الاحتجاج تأليف أبى منصور أحمد بن على بن ابى طالب الطبرسى الجزء الاول تعليقات وملاحظات السيد محمد باقر الخراسان

[3]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المتعالى عن صفات المخلوقين، المنزه عن نعوت الناعتين، المبرأ مما لايليق بوحدانيته، المرتفع عن الزوال والفناء بوجوب الهيته، الذى استعبد الخلائق بحمد ماتواتر عليهم من نعمائه، وترادف لديهم من حسن بلائه، وتتابع من أياديه وعواطفه، وتفاقم من مواهبه وعوارفه، جم عن الاحصاء عددها، وفاق عن الاحاطة بها مددها، وخرست ألسن الناطقين بالشكر عليها عن أداء ما وجب من حقها لديها. واشهد ان لا اله الا الله وحده لاشريك له، شهادة يثقل بها ميزان العارفين وتبيض بها وجوههم يوم الدين، واشهد ان محمدا عبده المصطفى ورسوله المجتبى خاتم الرسل والانبياء وسيد الخلائق كلهم والاصفياء، وان وصيه علي بن ابى طالب عليه السلام خير وصي وصي وخير امام ولى، وان عترته الطاهرة خير العترة الائمة الهادية الاثنا عشر أمناء الله في بلاده وحججه على عباده، بهم تمت علينا نعمته وعلت كلمته، اختارهم للبرية اظهارا للطفه وحكمته وانارة لاعلام عدوله ورحمته فانزاحت بهم علة العبيد، وزهق باطل كل مستكبر عنيد، بأن عصمهم من الذنوب وبرأهم من العيوب حفظا منه للشرائع والاحكام، وسياسة لهم وهيبة لاهل المعاصي والآثام، وزجرا عن التغاشم والتكالب، وردعا عن التظالم والتواثب، وتأديبا بهم لاهل العتو والعدوان، ودفعا لما تدعو اليه دواعى الشيطان، ولم يهملهم سدى بلا حجة فيهم معصوم إما ظاهر مشهور أو غائب مكتوم، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الحجة، ولا يلتبس عليهم في دينه المحجة، ولم يجعل اليهم اختياره لعلمه بأنهم لايعلمون اسراره، لانه عزوجل متعال عن فعل شئ لايجوز عليه مثل تكليف مالا يهتدى العباد اليه، وقد نزه نفسه عن ان يشرك به احدا في الاختيار 

[4]

حيث قال: " وربك يخلق مايشاء ويختار ماكان لهم الخيرة " سبحان الله تعالى عما يشركون. ثم ان الذى دعانى إلى تأليف هذا الكتاب عدول جماعة من الاصحاب عن طريق الحجاج جدا وعن سبيل الجدال وان كان حقا، وقولهم: " ان النبي صلى الله عليه واله والائمة عليهم السلام لم يجادلوا قط ولا استعملوه ولا للشيعة فيه اجازة بل نهوهم عنه وعابوه "، فرأيت عمل كتاب يحتوي على ذكر جمل من محاوراتهم في الفروع والاصول مع اهل الخلاف وذوى الفضول، قد جادلوا فيها بالحق من الكلام وبلغوا غاية كل مرام، وانهم عليهم السلام انما نهوا عن ذلك الضعفاء والمساكين من اهل القصور عن بيان الدين دون المبرزين في الاحتجاج الغالبين لاهل اللجاج، فانهم كانوا مأمورين من قبلهم بمقاومة الخصوم ومداولة الكلوم، فعلت بذلك منازلهم وارتفعت درجاتهم وانتشرت فضائلهم. وانا ابتدئ في صدر الكتاب بفصل ينطوى على ذكر آيات من القرآن التي امر الله تعالى بذلك انبياء‌ه بمحاجة ذوي العدوان ويشتمل أيضا على عدة أخبار في فضل الذابين عن دين الله القويم وصراطه المستقيم بالحجج القاهرة والبراهين الباهرة، ثم نشرع في ذكر طرف من مجالات النبى والائمة عليه وعليهم السلام، وربما يأتى في أثناء كلامهم كلام جماعة من الشيعة حيث تقتضى الحال ذكره، ولا نأتي في اكثر مانورده من الاخبار باسناده اما لوجود الاجماع عليه او موافقته لما دلت العقول اليه او لاشتهاره في السير والكتب بين الخالف والمؤلف، الا ما اوردته عن ابى محمد الحسن العسكرى عليه السلام، فانه ليس في الاشتهار على حد ما سواه وان كان مشتملا على مثل الذى قدمناه، فلاجل ذلك ذكرت اسناده في اول جزء من ذلك دون غيره، لان جميع مارويت عنه عليه السلام انما رويته باسناد واحد من جملة الاخبار التي ذكرها عليه السلام في تفسيره. والله المستعان فيما قصدناه وهو حسبى ونعم الوكيل.