رسالة لامير المؤمنين (ع) إلى ابى بكر لما بلغه عنه كلام بعد منع الزهراء (ع) فدك. شقوا متلاطمات امواج الفتن بحيازيم سفن النجاة، وحطوا تيجان اهل الفخر بجميع اهل الغدر، واستضاؤا بنور الانوار، واقتسموا مواريض الطاهرات الابرار، واحتقبوا(1) ثقل الاوزار، بغصبهم نحلة النبي المختار، فكأني بكم تترددون في العمى، كما يتردد البعير في الطاحونة اما والله لو اذن لى بما ليس لكم به علم لحصدت رؤسكم عن اجسادكم كحب الحصيد، بقواضب من حديد، ولقلعت من جماجم شجعانكم ما اقرح به اماقكم، واوحش به محاكم، فاني - مذ عرفت - مردى العساكر، ومفني الجحافل، ومبيد خضرائكم، ومخمل ضوضائكم، وجرار الدوارين اذ انتم في بيوتكم معتكفون، واني لصاحبكم بالامس، لعمر ابي وامي لن تحبوا أن يكون فينا الخلافة والنبوة، وانمت تذكرون احقاد بدر، وثارات احد، أما والله لو قلت ماسبق الله فيكم، لتداخلت اضلاعكم في اجوافكم،

___________________________________
(1) احتقبوا: حملوا على ظهورهم. (*)

[128]

كتداخل اسنان دوارة الرحى، فان نطقت يقولون حسدا، وان سكت فيقال ابن أبى طالب جزع من الموت، هيهات هيهات ! الساعة يقال لى هذا؟ ! وانا المميت المائت، وخواض المنايا في جوف ليل حالك، حامل السيفين الثقيلين، والرمحين الطويلين، ومنكس الرايات في غطايا الغمرات(1)، ومفرج الكربات عن وجه خير البرايات، ايهنوا فوالله لابن أبى طالب انس بالموت من الطفل إلى محالب امه هبلتكم الهوابل(2) لو بحت بما انزل الله سبحانه في كتاب فيكم، لاضطربتم اضطراب الارشية في الطوى البعيدة(3) ولخرجتم من بيوتكم هاربين، وعلى وجوهكم هائمين، ولكني اهون وجدى حتى القى ربي، بيد جذاء صفراء من لذاتكم، خلو من طحناتكم، فما مثل دنياكم عندى الا كمثل غيم علا فاستعلا ثم استغلظ فاستوى، ثم تمزق فانجلا، رويدا فعن قليل ينجلى لكم القسطل(4) وتجنون ثمر فعلكم مرا، وتحصدون غرس ايديكم ذعافا ممقرا(5) وسما قاتلا وكفى بالله حكيما، وبرسول الله خصيما، وبالقيامة موقفا، فلا ابعد الله فيها سواكم، ولا اتعس فيها غيركم، والسلام على من اتبع الهدى. فلما أن قرأ ابوبكر الكتاب رعب من ذلك رعبا شديدا، وقال: ياسبحان الله مااجرأه علي وانكله عن غيرى. معاشر المهاجرين والانصار تعلمون أني شاورتكم في ضياع فدك بعد رسول الله صلى الله عليه واله، فقلتم: أن الانبياء لايورثون، وان هذه اموال يجب ان تضاف إلى

___________________________________
(1) غطامط: عظيم الامواج والغمرات جمع غمرة وهى: الشدة وغمرة الشئ شدته ومزدحمه. (2) هبلت فلانا امه: ثكلته فهى هابل. (3) الارشية جمع رشاء: وهو حبل الدلو. والطوى السقاء الذى يجعلون فيها الماء. (4) القسطل: الغبار الساطع في الحرب. (5) الذعاف: السم الذى يقتل من ساعته - والممقر: المر. (*)

[129]

