قـال الـبـلاذري فـي خبر امر الهجرة من مكة الى المدينة : فجعلوا يتجهزون الى المدينة في خفى وسـتـر, ويـتـسـلـلون فيقال انه كان بين اولهم وآخرهم اكثر من سنة وجعلوا يترافدون بالمال والـظـهـر, ويـتـرافـقـون وبلغ من بالحبشة من المسلمين هجرة اخوانهم , فقدم من قدم منهم مكة للّه جرة مع النبي (ص ) وكان ممن قدم مكة ابو سلمة بن عبد الاسد بن هلال بن عبداللّه بن عمر بن مخزوم , واسم ابي سلمة عبداللّه بن عبد الاسد, ثم هاجر, فكان الثالث بعد مصعب بن .
عمير وابن ام مكتوم وكان مصعب اول من قدمها, وجهه رسول اللّه (ص ) ليعلم الناس القرآن ثم تلاه ابن ام مكتوم وسمعت من يذكر ان ابا سلمة قبل ابن ام مكتوم والخبر الاول اثبت ((594)) .
اذا فـقد كانت حقيقة رجوع بعض المهاجرين من الحبشة الى مكة لوصول خبر هجرة المسلمين من مكة الى المدينة , ولكن الوضاعين اسندوا جملات قريش المسجوعة في شان الغرانيق الى الرسول (ص ), وذكـروا ان سبب رجوع بعض المهاجرين من الحبشة الى مكة وصول ذلك الخبر المفترى بـه عـل رسـول اللّه (ص ) بينا كان سبب رجوع بعضهم الى مكة وصول خبر هجرة المسلمين الى المدينة .
هكذا لفق الوضاعون من الزنادقة من الخبرين الانفين اسطورة خرافية واسندوا روايتها الى بعض الصحابة والتابعين وتابعي التابعين زورا وبهتانا, ثم دسوها في كتب بعض المصنفين بمدرسة الخلفاء دون ان ينتبه اليها, ثم جاء بعدهم كتاب السيرة والتفسير بمدرسة الخلفاء ودنوها في مصنفاتهم غفلة منهم عن حقيقة الامر.
وانما قلنا ان واضعي تلك الاسطورة هم الزنادقة , لما وجدناهم وضعوا آلاف الاخبار المفتراة التي كـشـفـنا عن حقيقة مئات منها في كتابينا (عبداللّه بن سبا) و(خمسون ومائة صحابي مختلق ) وقد اخـبر قبلنا محمد بن اسحاق بن خزيمة (ت 311 ه) ان الزنادقة هم الذين وضعوا هذه ااسطورة , ونحن نرى ان زمان وضع تلكم الاسطورة كان اوائل القرن الثاني الهجري .
ومـهـمـا يكن امر زمان تلكم الاحاديث فانها انتشرت في كتب تفاسير مدرسة الخلفاء وكتب السير والتاريخ عندهم , وتناقلوها جيلا بعد جيل , حتى برز المستشرقون في القرون الاخيرة , ووجدوا بغيتهم في هذه الاسطورة ونقلوها في كتبهم التي الفوها باسم معرفة الاسلام وتعريف نبي ه , وزادوا عـلـيـهـا مـن عـندهم على قدر ما ساعدهم خيالهم الخصيب في التحوير والتزوير باسم التحليل والتعليل , كالمستشرق الهولندي ( يوسف شاخت ) في مادة (اصول ) من دائرة المعارف الاسلامية , والـمـسـتـشـرق الـدانـمـاركـي ( بـوهـل ) الاسـتـاذ فـي جامعة لايبزيك في مختصر دائرة المعارف الاسلامية , بعد تقديم مقدمات يصور الاسطورة على انها حقيقة , سوالبرفسور ( مونتغمري واط ) الاسـتاذ في العلوم الاسلامية ورئيس قسم اللغة العربية في جامعة ادنبرغ في اسكتلندا في كتابه :.
(محمد الرسول والسياسي ).
وكـل هـؤلاء زيـنـوا الاسـطـورة واوردوهـا بـصـورة تـحـلـيـل وتـحقيق علمي مع مقدمات ومؤخرات ((595)) .
وكان آخرهم وليس الاخير, المرتد في عصرنا ( سلمان رشدي ) الذي اوردها على صورة خيالية وبصورة سخرية واستهزاء.
الـى هـنـا درسنا الروايات التي اسندت روايتها الى ام المؤمنين عائشة وحدها او مع غيرها بقصد تمحيص سنة الرسول (ص ).
وفي البحث الاتي ندرس باذنه تعالى مشاركة ام المؤمنين عائشة في تمحيص سنة الرسول (ص ).
الباب الخامس .

مشاركة ام المؤمنين عائشة في تمحيص سنة الرسول (ص ) واستدراكها على :.

ت ابي الدرداءت عبداللّه بن عمرو ابن العاص .
ت ابي هريرة ت كعب الاحبار.
ت عروة بن الزبيرت مروان بن الحكم .
ت الخليفة عمرت بعض الناس .
ت عبد اللّه بن عمر.
ا - استدراكها على ابي الدرداء في قوله : من ادرك الصبح فلا وتر له :.
في مسند احمد, بسنده :.
اخـبـر ان ابا الدرداء كان يخطب الناس ان لا وتر لمن ادرك الصبح , فانطلق رجال من المؤمنين الى عائشة فاخبروها.
فقالت : كان رسول اللّه (ص ) يصبح فيوتر ((596)) .
ولـفـظه في سنن البيهقي : عن ابي الدرداء انه خطب فقال : من ادركه الصبح فلا وتر له , فذكر ذلك لعائشة فقالت : كذب ابو الدرداء, كان رسول اللّه (ص ) يصبح فيوتر ((597)) .
ب - استدراكها على ابي هريرة في روايته قول الرسول (ص ):.
الدار والمراة والفرس :.
في مسند احمد, بسنده قال :.
