: " ان الله يحب من اصحابى اربعة - فذكره منهم " وقال " ص ": " ثلاثة تشتاق اليهم الحور العين: على، وسلمان، وعمار ".وعن انس بن مالك قال: قال رسول الله " ص ": " انا سابق ولد آدم، وسلمان سابق اهل فارس ".وعنه ايضا: سمعت رسول الله " ص " يقول: " ان الجنة تشتاق إلى اربعة: على وسلمان، وعمار، والمقداد ".ودخل ذات يوم مجلس رسول الله " ص " فوجد وجهاء قريش فتخطاهم وجلس في صدر المجلس، فغلى الدم في عروقهم، وقال له بعضهم: " من انت حتى تتخطانا؟ " وقال له آخر: " ماحسبك ونسبك؟ ! ".قال سلمان انا ابن الاسلام، كنت عبدا فاعتقنى الله بمحمد " ص " ووضيعا فرفعنى بمحمد " ص " وفقيرا فاغنانى بمحمد " ص " فهذا حسبى ونسبى.فقال رسول الله " ص ": صدق سلمان، صدق سلمان، من اراد ان ينظر إلى رجل نور الله قلبه بالايمان، فلينظر إلى سلمان. وتنافس المهاجرون والانصار كل يقول: " سلمان منا " فقال رسول الله " ص " " بل سلمان منا اهل البيت ".وروى عن أبى الاسود الدؤلى قال: كنا عند على ذات يوم فقالوا: ياامير المؤمنين " ع " حدثنا عن سلمان ".قال " ع ": من لكم بمثل لقمان الحكيم، ذلك امرؤ منا اهل البيت ادرك العلم الاول والعلم الآخر، وقرأ الكتاب الاول والكتاب الآخر، بحر لا ينزف.ولى المدائن في عهد عمر بن الخطاب، وكان يسف الخوص وهو امير عليها ويبيعه ويأكل منه، ويقول: لا احب ان آكل الا من عمل يدى. وتوفى في المدائن سنة 36، وقيل 37، وقيل بل 33.ولما حضرته الوفاء بكى فقيل مايبكيك؟ قال: عهد عهده الينا رسول الله " ص " قال: " ليكن بلاغ احدكم كزاد الراكب " فلما مات نظروا في بيته فلم يجدوا الا اكافا ووطاء ومتاعا، قوم نحوا من عشرين درهما.راجع صفة الصفوة ج 1 ص 210 تهذيب التهذيب ج 4 ص 137 اسد الغابة ج 2 ص 328 تنقيح المقال ج 2 ص 45 وكتاب نفس الرحمان في اخبار سلمان والمجلد الرابع من ابن ابى الحديد وكتاب مع علماء النجف الاشرف. (*)

[150]

رحمة الله عليه، بعد أن دفن النبي صلى الله عليه واله بثلاثة ايام، فقال فيها:

 [151]

ألا ياايها الناس: اسمعوا عنى حديثى، ثم اعقلوه عني، ألا وانى اوتيت علما كثيرا، فلو حدثتكم بكل ما اعلم من فضايل امير المؤمنين عليه السلام، لقالت طائفة منكم: هو مجنون، وقالت طائفة اخرى: اللهم اغفر لقاتل سلمان، الا ان لكم منايا، تتبعها بلايا، الا وان عند علي عليه السلام، علم المنايا، والبلايا، وميراث الوصايا وفصل الخطاب، واصل الانساب، على منهاج هارون بن عمران من موسى عليهما السلام اذ يقول له رسول الله صلى الله عليه واله: انت وصيى في اهل بيتي، وخليفتي في امتي، وانت مني بمنزلة هارون من موسى، ولكنكم اخذتم سنة بنى اسرائيل، فأخطأتم الحق فانتم تعلمون ولا تعلمون، أما والله لتركبن طبقا عن طبق، حذر النعل بالنعل والقذرة بالقذة اما والذى نفس سلمان بيده: لو وليتموها عليا لاكلتم من

 [152]

فوقكم، ومن تحت اقدامكم، ولو دعوتم الطير لاجابتكم في جو السماء، ولو دعوتم الحيتان من البحار لاتتكم، ولما عال(1) ولي الله، ولا طاش لكم سهم من فرائص الله(2) ولا اختلف اثنان في حكم الله، ولكن ابيتم فوليتموها غيره، فابشروا بالبلاء، واقنطوا من الرخاء، وقد نابذتكم على سواء، فانقطعت العصمة فيما بيني وبينكم من الولاء. عليكم بآل محمد عليهم السلام، فانهم القادة إلى الجنة، والدعاء اليها يوم القيامة. عليكم بأمير المؤمنين علي بن ابى طالب عليه السلام، فوالله لقد سلمنا عليه بالولاية وامرة المؤمنين، مرارا جمة(3) مع نبينا، كل ذلك يأمرنا به، ويؤكده علينا فما بال القوم؟ عرفوا فضله فحسدوه، وقد حسد هابيل قابيل فقتله، وكفارا قد ارتدت امة موسى بن عمران، فأمر هذه الامة كامر بني اسرائيل، فأين يذهب بكم ايها الناس ويحكم ما لنا وابوفلان وفلان؟ ! أجهلتم أم تجاهلتم؟ ام حسدتم ام تحاسدتم؟ والله لترتدن كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف، يشهد الشاهد على الناجى بالهلكة، ويشهد الشاهد على الكافر بالنجاة، ألا واني اظهرت امرى، وسلمت لنبيى، واتبعت مولاى ومولى كل مؤمن ومؤمنة عليا امير المؤمنين عليه السلام وسيد الوصين، وقائد الغر المحجلين، وامام الصديقين، والشهداء والصالحين.

___________________________________
(1) عال: افتقر. (2) طاش اليهم: مال عن الهدف. (3) جمة: كثيرة (*)