مال الفئ، وتصرف في ثمن الكراع والسلاح، وابواب الجهاد، ومصالح الثغور فامضينا رأيكم، ولم يمضه من يدعيه، وهو ذا يبرق وعيدا، ويرعد تهديدا، ايلاء بحق محمد صلى الله عليه واله أن يمضحا(1) دما ذعافا، والله لقد استقلت منها اقل واستعزلتها عن نفسي فلم اعزل، كل ذلك كراهية منى لابن ابى طالب، وهربا من نزاعه، مالى ولابن ابى طالب أهل نازعه أحد ففلج(2) عليه؟ فقال: له عمر أبيت أن تقول هكذا؟ فانت ابن من لم يكن مقداما في الحروب ولا سخيا في الجدوب سبحان الله ما اهلع (3) فؤادك، واصغر نفسك، قد صفيت لك سجالا(4) لتشربها فأبيت الا ان تظمأ كظمائك، وانخت لك رقاب العرب، وثبت لك الاشارة والتدبير ولو لا ذلك لكان ابن أبى طالب قد صير عظامك رميما، فاحمد الله على ماقد وهب لك مني، واشكره على ذلك، فانه من رقى منبر رسول الله صلى الله عليه واله كان حقيقا عليه ان يحدث لله شكرا، وهذا علي بن أبى طالب الصخرة الصماء التي لاينفجر ماء‌ها الا بعد كسرها، والحية الرقشاء التي لاتجيب الا بالرقي، والشجرة المرة التي لو طليت بالعسل لم تنبت الا مرا، قتل سادات قريش فابادهم، وألزم اخرهم العار ففضحهم، فطب عن نفسك نفسا، ولاتغرنك صواعقه، ولايهولنك رواعده وبوارقه، فاني اسد بابه قبل ان يسد بابك، فقال له ابوبكر: ناشدك الله ياعمر لما أن تركتني من اغاليطك وتربيدك، فوالله لو هم ابن ابى طالب بقتلي وقتلك لقتلنا بشماله دون يمينه، وما ينجينا منه الا احدى ثلاث خصال: احديها: انه وحيد ولا ناصر له، والثانية انه ينتهج فينا وصية رسول الله صلى الله عليه واله، والثالثة: انه ما من هذه القبائل احد الا وهو يتخضمه(5) كتخضم الثنية الابل أوان الربيع، فتعلم لو لا ذلك لرجع الامر اليه وان كنا له كارهين، اما ان هذه الدنيا اهون اليه من

___________________________________
(1) وفى نسخة يمضخها. (2) فلج عليه: فاز. (3) الهلع: الجبن عند اللقاء. (4) السجال جمع سجل وهو: دلوا عظيم فيه ماء. (5) في بعض النسخ " يتهضمه كتهضم ". (*)

[130]

لقاء احدنا للموت، انسيت له يوم احد؟ وقد فررنا باجمعنا، وصعدنا الجبل، وقد احاطت به ملوك القوم، وصناديدهم موقنين بقتله، لايجد محيصا للخروج من اوساطهم، فلما ان سدد عليه القوم رماحهم نكس نفسه عن دابته حتى جاوزه طعان القوم، ثم قام قائما في ركابيه وقد طرق عن سرجه وهو يقول: " ياالله ياالله ياجبرئيل ياجبرئيل يامحمد يامحمد النجاة النجاة " ثم عمد إلى رئيس القوم فضربه ضربة على ام رأسه فبقي على فك واحد ولسان، ثم عمد إلى صاحب الراية العظمي فضربه ضربة على جمجمته ففلقها، ومر السيف يهوى في جسده فبراه ودابته بنصفين: لما أن نظر القوم إلى ذلك انجلفوا من بين يديه، فجعل يمسحهم بسيفه مسحا حتى تركهم جراثيم جمودا على تلعة من الارض، يتمرغون في حسرات المنايا، يتجرعون كؤوس الموت، قد اختطف ارواحهم بسيفه، ونحن نتوقع منه اكثر من ذلك، ولم نكن نضبط من انفسنا من مخافته حتى ابتدئت منك اليه التفاته، وكان منه اليك ماتعلم، ولولا انه نزلت آية من كتاب الله لكنا من الهالكين، وهو قوله تعالى ": ولقد عفا عنكم(1) " فاترك هذا الرجل ماتركك، ولايغرنك قول خالد أنه يقتله؟ فانه لايجسر على ذلك، ولو رام لكان اول مقتول بيده، فانه من ولد عبد مناف، اذا هاجوا هيبوا، واذا غضبوا ادموا، ولاسيما علي بن ابى طالب عليه السلام نابها الاكبر، وسنامها الاطول، وهامتها الاعظم، والسلام على من اتبع الهدى.

___________________________________
(1) آل عمران / 152. (*)