ان رجلين دخلا على عائشة فقالا: ان ابا هريرة يحدث ان نبي اللّه (ص ) كان يقول : انما الطيرة في المراة والدابة والدار قال : فطارت شقة منها في السماء وشقة في الارض .
فـقـالت : والذي انزل القرآن على ابي القاسم ما هكذا كان يقول , ولكن نبي اللّه (ص ) كان يقول : كان اهل الجاهلية يقولون : الطيرة في المراة والدار والدابة , ثم قرات عائشة : (ما اصاب من مصيبة في الارض ولا في انفسكم الا في كتاب ) الى آخر الاية ((598)) .
ج - استدراكها على ابي هريرة في روايته قول الرسول (ص ):.
امراة عذبت في هرة :.
في مسند احمد, بسنده عن علقمة قال :.
كـنـا عـند عائشة فدخل عليها ابو هريرة , فقالت : يا ابا هريرة انت الذي تحدث ان امراة عذبت في هرة لها ربطتها لم تطعمها ولم تسقها؟.
فقال ابو هريرة : سمعته منه , يعني النبي (ص ).
فقالت عائشة : اتدري ما كانت المراة ؟.
قال : لا.
قالت : ان المراة مع ما فعلت كانت كافرة , ان المؤمن اكرم على اللّه من ان يعذبه في هرة , فاذا حدثت عن رسول اللّه (ص ) فانظر كيف تحدث ((599)) .
وفي صحيح مسلم بسنده عن ابي بكر قال :.
سمعت ابا هريرة يقص في قصصه : من ادركه الفجر جنبا فلا يصم .
قـال : فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحرث (لابيه ) فانكر ذلك , فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وام سلمة , فسالهما عبد الرحمن عن ذلك .
قال : فكلتاهما قالت : كان النبي (ص ) يصبح جنبا من غير حلم ثم .
يصوم ((600)) .
د - استدراكها على ابي هريرة في روايته قول الرسول (ص ):.
لان امتع بسوط في سبيل اللّه احب الي من ان اعتق ولد الزنى :.
روى البيهقي بسنده قال :.
بلغ عائشة ان ابا هريرة يقول : ان رسول اللّه (ص ) قال : لان امتع بسوط في سبيل اللّه احب الي من ان اعتق ولد الزنى , وان رسول اللّه (ص ) قال : ولد الزنى شر الثلاثة , وان الميت يعذب ببكاء الحي .
فقالت عائشة : رحم اللّه ابا هريرة اساء سمعا فاساء اصابة .
(امـا قـولـه ): لان امتع بسوط في سبيل اللّه احب الي من ان اعتق ولد الزنى , انها لما نزلت : ( فلا اقـتـحـم الـعقبة - وما ادراك ما العقبة ) قيل : يا رسول اللّه ما عندنا ما نعتق , الا ان احدنا له جارية سـوداء تخدمه وتسعى عليه , فلو امرناهن فزنين فجئن بالاولاد فاعتقناهم ,فقال رسول اللّه (ص ): لان امتع بسوط في سبيل اللّه احب الي من ان آمر بالزنى ثم اعتق الولد.
(وامـا قـوله ): ولد الزنا شر الثلاثة , فلم يكن الحديث على هذا, انما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول اللّه (ص ) فقال : من يعذرني من فلان ؟ قيل : يارسول اللّه مع ما به ولد زنى , فقال رسول اللّه (ص ): هو شر الثلاثة , واللّه عز وجل يقول : ( ولا تزر وازرة وزر اخرى ) ((16)) .
ه - استدراكها على ابي هريرة وابن عمر في قوله (ص ):.
لان يمتلئ جوف احدكم قيحا ودما:.
فـي صـحـيـح البخاري وصحيح مسلم ومسند احمد وسنن ابي داود بسندهم عن ابي هريرة وابن عمر:.
ان رسـول اللّه (ص ) قـال : ( لان يـمـتـلـئ جـوف احدكم قيحا ودما خيرا من ان يمتلئ شعرا ) ((602)) .
فقالت عائشة : لم يحفظ انما قال : من ان يمتلئ شعرا هجيت به ((603)) .
وروت عن رسول اللّه (ص ): انه كان يضع لحسان منبرا في المسجد فيقوم عليهم يهجو من قال في رسـول اللّه (ص ), وقـول الـرسـول (ص ): (ان روح الـقـدس مـع حـسـان مـا نـافح عن رسول اللّه ) ((604)) .
في مستدرك الحاكم وتلخيصه :.
عن عائشة انها دع -ت ابا هريرة فقالت ل -ه : يا ابا ه -ريرة ما هذه .
الاحاديث التي تبلغنا ان -ك تحدث بها عن النبي (ص ) ؟ هل سمعت الا ما سمعنا؟.
وهل رايت الاما راينا ؟ قال : يا اماه كان يشغ -لك عن رس -ول اللّه (ص ) المرآة والمكحلة والتصنع لرسول اللّه (ص ) واني واللّه ما كان يشغلني عنه شي ((605)) .
و - استدراكها على عروة بن الزبير في قوله :.
ما ابالي ان لا اطوف بين الصفا والمروة :.
في صحيح مسلم وسنن النسائي , واللفظ للنسائي قال ما موجزه :.
ان عـروة بـن الزبير قال : قرات على عائشة : ( فلا جناح عليه ان يطوف بهما) قلت : ما ابالي ان لا اطوف بينهما.
فـقـالـت : بـئسـمـا قلت : انما كان ناس من اهل الجاهلية لا يطوفون بينهما, فلما كان الاسلام ونزل القرآن : ( ان الصفا والمروة من شعائر اللّه ) الاية فطاف رسول اللّه (ص ) وطفنا معه فكانت سنة .
اخبرني عمرو بن عثمان قال : حدثنا ابي , عن شعيب , عن الزهري, عن عروة قال : سالت عن قول اللّه عز وجل : ( فلا جناح عليه ان يطوف بهما ) فواللّه ما على احد جناح ان لا يطوف بالصفا والمروة .
قالت عائشة : بئسما قلت يابن اختي , ان هذه الاية لو كانت كما اولتها كانت :.
( فـلا جـنـاح عليه ان لا يطوف بهما ) ولكنها نزلت في الانصار قبل ان يسلموا, كانوا يهلون لمناة الـطـاغـية ((606)) التي كانوا يعبدون عند المشلل ((607)) وكان من اهل لها يتحرج ان يطوف بالصفا والمروة , فلما سالوا رسول اللّه (ص ) عن ذلك انزل اللّه عز وجل : ( ان الصفا والمروة من شـعائر اللّه فمن حج البيت او اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف بهما ) ثم قد سن رسول اللّه (ص ) الطواف بينهما فليس لاحد ان يترك الطواف بهما ((608)) .
ز - استدراكها على عروة بن الزبير وآخرين في قولهم :.
ان الصلاة يقطعها الكلب والحمار والمراة :.
في صحيح مسلم ومسند احمد, واللفظ للاول :.
ان عائشة ذكر عندها ما يقطع الصلاة : الكلب والحمار والمراة .
فـقالت عائشة : قد شبهتمونا بالحمير والكلاب واللّه الـسرير, بينه وبين القبلة مضطجعة فانسل من عند رجليه ((609)) .
وفي رواية اخرى قالت : عدلتمونا.
ح - استدراكها على الخليفة عمر بن الخطاب في ضربه على الصلاة بعد العصر:.
في صحيح البخاري ومسلم ما موجزه :.
ان عبداللّه بن عباس قال : كنت اضرب مع عمر بن الخطاب عن الصلاة بعد العصر ((610)) .
وفـي صحيح مسلم بعده : انها قالت : وهم غمر انما نهى رسول اللّه (ص ) ان يتحرى طلوع الشمس وغروبها ((611)) .
وفي رواية اخرى انها قالت :.
ل -م يـدع رسـول اللّه (ص ) الـركـعـتين بعد العصر قال : فقالت عائشة : قال رسول اللّه (ص ): لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها, فتصلوا عند ذلك ((612)) .
قال المؤلف : لعل الحكمة في ذلك : ان التحري لطلوع الشمس وغروبها للصلاة يشبه فعل من يعبدون الشمس .
ط - استدراكها على الخليفة عمر وابنه عبداللّه روايتهما عن رسول اللّه (ص ) انه قال : ان الميت يعذب ببكاء اهله عليه ((613)) .
روى مسلم بسنده عن ابي موسى انه قال :.
لما اصيب عمر اقبل صهيب من منزله حتى دخل على عمر فقام بحياله ((614)) يبكي .
فقال عمر: علام تبكي ؟ اعلي تبكي ؟.
قال : اي واللّه قال : واللّه قال : فذكرت ذلك لموسى بن طلحة فقال : كانت عائشة تقول : انما كان اولئك اليهود ((615)) .
بسنده عن انس انه قال :.
ان عمر بن الخطاب لما طعن عولت عليه حفصة .
فقال : يا حفصة ((616)) عليه يعذب ؟.
وعول عليه صهيب فقال عمر: يا صهيب ((617)) ؟.
في صحيح البخاري ((618)) ومسلم , واللفظ لمسلم :.
انه ذكر عند عائشة ان ابن عمر يرفع الى النبي(ص ): ان الميت يعذب في قبره ببكاء اهله عليه .
فـقـالت : وهل ((619)) انما قال رسول اللّه (ص ): انه ليعذب بخطيئته او بذنبه , وان اهله ليبكون عليه الان ((620)) .
ولفظ الحديث في رواية اخرى لمسلم قال :.
ذكر عند عائشة قول ابن عمر: الميت يعذب ببكاء اهله عليه .
فـقـالـت : رحم اللّه ابا عبد الرحمن سمع شيئا فلم يحفظه انما مرت على رسول اللّه (ص ) جنازة يهودي وهم يبكون عليه , فقال : انتم تبكون وانه ليعذب ((621)) .
وفي رواية عن مالك بن انس :.
ان عائشة ذكر لها ان عبداللّه بن عمر يقول : ان الميت ليعذب ببكاء الحي.
فقالت عائشة : يغفر اللّه لابي عبد الرحمن , اما انه لم يكذب ولكنه نسي او اخطا انما مر رسول اللّه (ص ) على يهودية يبكى عليها فقال : انهم ليبكون عليها وانها لتعذب في قبرها ((622)) .
بسنده عن ابن عباس ما موجزه قال :.
لما اصيب الخليفة عمر جاء صهيب يقول : وااخاه فقال عمر: الم تعلم , او لم تسمع ان رسول اللّه (ص ) قال : ان الميت ليعذب ببعض بكاء اهله .
قال ابن عباس : فقمت فدخلت على عائشة , فحدثتها بما قال عمر, فقالت : لا واللّه (ص ) قـط: ان الميت يعذب ببكاء احد, ولكنه قال : ان الكافر يزيده اللّه ببكاء اهله عذابا وان اللّه لهو اضحك وابكى ((623)) ولا تزر وازرة وزر اخرى ((624)) .
وفي رواية اخرى قال :.
لما ان اصيب عمر, دخل صهيب يبكي يقول : وااخاه فـقـال عمر: يا صهيب فـقـال ابـن عـباس : فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة , فقالت : يرحم اللّه عمر, لا واللّه رسـول اللّه (ص ): انـ اللّه يعذب المؤمن بب اء احد, ولكن قال : ان اللّه يزيد الكافر عذابا ببكاء اهله عليه .
قال : وقالت عائشة : حسبكم القرآن (ولا تزر وازرة وزر اخرى ) ((625)) قال :.
وقال ابن عباس عند ذلك : واللّه اضحك وابكى .
وبسنده عن القاسم بن محمد بن ابي بكر انه قال : لما بلغ عائشة قول عمر.
وابن عمر قالت : انكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين , ولكن السمع يخطئ .
ى - استدراكها على عبداللّه بن عمر نهيه للمحرمة لبس الخفين :.
روى ابو داود واحمد ما موجزه :.
ان عـبـداللّه بن عمر كان يقطع الخفين للمراة المحرمة وان عائشة قالت : ان رسول اللّه (ص ) قد كان رخص للنساء في الخفين , فترك عبداللّه بن عمر ذل -ك ((626)) .
ك - استدراكها على عبداللّه بن عمر ان الشهر تسع وعشرون يوما:.
في مسند احمد بسنده قال :.
اخبرت عائشة ان ابن عمر يقول : قال رسول اللّه (ص ): الشهر تسع وعشرون .
فـانكرت ذلك عائشة وقالت : يغفر اللّه لابي عبد الرحمن , ليس كذلك قال رسول اللّه (ص ) ولكنه قال : الشهر يكون تسعا وعشرين ((627)) .
ل - استدراكها على عبداللّه بن عمرو بن العاص في نقض النساء.
رؤوسهن عند الغسل :.
روى مسلم بسنده قال :.
بلغ عائشة ان عبداللّه بن عمرو يامر النساء اذا اغتسلن ان ينقضن .
رؤوسهن.
فقالت : يا عجبا لابن عم -رو هذا يامر النساء اذا اغتسلن ان ينقضن .
رؤوسهن افلا يامرهن ان يحلقن رؤوسهن ؟ لقد كنت اغتسل انا ورسول اللّه (ص ) من اناء واحد ولا ازيد على ان افرغ على راسي ثلاث افراغات ((628)) .
ولفظ الحديث في سنن ابن ماجة قال :.
بلغ عائشة ان عبداللّه بن عمرو يامر نساءه اذا اغتسلن , ان ينقضن .
رؤوسهن.
فقالت :يا عجبا لابن عمرو الحديث ((629)) .
م - استدراكها على كعب قوله : ان محمدا (ص ) راى ربه :.
روى الترمذي ما موجزه :.
ان كـعـب الاحـبار كان يقول : ان اللّه قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى , فكلم موسى مرتين , ورآه محمد مرتين .
قال مسروق : فدخلت على عائشة فقلت : هل راى محمد ربه ؟.
فقالت : لقد تكلمت بشي ء قف له شعري .
قلت : رويدا, ثم قرات : ( لقد راى من آيات ربه الكبرى ).
قالت : اين يذهب بك ؟ انما هو جبريل , من اخبرك ان محمدا راى ربه او كتم شيئا مما امر به او يعلم الـخـمـس الـتـي قال اللّه : ( ان اللّه عنده علم الساعة وينزل الغيث ) فقد اعظم الفرية ولكنه راى جبريل , لم يره في صورته الامرتين : مرة عند سدرة الم تهى ومرة في جياد له ستمائة جناح قد سد الافق ((630)) .
وفي لفظ البخاري :.
قال مسروق : قلت لعائشة : يا امتاه هل راى محمد ربه ؟.
فقالت : لقد قف شعري مما قلت الحديث ((631)) .
ن - استدراكها على مروان بن الحكم قوله في عبد الرحمن بن ابي .
بكر: هذا الذي انزل اللّه فيه : ( والذي قال لوالديه اف ):.
روى البخاري بسنده وقال :.
كـان مروان واليا على الحجاز استعمله معاوية , فخطب فجعل يذكر يزيد ابن معاوية لكي يبايع بعد ابيه , فقال له عبد الرحمن بن ابي بكر شيئا, فقال :.
خـذوه , فدخل بيت عائشة , فلم يقدروا عليه , فقال مروان : ان هذا الذي انزل اللّه فيه : (والذي قال لـوالـديه اف لكما اتعدانني ) فقالت عائشة من ورا الحجاب : ما انزل اللّه فينا شيئا من القرآن , الا ان اللّه انزل عذري ((632)) .
ان البخاري لم يذكر الخبر بتمامه .
وتمامه في تاريخ ابن الاثير كالاتي :.
قام مروان خطيبا فقال : ان امير المؤمنين قد اختار لكم فلم يال , وقد.
استخلف ابنه يزيد بعده .
فـقـام عبد الرحمن بن ابي بكر, فقال : كذبت واللّه يا مروان محمد, ولكنكم تريدون ان تجعلوها هرقلية كلما مات هرقل قام هرقل .
فقال مروان : هذا الذي انزل اللّه فيه : (والذي قال لوالديه اف لكما) الاية , فسمعت عائشة مقالته من ورا الحجاب , فقامت من ورا الحجاب , وقالت :.
يا مروان فيه القرآن ؟ كذبت واللّه ما هو به , ولكنه فلان بن فلان , ولكنك فضض من لعنة اللّه .
وفي رواية :.
فقالت : كذب واللّه ما هو به , ولكن رسول اللّه لعن ابا مروان ومروان في صلبه , فمروان فضض من لعنة اللّه عز وجل انتهى ((633)) .
س - استدراكها على بعض الناس استنكارهم على ادخال الجنازة في مسجد الرسول (ص ):.
في صحيح مسلم بسنده عن عائشة :.
انها لما توفي سعد بن ابي وقاص , ارسل ازواج النبي (ص ) ان يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عـلـيـه فـفـعـلـوا فـوقـف بـه على حجرهن يصلين عليه اخرج به من باب الجنائز الذي كان الى الـمـقاعد ((634)) فبلغهن ان الناس عابوا ذلك وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بهاالمسجد فبلغ ذلك عائشة فقالت : ما اسرع الناس الى ان يعيبوا ما لا علم لهم به وما صلى رسول اللّه (ص ) على سهيل بن بيضا الا في جوف المسجد ((635)) .
الباب السادس .

اقوال المستشرقين واستفادتهم من الروايات التي درسناها في ابواب .

الكتاب الماضية .
ت ا - مونتجومري وات في كتابه محمد في مكة .
ت ب - ر ف بودلي في كتابه حياة محمد.
ت ج - كارل بروكلمن في تاريخ الشعوب .
ت د - ف بوهل في دائرة المعارف الاسلامية .
ت ه - يوسف شاخت في دائرة المعارف الاسلامية .
ت -م -هي -د.
درسنا بحمد اللّه تعالى في الباب الثالث والرابع من هذا الكتاب الروايات التي رويت عن ام المؤمنين عائشة وحدها وبينا زيفها.
وفي الباب الرابع منه درسنا ما افتري عليها وعلى غيرها من الصحابة من روايات وكشفنا زيفها.
وفـي هـذا الـباب ( السادس ) نستعرض كيف استفاد المستشرقون من تلكم الروايات الزائفة في حـربـهم للاسلام باسلوبهم الماكر وبعنوان البحث العلمي الهادئ الرصين ول -ما كنا قد كشفنا في الابـواب السابقة عن زيف كل تلكم الروايات التي اعتمدوها في بحوثهم الماكرة فلا حاجة بع ذلك الـى مناقشة دراساتهم المنبعثة من حقدهم للاسلام واهله لانهم بنوها (على شفا جرف هار) وانما غـايـتـنـا الـكـشـف عما استفاده المستشرقون ليعرف اهل العلم والبحث ان غايتنا من عرض تلكم الاحـاديث ومناقشتها كانت للدفاع عن الاسلام واهله , وبدون تلك الدراسات لم يكن يتيس لنا كشف زيف ما استند اليه اعدا الاسلام في حربهم للاسلام واللّه من ورا القصد.
ا - في سورة البقرة :.
( وقالوا كونوا هودا او نصارى تهتدوا قل بل ملة ابراهيم حنيفا وما كان من المشركين - قولوا آمنا بـاللّه ومـا انزل الينا وما انزل الى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط وما اوتي موسى وعـيـسـى ومـا اوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين احد منهم ونحن له مسلمون ) [الايات / 135 - 136].
ب - في سورة البقرة - ايضا -:.
( ولـن تـرضـى عـنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل ان هدى اللّه هو الهدى ولئن اتبعت اهواهم بعد الذي جاك من العلم ما لك من اللّه من ولي ولانصير ) [الاية / 120].
ج - في سورة النساء:.
( من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بالسنتهم وطعنا في الدين ولو انهم قالوا سمعنا واطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم واقوم ولكن لعنهم اللّه بكفرهم فلا يؤمنون الا قليلا- يا ايها الذين اوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم ) [الايات /46 - 47].
د - في سورة المائدة :.
( ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم ياتوك .
يـحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون ان اوتيتم هذا فخذوه وان لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد اللّه فـتـنته فلن تملك له من اللّه شيئا اولئك الذين لم يرد اللّه ان يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الاخرة عذاب عظيم ) [الاية / 41].
وفي ما ياتي نجد مصاديق لما قاله تعالى في كتابه الكريم :.
اولا - مونتجومري وات في كتابه محمد في مكة ((636)) .
ا - رواية الزهري :.
تقول الروايات ان اللّه دعا محمدا لاداء رسالة النبوة في الاربعين من عمره , واخذ يتلقى الوحي من اللّه وافـضـل نـقطة للابتدا هي رواية الزهري مصحوبة بشروح نفس المؤرخ عن فترة انقطاع الـوحـي وهذه الرواية ليست متصلة كرواية ابن هشام بل هي تجمع مقاطع وصلت الى علم الزه ي , والـنـص كـمـا وصل الينا لايحتوي على تقسيمات وقد ادخلنا بعض التقسيمات هنا للتسهيل , وهي تظهر في نص الزهري عند تغير الراوي .
(ا) سمعت النعمان بن راشد يحدث عن الزهري عن عروة عن عائشة انها قالت كان اول ما ابتدئ به رسول اللّه (ص ) من الوحي الرؤيا الصادقة , كانت تجي مثل فلق الصبح .
(ب ) ثـم حـبب اليه الخلا فكان بغار حرا يتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل ان يرجع الى اهله , ثم يرجع الى اهله فيتزود لمثلها حتى فجاه الحق فاتاه فقال : يامحمد انت رسول اللّه .
(ج ) قال رسول اللّه (ص ) فجثوت لركبتي وانا قائم ثم زحفت ترجف بوادي ثم دخلت على خديجة فقلت زملوني , زملوني (د) قال : فلقد هممت ان اطرح نفسي من حالق جبل , فتبدى لي حين .
هممت بذلك فقال : يا محمد انا جبريل وانت رسول اللّه .
(ه) ثم قال : اقرا, وقلت : ما اقرا ؟ قال : فاخذني فغتني ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد ثم قال : اقرا باسم ربك الذي خلق , فقرات .
(و) فاتيت خديجة فقلت : لقد اشفقت على نفسي فاخبرتها خبري فقالت : ابشر فواللّه لا يخزيك اللّه ابدا, وواللّه انك لتصل الرحم .
ب - رؤى محمد:.
لا نـمـلك اي دليل قاطع للشك في الفكرة الاساسية للمقطع (ا) وهي ان دعوة محمد بدات (برؤيا حقيقية ) وهذا يختلف كليا عن الاحلام كما نجد (الرؤى ) في المقطع (ب ) اذا وضعنا جانبا ظهور جبرائيل في (د).
ويؤيد نص المقطع (ا) ما نعلم من سورة النجم , ولكنه مشتق بصورة مستقلة عن ملاحظات محمد.
ويذكر لنا القرآن رؤيين : (والنجم اذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى , وما ينطق عن الهوى , ان هو الا وحي يوحى , علمه شديد القوى , ذو مرة فاستوى , وهو بالافق الاعلى , ثم دنا فتدلى , فكان قاب قـوسـين او ادنى , فاوحى الى عبده ما ا وحى , ما كذب الفؤاد ما راى , افتمارونه على ما يرى , ولقد رآه نـزلة اخرى , عند سدرة المنتهى , عندها جنة الماوى , اذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد راى آيات ربه الكبرى ) [النجم / 1 - 18].
تفسير المسلمين لهذه الايات يهي للاعتقاد بانها تتحدث عن رؤيا جبرائيل ولكن هناك اسباب تحملنا عـلـى الاعتقاد بان محمدا قد فسرها على انها رؤيا اللّه نفسه , فنحن لانجد اي ذكر لجبرائيل في الـقرآن حتى في الفترة المدنية وان الكلمات فى (5 / 10) يجب ان تعني (عبداله ) كما يعترف به الـمـسـلـمـون ولكن هذا يجعل الجملة غير مستقيمة الا اذا كان اللّه فيها الفاعل الضمني للافعال والجملة فى نهاية المقطع (ب ) (حتى فجاه الحق فقال ) لها نفس القيمة لان (الحق ) وسيلة للاشارة الـى اللّه ويـمـكـن تـفـسير المقطع (ج ) بنفس الطريقة لان الن هو (ثم اتاني فقال ) وكذلك بعض الروايات المتعلقة بسورة المدثر عن جابر تقول عن محمد: (سمعت صوتا يناديني , فتلفت حولي فلم ار احدا فرفعت راسي فرايته هناك جالسا على عرش ).
وربما كان ذلك تفسير محمد نفسه , ولكنا لا نستطيع الادعا بانه اتبع ذلك دائما لانه على عكس (6 / 103) (لا تـدركـه الابـصـار) واذا كـانـت سورة النجم يمكن ان تفسر بهذا الشكل فانها يمكن تـفـسيرها بشكل آخر, ولاشك ان القول : (لقد راى من آيات ربه الكبرى ), لايعني رؤيا الل ه ولكن يبدو انه يمكن تفسير ذلك بمعنى ان ما رآه محمد كان آية او رمزا لجلالة اللّه والاية (11).
(مـازاغ الـبصر وما طغى ) (وربما اضيفت فيما بعد) توحي بتطور لاحق لهذه النظرية , اي حينما كانت الانظار ترى الاية او الرمز, كان القلب يدرك الشي الذي يرمز اليه .
ولـو ان مـحمدا فسر, في الاصل , الرؤيا على انها رؤيا مباشرة للّه فان هذا يعنى اذن انه لم يخطي فـي الـشي الاساسي , وان كان تفسيره لم يكن صحيحا تماما, وربما كان يجب تفسير الاية هكذا: لم يخطي القلب فيما رآه هو كانسان , وبهذه الطريقة , يمكن تجنب جعلها رؤيا جبرائي .
وقال :.
ج - رؤيا حرا, التحنث .
ان زيـارة محمد لحرا, وهو جبل قريب من مكة , بصحبة عائلته او بدونها, ليست مستحيلة , ويمكن ان يـكـون ذلـك للفرار من اتون المدينة خلال فصل الصيف للذين لا يستطيعون التوجه الى الطائف , ويمكن للتاثير اليهودي المسيحي ولاسيما مثل الرهبان , او تجربة شخصية لمحمد ان يكون قداثار فيه الحاجة للخلوة والرغبة فيها.
وليس المعنى الدقيق والمشتق (للتحنث ) واضحا وان كنا بصورة بديهية بصدد بعض طقوس العبادة ولـربـمـا كـانـت افـضل فرضية هي فرضية ه -هرشفلد ((637)) بالاعتماد على اللفظ العبري (تـحـنوث ) ( خژچذذخخحح ) او (تحنث ) (خژرذذخخحح ) الذي يعني (الصلاة للّه ) ويمكن لهذا المعنى ان يكو قد تاثر بالجذر العربي , حنث تعني نقض القسم والعهد, او العجز عن تنفيذه , كما تـعـنـي بالمعنى العام الخطيئة , والتحنث يعني (القيام بعمل للفرار من خطيئة او جريمة ) واستعمال كلمة (التحنث ) هنا ربما كان دليلا على ان المادة قديمة فهي بذلك صحيحة ((638)) .
وربـمـا اسـتـطعنا ان نتم هذا العرض الموجز بما سبق الدعوة واول ما نزل من الوحي , ولابد ان محمدا قد عرف منذ شبابه بعض المشاكل الاجتماعية والدينية في مكة ولا شك ان وضعه كيتيم قد اطلعه على القلق السائد في المجتمع , وربما كانت افكاره من وجهة النظر الدينية ترجع الى التوحيد الغامض الذي نلاحظه عند المكيين المثقفين , ولكن يضاف الى ذلك انه ولا شك فكر ببعض الاصلاح فـي مـكـة , وكـان كـل ما يحيط به يساعد على ان يوحي اليه بان هذا الاصلاح يجب ان يكون اولا اصلاحا دينيا ولهذا نرى محمدا يصبو الى الخلوة للتفكير في الامور الالهية والقيام ببعض العبادات , وربـمـا كان ذلك للتكفير عن الخطايا, وربما سبق هذه (العزلة ) بعض التجارب الدينية , ولكننا لا نعرف عنها شيئا.
وتوحي الروايات بان الرؤيا حدثت اثنا العزلة ولكن تواريخ مختلف جوانب دعوة محمد غير اكيدة تارة تقول بان الرؤيا كانت غير منتظرة , وتارة يبدو ان خديجة كانت قريبة منها.
د - انت رسول اللّه :.
تـتـكـرر هـذه الكلمات اربع مرات في مقاطع الزهري في ب , ج , د و ط, في المقطعين الاخيرين يتحدث جبرائيل وفي الاول (الحق ) وفي الثاني (هو) وتختلف المناسبات في المقاطع الاولية ومن ثم افلا يمكن لهذه الروايات الاربع ان تكون لها علاقة بمختلف جوانب الحادث الذي ترويه ؟.
ان ذكر جبرائيل لا يستحق الثقة في البد, لاننا لا نجد هذا الذكر كثيرا في القرآن وتبدو الوقائع لاول وهـلة , على نوعين على الاقل : النص (ب ) مع النص (ج ) يمكن ان يصورا الدعوة الى النبوة , بينما (د) و(ط) يبدوان كتاكيد لهذا مع السعي لتطمينه وازالة قلقه .
واذا كـان الـنـص (ب ) يرجع للدعوة الاولى فما هي علاقته بالرؤيا؟ ان وصف الرؤيا الاولى في سورة (النجم ) ياتي في مقطع يرد على بعض الاعتراضات التي اثارها المكيون حول حقيقة الوحي الذي نزل على محمد ولاشك ان محمدا كان قد اعلن هذا الوحي مرة او اكثر وحديث الرؤيا في هذا النص يدل على ان لها علاقة ما بالوحي وليس هناك ما يدل على ان سماع المقاطع كان يصحب .
الرؤيا, وفي الحقيقة لو ان اكثر من هذين المقطعين كان موضع التساؤل لاصبح ذلك مستحيلا ويبدو ان الـنـتيجة العملية للرؤيا هي شي اكثر شمولا كالشعور بان هذه المقاطع هى رسائل من عند اللّه وانـه كـان عـلى محمد ان يعلنها امام الناس , وهذا يفترض ان محمدا كان قد نزل ع يه الوحي سابقا, ولـكـنـه لم يكن واثقا من طبيعة الوحي الذي ينزل عليه , وقد اخبر الان او انه تلقى تاكيدا بصدده ويـمـكـن ان تكون الرؤيا, من ناحية ثانية , دعوة لطلب الوحي , كما يمكن ان يكون محمدا قد عرف شيئا ما عن الوسائل الخاصة لاثارته والافتراض الاخير هو الارب ويجب ان نلاحظ بصدد هذا ان مـا ((639)) كان يوحى اليه كان (مسلكه العملي ) الذي يسير عليه ومعنى الرؤيا, في هذه الحالة , مـعـنى عام , يتفق تماما مع النص (ب ) ويمكن ان لا تكون كلمات (رسول اللّه ) تعبيرا خارجيا كما يـمـكـن ان لاتكون تعبيرا خياليا بل تعبيرا فكري , اي انه لم يسمع ولم يخيل اليه انه يسمع , اذ ان هاتين الكلمتين كانتا تعلنان عن رسالة وصلته بدون كلمات فصورة الكلمتين لاحقة للرؤيا.
هـل يـمكن لمغامرة من هذا النوع ان تتكرر ؟ ليس هذا مستحيلا تماما, ويتضمن جمع الرؤيين في سـورة الـنجم بعض الشبه في محتواهما ولا نجد من ناحية ثانية , اي ذكر للوحي في وصف الرؤيا الثانية , ومن المتفق عليه عادة اننا بصدد اشارة الى الجنة ولا تساعدنا المقاطع (ج ).
و(د) و(ط) بـاى شـكـل وليس المقطعان الاخيران نداء لمحمد اكثر منهما تاكيدا وتذكيرا بالندا الاول ومن الطبيعي الافتراض ان محمدا قد تذكر رؤياه الاولى في ساعات الشقا.
وربما ساورته الفكرة في ساعة الشدة فنسب ذلك لتدخل خارق ومهما كانت الوقائع بصدد ذكريات من هذا النوع , فانه ليس لها اهمية التجربة الاصلية .
ه - (اق -را).
تتضمن الرواية المتعلقة بوحي سورة العلق (96) عدة اشكال , ويظهر احد هذه الاشكال من خلال المقطع (ه -) للزهري ويجب تفسير قول محمد (ما اقرا) في رده على قول الملك (اقرا) ب - (لا استطيع القراة ) او(التلاوة ) يتضح لنا ذلك من وجود رواية تقول : (ما انا بقارئ ).
وفـي الـتمييز عند ابن هشام (ما اقرا) و(ماذا اقرا) حيث التعبير الثاني لا يمكن ان يعني الا: (ما اتلو) وهذا هو المعنى الطبيعي لقوله : (ما اقرا), ويبدو من المؤكد, تقريبا, ان المفسرين التقليديين اللاحقين تجنبوا المعنى الطبيعي لهذه .
الـكـلـمـات ليجدوا اساسا للعقيدة التي تريد ان محمدا لم يكن يعرف الكتابة , وهذا عنصر رئيسي للتدليل على طبيعة القرآن المعجزة , ومحتوى رواية عبداللّه بن شداد في تفسير الطبري يفترض , اذا كان النص صحيحا ان (ما) بمعنى (ماذا) لانها مسبوقة بالواو.
ان كـلـمـتـي (قـرا) و(قرآن ) هما من الكلمات الدينية التي ادخلتها المسيحية الى شبه الجزيرة الـعربية وتعني ق -را مثلا نصوصا مقدسة , بينما (قرآن ) هي (كريانا) السورية استعملت للدلالة عـلـى (الـقـراة ) ودرس من الكتابات المقدسة وبينما اصبح معنى اللفظ الثاني (قرا) فان له ف هذه الـسـورة , كما يبدو, معنى (تلا عن ظهر قلب ) اي من الذاكرة التي وصلته بصورة خارقة علا من كان على محمد ان يتلو, وفي اية مناسبة ؟ لا نجد مناقشة واضحة لهذه المسالة عند القدما والتفسير الـطبيعي ان محمدا كان عليه ان يتلو ما يتبع ذلك كجز من عبادة اللّه الشكلية وهذا يتفق مع استعمال الكلمة في اللغة السريانية وان المسلمين يسمون تلاوة سورة او عدة سور في صلاتهم (قراة ) كما يـجب ان نلاحظ ان فى رواية عبداللّه بن شداد المشار اليها سابقا, الجواب على السؤال : ما اقرا ؟ ليس (اقرا باسم من ) بل (باسم من ) فهل كان ذلك بداية ل -(بسم اللّه ).
ولـيـس هناك من اعتراض فعلي على راي فقها الاسلام القائل بان هذه السورة هي اول ما اوحي من القرآن ولا يعارض اي مقطع آخر قول سورة العلق , فالامر بالعبادة هو اول ما يمكن انتظار صدوره بالنسبة لمحتوى رسالة القرآن الرئيسية وكلمة (اقرا) موجهة الى محمد بمفرده , وان لم يكن صعبا جعلها موجهة الى اتباعه , لان فكرة الاتباع لم ترد على فكره ساعة الوحي , اي انها ترجع الى فترة سـابـقة على الفترة التي بدا فيها بدعوة الاخرين , وليس من المستبعد, طبعا, ان محمدا كان قد تلقى دعوات اخرى لم يعتبرها جزا من القرآن نجد مثالا على ذلك في الكلمات (انت رسول اللّه ).
و - سورة المدثر, الفترة :.
هـناك رواية عن جابر بن عبداللّه الانصاري تقول ان الايات في مقدمة سورة (المدثر) هي اول ما نـزل مـن الوحي وهي الايات التي تقول : (قم فانذر) وتبدو كامر للعمل كنبي او رسول , ولكنها لا يـمـكـن ان تكون اول ما نزل من الوحي الا اذا كان محمد قد نهض بدعوته العامة دون اية فترة في الاعـداد امـا اذا كان هناك , على العكس , فترة اعداد نزل فيها الوحي , فان هذه الكلمات لا يمكن ان تـكـون اول الوحي وقد راينا ان (اقرا) لا تتضمن بالضرورة رسالة عامة واستمرار هذه الرواية بـالـرغم من الراي العام القائل بان اول الوحي هو سورة (العلق ) يوحي بانهاتتضمن شيئا من الحقيقة والاقرب ان تكون تعبيرا عن بداية دعوته للناس .
و - ايضا - قال مونتجومري في كتابه محمد في مكة ((640)) :.
يحق لنا الاعتقاد بان محمدا, في اول دعوته , قد لقى بعض النجاح ولكن المعارضة مع ذلك لم تعتم ان ظـهـرت ثـم اصبحت ضخمة ويعترضنا هنا سؤالان : متى وكيف ظهرت هذه المعارضة , وعلى اي اسباب رئيسية اعتمدت ؟.
والسؤال الثاني هو الاهم ومن ذلك علينا ان نحاول الاجابة اولا على السؤال الاول .
ا - رس -ال -ة ع -روة :.
حفظ لنا الطبري نسخة عن وثيقة كتبت منذ زمن بعيد وتبدو عليها مظاهر الصحة ((641)) :.
قـد حـدثنا هشام بن عروة عن عروة انه كتب الى عبد الملك بن مروان : اما بعد فانه - يعني رسول اللّه (ص ) - لـمـا دعـا قـومه لما بعثه اللّه من الهدى والنور الذي نزل عليه , لم يبعدوا منه اول ما دعاهم وكادوا يسمعون له , حتى ذكر طواغيتهم وقدم ناس من الطائف من قريش لهم اوال , انكروا ذلـك عـلـيه , واشتدوا عليه , وكرهوا ما قال لهم واغروا به من اطاعهم فانصفق عنه عامة الناس , فتركوه الا من حفظ اللّه منهم , وهم قليل فمكث بذلك ما قدر اللّه ان يمكث ثم ائتمرت رؤوسهم بان يـفتنوا من تبعه عن دين اللّه من ابنائهم واخوانهم وقبائلهم , فكانت فتنة شديدة الزلزال على من اتبع رسـول (ص ) مـن اهل الاسلام , فافتتن من اففتتن وعصم اللّه منهم من شا, فلما فعل ذلك بالمسلمين امـرهم رسول اللّه (ص ) ان يخرجوا الى ارض الحبشة وكان بالحبشة ملك صالح يقال له النجاشي , لا يظلم احد بارضه , وكان يثني عليه , مع ذلك صلاح , وك نت ارض الحبشة متجرا لقريش يتجرون فـيها, يجدون فيها رفاغا من الرزق وامنا ومتجرا حسنا فامرهم بها رسول اللّه (ص ), فذهب اليها عامتهم لما قهروا بمكة , وخاف عليهم الفتن , ومكث هو فلم يبرح , فمكث بذلك سنوات يشتدون على من اسلم منهم ثم انه فشا الاسلام فيها ودخل فيه رجال من اشرافهم ).
وتشبه رواية ابي العالية تقريبا الرواية السابقة , ولكنها لا تحتوي على بيت الشعر الثالث ولكنها مع ذلـك تذكرنا, كبعض الروايات الاخرى , كيف امتنع كبار القرشيين , بسبب اعمارهم , عن السجود فمسحوا جباههم بالتراب عوضا عن ذلك , وهي على عكس الروايات الاخرى , تضيف ان اب اهيهة , سـعـيـد بن العاص , لاحظ قائلا: بان ابن ابي كبشة اشاد بلهتهم يمكن ان تكون الملاحظة صحيحة ونجد اشارة مشابهة لمحمد في ملاحظة اخرى تنسب لهذا الرجل .
واذا قـارنـا مـختلف الروايات وحاولنا ان نميز بين الوقائع الخارجية التي تتفق معها والدوافع التي يـستخدمها المؤرخ لتفسير الوقائع , نلاحظ واقعتين نستطيع ان نعتبرهما اكيدتين اولا رتل محمد فـي وقت من الاوقات الايات التي اوحى بها الشيطان على انها جز من القرآن لانه لا يمكن ان تكون القصة قد اخترعها مسلمون فيما بعد او دسها غير المسلمين ثم اعلن محمد فيما بعد ان هذه الايات لا يـجب ان تعتبر جزا من القرآن ويجب استبدالها بيات تختلف عنها كثيرا في مضمونها والروايات الاولى لا تحدد الوقت الذي حدث فيه ذلك .
والاقرب ان يكون ذلك قد وقع بعد بضعة اسابيع او اشهر.